بدأت السورة بنداء المؤمنين بلفظ الإيمان، وهو إعلامٌ وتذكيرٌ لهم بالإيمان بالله، وهو عقدٌ التزم به الإنسان الذي آمن بأركان الإسلام وأركان الإيمان، وبجميع ما أُمِرَ به المسلمون وما نُهُوا عنه؛ حسَبَ المقدرة؛ فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وُسْعَها، ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين أن يحافظوا على الوفاء بالعقود.
والعَقْدُ هو: توثيق ما يتفق عليه الطرفان؛ سواءٌ كانت عقودًا تجارية أو ضمانية أو صُلْحية، ويشمل ذلك: المحافظةَ على العقود التي بين الناس وبين الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، والمحافظةَ على العقود التي بينهم وبين الرسول ﷺ؛ بطاعته واتباعه، والمحافظةَ على العقود التي بينهم وبين الناس؛ كعقود المعاملات والتبرُّعات وحقوق المسلمين وغير ذلك.
ثم بيَّن سبحانه أنه أحلَّ لكم -أيها الناس- أكل لحوم الأنعام من الإبل والبقر والغنم إلا ما جاء النص بتحريمه، ثم بيَّن أنه لا يجوز لكم صيدُ البرِّ إذا كنتم محرِمينَ بالحجِّ أو العمرة، أو كنتم داخل حدود الحرم المكي أو المدني، واعلموا أن الله يقضي بحِكْمته ما يريد من أحكام.
2
يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله ﷺ، وعملوا بشرعه، لا تتعدَّوْا حدود الله التي حدَّها لكم من إحلال الحلال، وتحريم الحرام، ولا تنتهكوا الأشهُرَ الحُرُمَ بالقتال فيها، والأشهُرُ الحرم هي: رجب، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم، ولا تستحلُّوا حرمة ما يُهدى إلى البيت الحرام من الأنعام في حج أو عمرة وغير ذلك؛ فتتعرَّضوا لها بسرقة أو غصب ونحو ذلك، ولا يجوز التعرُّض للهدايا التي يوضع في عُنُقها قلائد، أي: علاماتٌ لِيَعرِفَ الناس أنها مهداة لبيت الله الحرام، ولا تمنعوا قاصدي البيت عن الوصول إليه، ولا تقاتلوهم؛ لأنهم أحرموا يبتغون فَضْلَ الله ورضاه، وإقامةَ شعائره، وإذا تحلَّلتم من الإحرام، جاز لكم الصيد في غير الحَرَم، ولا يحملنَّكم أو يدفعنَّكم بُغْضُ القوم الذين منعوكم عن المسجد الحرام: أن تعتدوا عليهم أو تظلموهم؛ يريد الله بذلك أن يطهِّر قلوبكم من الرغبة في الانتقام للنفس، ويطلُبُ منكم أن يكون كفاحكم وقتالكم لنصرة الإسلام؛ فهو الذي يستحق التضحيةَ بالنَّفْسِ والنفيس، أمَّا عمَّا لحقكم من أذًى وتضييقٍ وبغضٍ منهم لكم، فإنكم تحتسبون أجر ذلك عند الله.
ثم أمَرَ سبحانه أن يتعاون بعضكم مع بعض -أيها المؤمنون- على فعل الخير وطاعة الله، ولا تتعاونوا على المعاصي وظلم الناس، واتقوا الله بفعل ما أَمَرْ، واجتناب ما نهى عنه وزَجَرْ؛ فإن الله شديد العذاب لمن خالف أمره.
3
ثم بيَّن جل وعلا المحرَّمات من المطاعم؛ ومن ذلك: أنه حرَّم الميتةَ، وهي التي ماتت من غير ذَكَاة شرعية، ويستثنى من ذلك: الجرادُ والسمك؛ فإنه حلال بنص الحديث[47]، وحرَّم الدمَ، أي: الدم المسفوح، وحرَّم لحم الخنزير: وهو الحيوان المعروف، وهو من جملة الخبائث المحرَّمة، وحرَّم ما أُهِلَّ لغير الله به، أي: الذي ذُكِرَ اسم غير الله عليه؛ كأنْ يذكُرَ عند ذبحه اسم صنم أو ولي أو كوكب ونحو ذلك، وهذا من الشرك بالله، وهذه محرَّمة مطلقًا حتى ولو ذُكِرَ اسم الله عليها، وحرَّم المنخنقةَ: وهي التي تم خنقها بحبل ونحوه، وحرَّم الموقوذةَ: وهي التي صُعِقَتْ أو ضُرِبَتْ على رأسها حتى ماتت، وحرَّم المتردِّيةَ: وهي التي سقَطَتْ من شاهق كجبل ونحوه، وحرَّم النطيحةَ: وهي التي نطَحَها حيوان ونحوه فأهلَكَها، وحرَّم ما أكَلَ السبع: وهي التي عدا عليها ذئبٌ أو أسد، أو افترسها طير، فإذا ماتت بسبب ذلك، فإنه لا يحل أكلها.
