التفسير اليسير · 47

Kaynak künyesi

El-Yesîr fî't-Tefsîr · QuranEnc.com · Sürüm 1.0.22

Özgün kaynak

1

1- الذين جحدوا أن الله هو الإله الحق، ومنعوا غيرهم من اتباع الدين الحق الذي أمر الله باتباعه، أبطل الله أعمالهم بأن جعلها غير مقبولة عنده وأذهب ثوابها؛ بسبب شركهم.

2

2- والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، وآمنوا بالكتاب المنزل على رسوله محمد ﷺ، وهو الحق الذي لا شك فيه من ربهم، مَحا عنهم ربهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ما عملوه من أعمال سيئة، وسترها عليهم، ولا يعاقبهم عليها، فضلًا منه وكرمًا، وأصلح لهم جميع أحوالهم في دينهم ودنياهم وأخراهم.

3

3- ذلك الذي حكمنا به من الجزاء المذكور للكافرين والمؤمنين سببه: أن الذين كفروا اتَّبَعوا الشيطان الذي لا خير في طاعته ولا فلاح في اتباعه، وأن الذين آمنوا اتَّبَعوا الحق الذي جاء به الرسول ﷺ، وكما بيَّن الله سبحانه وتعالى حكمه في الفريقين: وهو اتباع المؤمنين الحقّ وفوزهم، واتباع الكافرين الباطل وخسرانهم، يضرب الله للناس أمثالهم، فيلحق بكل قوم من الأمثال والأشكال ما يناسبه.

4

4- فإذا لقيتموهم في ساحات الحرب فاثبتوا في قِتالهم، ولا تأخذكم بهم رأفة، بل اضربوا رقابهم بسيوفكم ضربًا شديدًا، واستمروا في قتالهم حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل والجراح، وكسرتم شوكتهم، وأسرتموهم فشدوا قيود الأسرى، وهؤلاء الأسرى لكم فيهم الخيار حسب ما تقتضيه المصلحة؛ إما أن تَمُنُّوا عليهم بإطلاق سراحهم دون مقابل، وإما أن يفادوا أنفسهم بالمال أو غيره، وإما أن يُسْتَرَقُّوا، أو يُقْتَلوا، واستمِرُّوا على قتالهم وأسرهم حتى تنتهي الحرب بهزيمتهم وانتصاركم عليهم، ذلك الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، ومداولة الأيام بينهم بانتصار بعضهم على بعض، هو حكم الله، ولو يشاء الله الانتصار من الكفار والانتقام منهم دون قتال، لانتصر للمؤمنين من الكافرين بغير قتال، ولكنه لم يفعل ذلك بل أمركم بمحاربتهم ليختبر بعضكم ببعض، فيختبر من يجاهد من المؤمنين ومن لا يجاهد، ولينصر بكم دينه، ويختبر الكافر بالمؤمن، فإن قتل المؤمن في المعركة دخل الجنة، وإن قتله المؤمن دخل النار، والذين قُتلوا من المؤمنين وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله فلن يُبْطِل الله ثواب أعمالهم.

5

5- سيوفقهم لاتباع الحق وطاعته في أيام حياتهم الدنيا، الموصل إلى سعادتهم وفلاحهم، ويُصْلح أحوالهم وشؤونهم.

6

6- ويدخلهم الجنة يوم القيامة قد عرَّفهم بأوصافها في الدنيا، ووفقهم للقيام بما أمرهم به، ومن جملته الشهادة في سبيله، وعرَّفهم مساكنهم في الجنة إذا دخلوها بحيث لا يخطئونها، حتى لكأنهم يقيمون فيها منذ خلقوا.

7

7- يا من آمنتم بالله وصدقتم برسوله وعملتم بشرعه، إن تنصروا دين الله بالجهاد في سبيله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ينصركم على أعدائكم، ويثبت أقدامكم في الحرب عند لقائهم في أرض المعركة، ويوفقكم بعد ذلك للثبات على دينه، والشكر على نعمه.