وهذه الخمسة –وهي: المنخنقة، والموقوذة، والمتردِّية، والنطيحة، وما أكل السبع- إذا وُجِدَتْ وفيها حياة، فإنه يحل أكلها بعد ذبحها؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ﴾، أي: ما أدركتم منها وفيه حياة، فذبحتموه ذبحًا شرعيًّا.
وحرَّم ما ذُبِحَ على النُّصُب: وهي التي كانت تُذْبَحُ عند الآلهة والأصنام؛ فهذه لا تحل حتى لو ذُكِرَ اسم الله عليها، وحرَّم الاستقسامَ بالأزلام، وهي: القِدَاحُ التي كانوا يستقسمون بها إذا أرادوا أمرًا. واعلموا -أيها الناس- أن من تناول شيئًا مما سبق تحريمه، فإن ذنبه عظيم؛ لخروجه عن طاعة الله.
ثم أخبَرَ سبحانه أنه في هذا اليوم –أي: يومِ عَرَفة– الذي أتم الله فيه الدين، قد يئس الكفار كل اليأس أن ترجعوا عن دينكم أيها المؤمنون؛ فلا تخافوهم بعد الآن، وخافوا الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، ثم أخبَرَ سبحانه أنه في هذا اليوم أكمَلَ لكم -أيها المؤمنون- أحكام دينكم، وأتم عليكم نعمته؛ بإعزازكم وتثبيت أقدامكم على هذا الدين، وأنه اختار لكم الإسلام دينًا؛ فمن اضطُرَّ إلى شيء من المحرَّمات التي ذُكِرَتْ بسبب جوع أو غيره، غير متعمِّد لمعصية بأكل أكثر مما يسُدُّ رَمَقَهُ ويضمن حياته ونحو ذلك، فإن الله يعفو ويغفر له ما أكل، وهو رحيمٌ بعباده حيث رخَّص لهم في تناول ما حرَّم عليهم عند الضرورة.
وقوله: ﴿ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ﴾، نزَلَ حين انتصَرَ المسلمون على اليهود والكفَّار وانتشر الإسلام، أما اليوم، فقد ضَعُفَ المسلمون، وتكالبت الدول العظمى على حرب الإسلام؛ فنسأل الله أن يعيد للإسلام عزَّته، وأن يبعث للمسلمين من يصحِّح عقيدتهم ويوحِّدهم.
وقوله: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي﴾، نزل في عرَفَةَ في حجة الوداع، والرسول ﷺ يخطب بعرفة؛ كما قال ذلك عمر رضي الله عنه لليهوديِّ الذي قال: (لو نزَلَتْ هذه علينا، لجعلنا يوم نزولها عيدًا)؛ فاللهم لك الحمد والشكر على ما أسديت.
4
أخبَرَ جل وعلا أن الصحابة سألوا النبي ﷺ: ماذا أَحَلَّ الله لهم من أنواع الطعام وغيره؟! فأمره الله أن يقول لهم: أُحِلَّ لكم الطعام الطيِّب الذي تستطيبه النفوس، وأُحِلَّ لكم ما صادَتهُ الكِلابُ والصُّقورُ المعَلَّمةُ التي درَّبتموها مستمدِّين ذلك مما علَّمكم الله؛ فكلوا مما تصيد هذه الجوارح لكم، وعليكم أن تذكُرُوا اسم الله عند إرسالها، واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه؛ فإنه سريع الحساب.