8

8- والذين كفروا بالله وبرسوله ولم يعملوا بشرعه، فهلاكًا وشقاء وخُسْرًا لهم، وأبطل الله ثواب أعمالهم فلم يقبلها منهم؛ لأنها صدرت عن نفوس أشركت مع خالقها ورازقها آلهة أخرى في العبادة.

9

9- ذلك العقاب الواقع بهم بسبب أنهم كرهوا كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ لما فيه من توحيد الله، فكذبوا به، فكانت نتيجة هذه الكراهية أن أبطل الله أعمالهم، فخسروا دنياهم وآخرتهم.

10

10- أفلم يَسِرْ هؤلاء الكفار المكذبون بالرسول ﷺ في أرض الله معتبرين فيشاهدوا ما حلَّ بالأمم المكذبة قبلهم من العقاب؟ فقد كانت نهايتهم مؤلمة، دمَّر الله عليهم مساكنهم التي كانوا يسكنونها، وأهلكهم إهلاكا شديدًا، وللكافرين في كل زمان ومكان أمثال تلك العاقبة السيئة التي حلت بتلك الأمم المكذبة.

11

11- ذلك الجزاء المذكور للفريقين: فريق الإيمان وفريق الكفر؛ بسبب أن الله وليُّ الذين آمنوا ونصيرهم، وأن الكافرين لا وليَّ لهم ينصرهم أو يدفع عنهم ما حل بهم من دمار وخسران.

12

12- إن الله يدخل الذين آمنوا بالله وبرسوله وعملوا الصالحات جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار تَكْرمَة لهم، ومثَلُ الذين كفروا بالله وبرسوله في أكلهم وتمتعهم بملاذ الدنيا أيامًا قليلة كمثل البهائم التي لا همَّ لها إلا بطونها وشهواتها ولا تبالي بغير ذلك، والنار يوم القيامة هي مسكنهم ومأواهم الذي يأوون إليه.

13

13- وكثير من أهل القرى في الأمم السابقة كانوا أشد بأسًا، وأكثر عتادًا وعدة، وأموالًا وأولادًا من أهل قريتك مكة التي أخرجك أهلها منها، أهلكناهم بأنواع العذاب لما كفروا بربهم وكذبوا رسله، فلم يكن لهم من نصير ينصرهم من عقابنا لما جاءهم، أو يجيرهم من عذابنا مجير، فلا يعجزنا إهلاك قومك إذا أردنا إهلاكهم.

14

14- أفمن كان على برهان واضح من ربه، والعلم بشرعه، قد علم الحق واتبعه ورجا ما عند ربه، فهو يعبد ربه على بصيرة، كمن حسَّن له الشيطان قبيح عمله، قد رفض الحق واتبع ما تميل إليه نفسه من عبادة غير الله مِن الأصنام والأوثان والتكذيب بالرسل وفعل المعاصي بغير حجة ولا برهان؟ لا يستوون في عقل أي عاقل، فالفريق الأول مهتد في منهجه وسلوكه، والفريق الثاني على النقيض منه.

15

15- صفة الجنة التي وعد الله عباده الذين اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه بدخولها: أنها فيها أنهارٌ عظيمة من ماء غير متغيِّر في طعمه أو رائحته لطول مكث، وفيها: أنهار من لبن لم يتغيَّر طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها، وفيها: أنهار من خمر يتلذذ بها الشاربون إذ لا يعقبها ذهاب عقل، ولا صداع، وفيها: أنهار من عسل قد صُفِّي مما يخالطه من الشوائب، ولهم في الجنة فضلًا عن كل ذلك جميع أنواع الثمرات من مختلف الفواكه وغيرها التي يشتهونها، وأعظم من ذلك كله محو الله لذنوبهم والتجاوز عنها وسترها عليهم، هل يستوي من يكون جزاؤهم الجنة ونعيمها مع مَن هم ماكثون في النار يعذبون لا يخرجون منها أبدًا؟! وسُقوا ماء شديد الحرارة فقطَّع أمعاءهم من شدة الحرارة، لا شك أن كل عاقل يعلم أنه لا مساواة بين حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين.