5
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أُحِلَّ لكم –أيها المؤمنون- الطعام الطيب الذي تستطيبه النفوس، وأُحِلَّ لكم طعامُ اليهود والنصارى وذبائحهم مما لم يَرِدْ نص بتحريمه؛ كما أُحِلَّ طعامكم لهم، وأُحِلَّ لكم نكاح الحرائر العفيفاتِ من المؤمنات، والعفيفاتِ من نساء اليهود والنصارى إذا أدَّيتم لهنَّ مهورهنَّ بقصد الزواج، وليس بقصد استباحة العلاقات غير الشرعية، ولا بقصد اتخاذِهِنَّ عشيقاتٍ، واعلموا أن من يكفُرْ بالله الذي يجب الإيمان به، فقد حَبِطَ عمله إذا مات على ذلك، وهو في الآخرة ممن خَسِرَ الثواب والجنة. قال الجمهور: (الذين يُحْبَطُ عملهم الصالح الماضي قبل إسلامهم، هم الذين يموتون على الكفر، أمَّا الذين يتوبون قبل الممات، فإن أعمالهم الماضية الصالحة أيام كفرهم لا تُحْبَطُ)، واحتج بقوله: ﴿وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ﴾ [البقرة:٢١٧]، وعند أبي حنيفة: أن الردَّة تُحْبِطُ الأعمال مطلقًا القديمة والحديثة، وإن تاب وعاد إلى الإسلام؛ واحتجَّ بقوله: ﴿وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، وقوله: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ﴾.
6
أخبَرَ جل وعلا في هذه الآية عن فرائض الوضوء التي يجب على المسلم أن يقوم بغَسْلها إذا أراد الصلاة، فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله، وعملوا بشرعه، إذا أردتُّم القيام إلى الصلاة، وأنتم مُحْدِثونَ حَدَثًا أصغر، فتوضؤوا الوضوء الشرعي؛ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، أي: مع المرافق؛ حيث إن المرفقين داخلان في المغسول، وهذا قولُ الجمهور، ثم امسحوا رؤوسكم، ثم اغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، والكعبان: هما العظمان الناتئان في كل رِجْلٍ عند مفصل الساق من القَدَم.
أما إذا كنتم على جنابة، أي: مُحْدِثِينَ حَدَثًا أكبر؛ بسبب نزول مَنِيٍّ أو جماع ونحو ذلك، فيجب عليكم أن تغتسلوا، أي: تغسلوا جميع بدنكم بالماء.
ثم بيَّن سبحانه الأعذار التي تبيح للإنسان استعمال التيمُّم للصلاة أو الطواف أو قراءة القرآن؛ عند العجز عن استعمال الماء، فقال سبحانه: فإذا كنتم مرضى وعَجَزْتم عن استعمال الماء، أو كنتم على سفر في حال الصحة، أو قضى أحدكم حاجته، أو جامع زوجته؛ فلم تجدوا ماءً، فاقصدوا الأرض الطاهرة، واضربوا بأيديكم وجه الأرض ضَرْبةً واحدة، وامسحوا وجوهكم وأيديكم من ذلك الصعيد الطيِّب.
واعلموا أن الله سبحانه لا يريد أن يضيِّقَ عليكم، فوسَّع وشرَعَ ذلك؛ ليطهِّركم ظاهرًا وباطنًا، وليتم نعمته عليكم، ولتشكروا الله على هدايته وتمام نعمته.
7
ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يذكُرُوا نعمه عليهم، وأعظَمُ هذه النعم: نعمة الإسلام، وأن يذكُرُوا عهده وميثاقه الذي أخذه عليهم، وهو الإيمان بالله ورسوله، والسمع والطاعة لهم.
وقد قيل: المراد بالعهد والميثاق الذي أُخِذَ على بني آدم: ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
قال المفسِّرون: وإن كنا لا نذكُرُهُ فقد أُخبِرْنا به.
وقيل: هو العهدُ والميثاق الذي أخذه النبي ﷺ على الأنصار بأمر من الله في بيعة العَقَبة، وهو السمع والطاعة في كل ما أمر ونهى.
ثم أمَرَ سبحانه عباده أن يخافوا الله في جميع أحوالهم، في سرِّهم ونجواهم؛ فإنه سبحانه عليمٌ بخفيَّات قلوب عباده، ومجازيهم عليها.
8
يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله، وعملوا بشرعه، قوموا لله بكل حق يلزمكم القيام به، مِنَ العمل بطاعته والاستقامة على شرعه، والتزموا العدل في الشهادة، ولا يحملنَّكم شِدَّةُ بغضكم للكفار والمشركين على ترك العدل معهم؛ فيؤدِّي بكم ذلك إلى الاعتداء عليهم وظلمهم.
ثم أمَرَ سبحانه بالعدل مع المؤمنين ومع الأعداء، وبيَّن أن ذلك أقرب لخشية الله، واتِّقاء ناره حتى لا تصيبكم، واتَّقوا الله -أيها المؤمنون- بالعمل بطاعته والبعد عن معصيته؛ إنه سبحانه خبيرٌ بما تعملون، وسيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.
9
ثم وعَدَ جل وعلا الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة؛ أن يعفُوَ عن ذنوبهم، ويغفر لهم، ويُجْزِل لهم الثواب، وهذا الوعد تفضُّلٌ منه سبحانه، والله لا يخلف الميعاد.
10
واعلموا أن أولئك الذين كفروا بالله، وأعرضوا عن دينه، وكذَّبوا بآياته الدالة على وحدانيته، وصِدْقِ رسالته، هم أهل النار وأصحابها، خالدين في جهنم لا يفارقونها أبدًا.
11
يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله، وعملوا بشرعه، اذكروا نعمة ربكم عليكم وقت الشدة حين هَمَّ قوم من المشركين أو اليهود أن يقتلوكم ويقتلوا نبيَّكم، فأحبَطَ الله كيدهم، وكَفَّ أيديهم عنكم؛ فاتقوا الله الذي أراكم قدرته بكَفِّ أيديهم عنكم، وتوكَّلوا عليه وحده في جميع أموركم؛ إنه خير كفيل، وأفضل معين.
12
ثم بيَّن جل وعلا أنه أخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل على أن يعملوا بما في التوراة، وأمر سبحانه موسى عليه السلام أن يجعل عليهم اثنَيْ عشَرَ نقيبًا، أي: مسؤولًا رئيسًا عليهم يأخذون عليهم العهد والميثاق بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، ثم قال الله لبني إسرائيل: اعلموا أني معكم بالعَوْن والنصر والتأييد؛ إذا أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة المفروضة، وآمنتم برسلي، ونصرتموهم، وأنفقتم في وجوه الخير؛ فإذا فعلتم هذه التكاليف، فسوف أمحو عنكم سيئاتكم، وأُدْخِلكم جناتٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار؛ فمن جحَدَ هذا العهد والميثاق منكم بعد أن عرف هذه الأوامر، فقد ضل وحاد عن الطريق السويِّ المستقيم.
وإسرائيلُ: هو يعقوبُ عليه السلام، وأولاده اثنا عشَرَ ولدًا، وكل واحد منهم تكوَّنت منه قبيلة بالتناسل، وكل قبيلة جُعِلَ عليها نقيبُها البارز من رجالها الذي يَعْرِفُ خصائصهم ويجلُّونه.
13
ثم بيَّن جل وعلا أنه بسبب نقض بني إسرائيل العهود والمواثيق طَرَدَهم من رحمته، وجعل قلوبهم قاسيةً كالحجارة أو أشد قسوة، ثم بيَّن سبحانه أن من جرائم بني إسرائيل: أنهم يحرِّفون كلام الله عن معناه الأصلي إلى ما يوافق أهواءهم، وتركوا نصيبًا وافرًا وقسمًا نفيسًا مما أُمِروا به في التوراة فلم يعملوا به، واعلم -أيها النبي- أنك لا تزال ترى منهم الخيانة والغدر؛ فلا تَظُنَّ أنك آمِنٌ من كيدهم؛ فهم قوم غدَّارون لا أمان لهم، إلا قليلًا منهم ممن أسلم ولم يخن العهد.
ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يتجاوز عنهم، وأن يصفح عن سوء معاملتهم، وأن يُحْسِنَ إليهم؛ لأن الله يحب المحسنين.
14
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أخذ كذلك العهد والميثاق على الذين ادَّعَوْا أنهم أتباع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، كما أخذه على اليهود، وهؤلاء أيضًا تخلَّوْا عن دينهم، وتركوا نصيبًا وافرًا وشيئًا نفيسًا من تعاليم دينهم التي أُمِروا بها؛ فعاقَبَهم الله بأنْ جعَلَ بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف يُخبرهم الله يوم القيامة بما كانوا يعملون، وسيعاقبهم على أفعالهم القبيحة التي كانوا يعملونها.