16

16- ومن هؤلاء الكفار منافقون يستمعون إليك -أيها الرسول- بآذانهم لا بقلوبهم تهاونًا منهم واستخفافًا، حتى إذا انصرفوا من مجلسك الذي كانوا يستمعون إليك فيه، قالوا على سبيل الاستهزاء لمن حضروا مجلسك من أهل العلم من اصحابك: ماذا قال محمد في حديثه منذ قليل؟ هؤلاء المنافقون الذين قالوا هذا القول قد ختم الله على قلوبهم، فلا يصل إليها خير، ولا تهتدي إلى الحق، وهم الذين اتبعوا أهواءهم في الكفر والضلال فأعمتهم عن اتباع الحق، فصاروا لا يعقلون حقًّا، ولا يفقهون حديثًا.

17

17- والذين اهتدوا لاتِّباع طريق الحق الذي دلهم عليه رسولهم ﷺ فاستجابوا له، وخالطت بشاشته قلوبهم، فهم الذين زادهم ربهم فقهًا في الدين وهداية وتوفيقًا للخير، والعمل الصالح الذي يَقيهم من دخول النار.

18

18- فهل ينتظر هؤلاء الكفار المكذبون إلا الساعة التي وُعدوا بها أن تأتيهم فجأةً، من غير سبق علم لهم بها، أو استعداد لها؟ والحق أنه قد ظهرت علاماتها، ومنها: بعثة محمد ﷺ وانشقاق القمر ولم ينتفعوا بذلك، فكيف لهم أن يتذكروا إذا جاءتهم الساعة؟ قد ذهب وقت التذكر، فقد عمروا في الدنيا وجاءهم النذير ولم يتذكروا.

19

19- فاعلم -أيها الرسول- علمًا يقينيًا أنه لا معبود بحق إلا الله، واثبت على هذا العلم، واعمل بمقتضاه، واستمر على هذا العمل، واطلب من الله المغفرة لذنبك، واطلب المغفرة منه لذنوب المؤمنين والمؤمنات، والله يعلم تصرفكم في يقظتكم نهارًا، ومستقركم في نومكم ليلًا، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

20

20- ويقول الذين آمنوا بالله ورسوله: هلا أنزل الله سورة جديدة من هذا القرآن تأمرنا بجهاد الكفار؟ فإذا أنزل الله سورة محكمة في بيانها وأحكامها وذُكر فيها الجهاد، الذي هو أشق شيء على النفوس، لم يثبت ضعفاء الإيمان على امتثال هذه الأوامر، فرأيت الذين في قلوبهم شك في دين الله ونفاق ينظرون إليك -أيها الرسول- نظر من أغمي عليه من شدة الخوف والرعب؛ لشدة خوفهم من القتال معك وكراهيتهم له، فأولى لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض

21

21- أن يطيعوا الله والرسول وأن يقولوا قولًا معروفًا، فإذا وجب القتال وجاء أمر الله بِفَرْضه كره هؤلاء المنافقون ذلك، فلو صدقوا الله في إظهار إيمانهم به وطاعتهم له؛ لكان خيرًا لهم من تلك المسالك الخبيثة التي سلكوها مع نبيهم ﷺ من النفاق والمخالفة لأوامره.

22

22- يقول الله سبحانه وتعالى لهؤلاء المنافقين: فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن، وفارقتم أحكامه، وأدبرتم عن محمد ﷺ وعما جاءكم به أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بالمعصية والبغي وسفك الدماء وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ فترجعوا إلى ما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرّق، بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام، وألَّف به بين قلوبكم.

23

23- أولئك المتصفون بالإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام هم الذين أبعدهم الله عن رحمته، وأصم آذانهم فجعلهم لا يسمعون ما ينفعهم سماع إذعان وقبول، وأعمى أبصارهم فجعلهم لا يبصرون الآيات وحجج الله إبصار اعتبار بها.