15
ثم وجَّه جل وعلا النداء لليهود والنصارى، فقال: يا معشر اليهود والنصارى، قد جاءكم الرسول محمد ﷺ داعيًا إلى الحق، ومبيِّنًا لكم كثيرًا مما كنتم تكتمونه عن الناس من التوراة والإنجيل، وتاركًا كثيرًا مما أخفيتموه ممَّا لم تدع الحاجة إلى إظهاره، واعلموا أن نبي الله محمدًا ﷺ جاءكم من عند الله بأحكام هي نُورٌ في ذاتها، وهذه الأحكام مبيَّنةٌ في كتاب واضح، وهو القرآن الكريم.
16
ثم بيَّن جل وعلا أن هذا القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ يَهْدِي به الله من اتَّبع رضا الله، ويهديهم إلى سُبُل النجاة في الدنيا والآخرة، ويُخْرِجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإسلام والإيمان بتوفيقه، ويُرْشِدهم إلى طريق الحق الواضح المستقيم.
17
ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء النصارى قد كفروا؛ لأنهم ادَّعَوْا أن الله هو المسيح بن مريم، وهذا من أقبح الكفر؛ حيث جعلوا المخلوق خالقًا، فقل لهم -أيها النبي-: فمَنْ يقدر أن يدفع عن المسيح شيئًا أراده الله تعالى به؟! كأن يريد سبحانه أن يهلك عيسى بن مريم وأمه، بل ويهلك جميع مَن في الأرض؛ واعلموا أيها الناس أن لله جميع ما في السموات والأرض وما بينهما، يخلُقُ ما يشاء على أي مثال أراد؛ فقد خلَقَ عيسى مِنْ غير أب، وخلَقَ حوَّاء من غير أم، وخلَقَ آدم من غير أب وأم، والله جل في علاه عظيمٌ، ذو قُدْرة مطلقة؛ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
18
ثم أخبَرَ جل وعلا بما قالت اليهود والنصارى؛ حيث قالت كل واحدة منهما: ﴿نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ﴾؛ فقل -أيها النبي- لهؤلاء: إن كنتم كما تقولون: إنَّكم أبناء الله وأحباؤه، فلِمَ يعذِّبُكُم بذنوبكم؟! ثم أخبر جل في علاه أنهم بشر كسائر بني آدم، وأنه سبحانه يغفر لمن تاب من اليهود والنصارى وجميع الكَفَرة الجاحدين لنبوَّة محمد ﷺ، ويعذِّب كل من جحد نبوَّة محمد ﷺ، ومات على ذلك، واعلموا أن لله جميع ما في السموات والأرض وما بينهما، وأن إليه مصير ومرجع جميع العباد، ثم يحكُمُ بينهم بالعدل، ويجازي كلًّا بما يستحقه.
وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ﴾ [البقرة:١١٣]؛ وعلى هذا فتكون اليهود قالت عن نفسها فقطْ، والنصارى قالت عن نفسها فقطْ؛ لأن كل فريق منهما يعتقد ضلال الآخر.
19
واعلموا -يا معشر اليهود والنصارى- أنه قد جاءكم رسول الله محمد ﷺ يدعوكم لعبادة الله وحده لا شريك له، وذلك بعد فترةِ انقطاعٍ من الرسل والأنبياء، وضلالٍ كبيرٍ في العقائد والمعاملات والأفكار؛ لكيلا تقولوا يوم القيامة: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير، وهو محمَّد ﷺ، يبشِّر المؤمنين بالجنة، وينذر العاصين والكافرين بالنار، واعلموا أن الله قادرٌ على عقاب العاصين، وإثابة الطائعين؛ لا يمنعه شيء من ذلك.
20
واذكر -أيها النبي- للناس حين قال موسى عليه السلام لقومه: يا قوم، اذكروا نعمة الله عليكم بالشكر؛ فقد اختار منكم أنبياء كثيرين، وصار كل واحد منكم مالكًا على نفسه وأهله وأمره، وجعلكم تعيشون في أمن وأمان وحُرِّية واستقلال، بعد أن كنتم عبيدًا عند فِرْعَوْنَ وقومه؛ كما حكى الله عن فرعون أنه قال: ﴿أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ﴾ [المؤمنون:47]، ومنحكم سبحانه من النعم الأخرى ما لم يؤت أحدًا غيركم من العالمين.
21
ثم قال موسى عليه السلام لقومه: يا قوم، ادخلوا الأرض المطهَّرة التي طُهِّرَتْ من الشرك، وجُعِلَتْ مسكنًا للأنبياء، وهي: بيت المَقْدِس، ولا ترجعوا عن قتال الجبَّارين؛ فتخسروا خسرانًا مبينًا.
22
ثم قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: يا موسى، إن في هذه الأرض قومًا أشدَّاءَ ذوي قوة، وكانوا من بقايا عاد، يقال لهم: العمالقة، واعلم أننا لا يمكن أن نَدْخُلَها وهم فيها؛ فإنْ خرَجُوا منها، فإنَّا داخلون.
23
ثم أخبَرَ جل وعلا عن رجلين من الذين يخشون الله تعالى، قد أنعم الله عليهما بالإيمان، وهما: يُوشَعُ بنُ نُون، وكالِبُ بنُ يُوفَنَّا، قالا: يا قوم، لا تخافوا هؤلاء القوم الجبَّارين، ولا تغُرَّنَّكم أجسامهم الضخمة؛ فإن قلوبهم ضعيفة؛ فاستعِدُّوا وادخلوا عليهم باب المدينة، وواجهوهم على حين غِرَّة، فإذا فعلتم ذلك، فإنكم ستنتصرون بإذن الله، وتوكَّلوا على الله وحده في كل أموركم إن كنتم صادقين في إيمانكم، واعلموا أن من يتوكَّلْ على الله، فسوف ينصرُهُ الله ويُعِزُّه.
24
ولكنَّ قوم موسى عليه السلام أصروا على العناد والتمرُّد، ومخالفة أوامره، فقالوا: إنَّا لن ندخُلَ الأرض المقدَّسة يا موسى أبدًا ما دام فيها هؤلاء القوم الجبَّارون؛ فدعنا واذهَبْ أنت وربُّك فقاتِلاهم وحدكما، إنا هاهنا قاعدون، ولن نتحرَّك من مكاننا، ولن نشارككما أبدًا.
فانظر كيف كان تعامل اليهود السيِّئ مع نبيهم عليه السلام؛ فهم قومٌ بُهْتٌ لا يريدون الحق؛ ولهذا غَضِبَ الله عليهم؛ بسبب كفرهم وضلالهم، ووقاحتهم مع أنبيائهم.
25
وبعد أنْ رفض قوم موسى دخول الأرض المقدَّسة؛ حينها توجَّه موسى عليه السلام معتذرًا إلى الله مِنْ عناد قومه وفسوقهم ورفضهم نصرة دين الله، فقال: يا رب، إني لا أجد أحدًا مؤيِّدًا لي على قتال هؤلاء القوم الجبَّارين؛ فأنا لا أملك إلا أمر نفسي، وكذلك أمر أخي هارون، فافصِلْ -يا رب- بيننا وبين هؤلاء القوم الفاسقين، العاصين لله ولرسوله، الذين خرجوا عن طاعتك، ورفضوا أوامرك.
26
قال جل وعلا لموسى عليه السلام: اعلم - يا موسى - أن الأرض المقدَّسة محرَّمةٌ على هؤلاء اليهود أربعين سنةً لا يدخلونها أبدًا، ولا يتمتَّعون بخيراتها، ويسيرون على وجوههم تائهين؛ لا يبلُغُونَ مقصدهم أبدًا؛ عقوبةً لهم على عصيانهم وجُبْنهم، وعدم استجابتهم لكلام ربهم ونصح نبيهم، ثم قال جل وعلا لموسى عليه السلام تسليةً له: فلا تَحْزَنْ - يا موسى - على هؤلاء القوم العاصين لله.
قال بعض أهل العلم: إنها محرَّمةٌ عليهم دائمًا وأبدًا، أما الأربعون سنة، فهي مدة التيه، وليست مدة التحريم.
وقد قيل: إنه لم يدخل الأرض المقدَّسة أحدٌ ممن قال: ﴿إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا﴾؛ بل هلكوا جميعًا في التِّيه، وإنما قاتَلَ الجبابرةَ أولادُهم.