24

24- فهلا تدبر هؤلاء المنافقون المعرضون مواعظ القرآن، وتفكروا في حججه، وتأملوا ما فيه حق التأمل؟ فإنهم لو تدبروا القرآن لدلّهم على كل خير، وأبعدهم عن كل شر، بل قلوب هؤلاء المنافقين مغلَقة عليها أقفال حالت بينهم وبين التدبر والتفكر، فلا يصل إليها شيء من هدى ولا تنفعها موعظة، ولا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والنفاق.

25

25- إن الذين ارتدُّوا عن الهدى والإيمان إلى الضلال والكفر، وهم المنافقون، الذين يتظاهرون بالإسلام ويخفون الكفر، من بعد ما قامت عليهم الحجة وتبين لهم صدق النبي ﷺ، فالشيطان هو الذي زيَّن لهؤلاء المنافقين خطاياهم من الضلال والكفر وسهله لهم، ومد لهم في الأماني الباطلة، والآمال الفاسدة، وأسباب الغواية والضلال.

26

26- ذلك الارتداد عن الحق والتمادي في الكفر سببه أن هؤلاء المنافقين قالوا لليهود الذين كرهوا ما نَزل الله على رسوله ﷺ من الوحي: سَنُطيعكم في بعض الأمور التي على رأسها: التعاون على العداوة لمحمد ﷺ، ولما جاء به من عند ربه، والتثبيط عن الجهاد، والله يعلم ما يخفيه هؤلاء وما يسرونه من أقوال سيئة، ومن أفعال قبيحة، لا يخفى عليه شيء منها، فيظهر ما شاء منها لرسوله ﷺ وسيعاقبهم على أعمالهم عقابًا شديدًا.

27

27- فكيف يكون حال هؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم، وقالوا ما قالوا من كفر وضلال إذا قبضت الملائكة الموكلة بقبض الأرواح أرواحهم، وهم يضربون وجوههم وأدبارهم بمقامع الحديد ضربًا شديدًا موجعًا؟ لا شك أن حالهم سيكون أسوأ حال وأقبحه.

28

28- ذلك العذاب الذي استحقوه ونالوه سببه أن هؤلاء المنافقين اتبعوا ما أسخط الله عليهم من الكفر والنفاق والصد عن دين الله، وكرهوا ما يقربهم من ربهم من فعل ما يُرضيه من الإيمان والعمل الصالح، ومنه قتال الكفار بعدما افترضه الله عليهم، فكان جزاء ما فعلوا أن أبطل الله ثواب أعمالهم فلم يقبلها منهم.

29

29- بل أظن هؤلاء المنافقون الذين امتلأت قلوبهم بمرض الكفر والضلال أن الله لن يُخْرِج ما في قلوبهم من الحقد الشديد على الإسلام وأهله، ويظهره للنبي والمؤمنين؟ بلى، ليخرجنَّها بالابتلاء بالمحن؛ ليميز الله الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق.

30

30- ولو نشاء -أيها الرسول- لأريناك أشخاص المنافقين، فلعرفتهم بعلامات ظاهرة فيهم والتي يتميزون بها عن غيرهم، ولتعرفنَّهم بأسلوب كلامهم وفلتات لسانهم الدالة على مقاصدهم السيئة، حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا يقصدون ظاهرها، وإنما يقصدون أشياء أخرى فيها الإساءة إليك وإلى أتباعك، والله لا تخفى عليه أعمال مَن أطاعه ولا أعمال من عصاه، وسيجازي كلًّا بما يستحق على ما عمله من خير وشر.

31

31- ولنختبركم -أيها المؤمنون- بأن نأمركم بالجهاد حتى يظهر ما علمه سبحانه وتعالى في الأزل؛ ليميز أهل الجهاد منكم في سبيل الله لنصرة دينه وإعلاء كلمته، والصابرين منكم على قتال أعدائه، ونختبركم في أقوالكم وأفعالكم، فيظهر الصادق منكم والكاذب.