27
ثم ذكَرَ جل وعلا قصة ابنَيْ آدم عليه السلام؛ فقال سبحانه: واقصُصْ -أيها النبي- على قومك خبر ابنَيْ آدم عليه السلام، وهما: هابيلُ وقابيل؛ حيث قرَّب كل واحد منهما قُرْبانًا؛ فتُقُبِّلَ من أحدهما، وهو هابيل؛ لأنه كان تقيًّا، ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر، وهو قابيل؛ لأنه لم يكن تقيًّا، والقربان: اسم لكل ما يُتقرَّبُ به إلى الله؛ فقال قابيل لأخيه هابيل: والله لَأَتَخَلَّصَنَّ منك يا هابيل بالقتل، فرد عليه هابيل، قال: اعلم -يا قابيل- أنما يتقبل الله من المتقين، الذين اتقوا الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولو كنت تقيًّا، لتقبَّلَ الله قربانك.
28
ثم قال هابيل لأخيه قابيل: اعلم -يا قابيل- أنه إذا دعتك نفسُكَ ومدَدتَّ يدك لتقتلني ظلمًا وعدوانًا، فإنني لن أقابِلَكَ بالمثل؛ لأني أخاف الله ربي وربك، وربَّ جميع العالمين.
29
ثم قال هابيل: فإنْ فعَلْتَ -يا قابيل- وقمت بقتلي، فاعلم أنك حمَلْتَ إثم قتلي، والآثام التي فعلتها في حياتك كلها؛ وبذلك ستكون في الآخرة من أهل النار، واعلم أن هذا جزاء المعتدين.
30
ثم أخبَرَ جل وعلا أن قابيل حملته نفسه على قتل أخيه هابيل، فقتله؛ وبهذه الجريمة العظيمة خَسِرَ قابيلُ نفسه، وأوردها موارد الهلاك في الآخرة، وخَسِرَ أخاه هابيل؛ حيث فقَدَ الناصر والمعين في الدنيا الذي كان سنده ومُؤْنِسَهُ؛ كما قيل:
أَخَاكَ أَخَاكَ إنَّ مَنْ لاَ أَخَا لَهُ
كَسَاعٍ إلَى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ
31
ثم إن قابيل لما قتَلَ أخاه هابيل، لم يعرف كيف يتصرَّف في جسد أخيه الذي عز عليه أن تأكله السباع والطير، فأرسل اللهُ غرابًا يَحْفِرُ في الأرض برِجْله ومنقاره ليدفِنَ غرابًا آخر ميتًا؛ ليريه كيف يخفي جسَدَ أخيه؛ لأنه كان يحمله على عاتقه ويمشي به لا يدري ما يفعل به؛ فلما رأى قابيلُ ما صنع الغراب، قال نادمًا: يا ويلي، ويا هلاكي، أعجَزْتُ أن أفعل كما فعل هذا الغراب؛ فأخفي جسد أخي؛ فصار من النادمين على جهله وجريمته الشنيعة.
32
ثم بيَّن جل وعلا أنه بسبب ما قام به قابيل من قتل أخيه هابيل حَسَدًا وظُلْمًا، فرض سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على بني إسرائيل أنه مَنْ قتل نفسًا بغير قصاصٍ، أو بغير فساد منها في الأرض، فكأنه قتَلَ الناس جميعًا؛ لأن قَتْلَ النَّفْسِ الواحدةِ كقتل الجميع في استجلاب غَضَب الله وعذابه، ثم بيَّن سبحانه أن من أحيا نفسًا كأنِ استحَقَّ عليها القتلُ، فعفا عنها، وتركها لله، فإنه يُعطَى أجر من أحيا الناس جميعًا؛ وكذلك من أنقذ نفسًا من هلاك، كما جاء عن مجاهد[48] أنه قال: (إحياؤها: إنجاؤها من غَرَق أو حَرَق أو هَدْم أو هلكة)؛ فهذا أيضًا كأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن الحفاظ على حُرْمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس جميعًا. ثم أخبَرَ جل وعلا أن بني إسرائيل جاءتهم الرسل بالحجج الواضحات، والبراهين البينات، ولكنَّ كثيرًا منهم خالفوا هذه الحجج والبراهين، وأسرفوا في الأرض بكثرة المعاصي والبغي والعدوان.