32

32- إن الذين كفروا بالله وبرسوله، وصدوا الناس عن الإسلام، وخالفوا رسوله ﷺ فعادوه وحاربوه من بعد ما جاءتهم الحجج والآيات التي تبين أنه صادق فيما يبلغه عن ربه، لن يضروا دين الله شيئًا، وإنما يضرون أنفسهم، وسيُبْطِل الله ثواب أعمالهم التي عملوها وظنوها نافعة لهم، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام؛ والسبب أنهم لم يقصدوا بأعمالهم التي عملوها في دنياهم وجه الله تعالى.

33

33- يا من آمنتم بالله وصدقتم برسوله وعملتم بشرعه، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فامتثلوا أمرهما واجتنبوا نهيهما، ولا تبطلوا ثواب أعمالكم؛ بسبب ارتكابكم للمعاصي، التي على رأسها الشرك والنفاق والرياء.

34

34- إن الذين كفروا بالله ورسوله، ومنعوا الناس عن الطريق التي توصلهم إلى رضا الله وطاعته، ثم ماتوا على كفرهم وصدهم عن سبيل الله دون أن يتوبوا من ذلك، فلن يغفر الله لهم ذنوبهم بتجاوزه عنها وسترها عليهم، بل سيعذبهم بها ويفضحهم على رؤوس الأشهاد؛ عقابًا لهم على كفرهم وعنادهم وصدهم الناس عن دينه، ويدخلهم النار باقين فيها أبدًا.

35

35- إذا كان الأمر كما ذكرت لكم -أيها المؤمنون- فلا تضعفوا عن جهاد المشركين، وتجْبُنوا عن مواجهة عدوكم وقتالهم، وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة على سبيل الخوف منهم، وإظهار العجز أمامهم قبل أن يدعوكم إليه، وأنتم الغالبون لهم والعالون عليهم، والله معكم بنصره وعونه وتأييده، ولن يُنْقصكم الله شيئًا من ثواب أعمالكم، بل يوفيكم ثوابها كاملة تفضلًا منه وكرمًا.

36

36- إنما الحياة الدنيا لعب ولهو إلا ما كان منها في عبادة الله وطاعته، فلا ينشغل بالدنيا عاقل عن العمل لآخرته، وإن تؤمنوا بالله ورسوله، وتتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ يُعطكم ثواب أعمالكم كاملًا غير منقوص، ولا يطلب منكم إخراج أموالكم جميعها على سبيل دفعها في الزكاة المفروضة، ولا يطلب منكم شيئا من أموالكم إلا ما وجب عليكم من الزكوات والنفقات.

37

37- إن يطلب منكم إخراج جميع أموالكم، ويُلِحَّ عليكم في طلبها منكم؛ تبخلوا بها وتمنعوها، ويظهر ما في قلوبكم من كراهيتكم لهذا التكليف إذ طلب منكم ما تكرهون بذله؛ لأن حبكم للمال يجعلكم تكرهون كل تشريع يأمركم بإخراج جميع أموالكم، فترك طلبها منكم رفقًا بكم.

38

38- ها أنتم -أيها المؤمنون- تُدْعَون لتنفقوا جزءًا من أموالكم في وجوه الخير التي على رأسها جهاد أعداء الله ونصرة دينه، على هذا الوجه الذي فيه مصلحتكم الدينية والدنيوية، ولا يطلب منكم إنفاق أموالكم كلها، فمنكم مَن يَبْخَلُ بالنفقة في سبيل الله، ومَن يَبْخَلْ بإنفاق جزء من ماله فإنما يبخل على نفسه بحرمانها الجزاء الجزيل للمنفقين، والله هو الغنيُّ عنكم فلا يحتاج إلى صدقتكم وأنتم الفقراء إليه؛ لاحتياجكم إلى عونه احتياجًا تامًّا، وإن ترجعوا عن الإسلام إلى الكفر يهلككم، ويأت بقوم آخرين، ثم لا يكونوا أمثالكم في عدم امتثال أوامره والبخل بإنفاق المال، بل يطيعونه ويطيعون رسوله ﷺ، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم ابتغاء مرضاته.