33
أخبَرَ جل وعلا أن الذين يحاربونه، ويحاربون رسوله ﷺ، ويسعون في الأرض فسادًا؛ بقطع الطرق وقتل الناس وترويعهم، فإنهم يعاقبون في الدنيا عقابًا شديدًا؛ بأن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا مع القتل، أو تُقَطَّعَ أيديهم اليمنى مع أرجلهم اليسرى، فإن عادوا لذنبهم فتُقَطَّعُ أيديهم اليسرى مع أرجلهم اليمنى، أو يُنْفَوْا من بلدهم إلى بلد آخر، ومن النفيِ السجنُ، وهذا العقابُ ذُلٌّ وفضيحة لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم؛ وذلك لعظم الجريمة التي ارتكبوها.
34
ثم أخبَرَ جل وعلا أن من تاب وأناب من جريمته، وعمل عملًا صالحًا، ورد المظالم إلى أهلها من قبل أن يُلْقَى القبض عليه، فإنه لا يجوز معاقبته، واعلموا أن الله غفورٌ لذنوب عباده التائبين، رحيمٌ بهم.
وهذه الآية تسمَّى: (آيةَ الحِرَابة)؛ وهي دليل على عظم جريمة قطع الطريق وإرهاب الآمنين.
35
أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يطلبوا رضا الله؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهذه هي الوسيلة إلى رضاه جل في علاه، ثم حَضَّ سبحانه على الجهاد في سبيله؛ لأنه مِن أجلِّ الطاعات، وأفضلِ القُرُبات إلى الله سبحانه، ولأن فيه الفلاحَ والفوز بالسعادة الأبدية، والنجاةَ مِنْ عذاب الله يوم القيامة، ولأنه سَنَامُ الإسلام، وما ترك الجهادَ قومٌ إلا ذَلُّوا.
36
إن الذين كفروا بالله وأعرضوا عن دينه، لو أن لهم جميعَ ما في الأرض من الأموال وغيرها، ومثله أيضًا، وأرادوا أن يجعلوه فِدْيةً لأنفسهم من عذاب الله يوم القيامة، فلن يَقْبَلَ الله منهم ذلك، ولن يكون ذلك سبيلًا إلى خلاصهم من العقاب؛ بل لهم عذاب مؤلم شديد موجع يوم القيامة.
37
أخبَرَ جل وعلا أن الكفار الذين دخلوا النار يوم القيامة يتمنَّوْنَ أن يخرجوا منها، ولكنَّ الله سبحانه أخبَرَ أنهم لن يخرجوا منها أبدًا، ولهم فيها عذاب أليم دائم لا ينقطع.
38
ثم شرَعَ جل وعلا في بيان حكم السرقة، فقال: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا﴾ أي: اقطعوا يمينَ كلٍّ منهما من مَفْصِلِ الكف، ولا يؤخذ من الذراع شيءٌ -وجاء في السُّنَّةِ: أن القطع يكون في ربع دينار فصاعدًا[49]- وإذا عاد، قُطِعَتْ رجله اليُسْرى من مَفْصِلِ القَدَم، ثم يدُهُ اليُسْرى، ثم رجلُهُ اليمنى، وبعد ذلك يعزَّران عقوبة لهما على فعلهما المحرَّم، واعلموا أن هذا الحد مجازاة لهما بسبب اعتدائهما على أموال الناس بغير حق، وأيضًا هو رَدْعٌ للآخرين الذين يفكِّرون بالسرقة، والله عزيزٌ في ملكه، حكيمٌ في أمره ونهيه.
39
ثم بيَّن جل وعلا أن مَنْ تاب عن السرقة بعد ظلمه لنفسه باقترافها، وأعاد المسروق لأربابه إنْ قدَرَ، وأصلح إيمانه؛ بفعلِ الطاعات، وتَرْكِ المنهيات، فإن الله يقبل توبته، ويغفر ذنبه؛ إن الله غفورٌ لذنوب عباده التائبين، رحيمٌ بهم.
40
لقد علمتَ -أيها الرسول- أن الله وحده له جميع ما في السموات والأرض؛ يعذِّب من يشاء تعذيبه بحكمته وعدله وقدرته، ويغفر لمن يشاء أن يغفر له بحكمته ورحمته؟! والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
41
هذا نداء من الله جل وعلا لرسوله ﷺ: ألَّا تتألَّمْ من الذين يسارعون في الكفر جاحدين نبوَّتك، وهم المنافقون الذين يُظْهِرون الإسلام، ولم تؤمن قلوبهم، ولا تتألَّمْ من اليهود الذين أنكروا نبوَّتك؛ فإنهم قوم يُكْثِرون من الاستماع إلى ما يقوله رؤساؤهم وأحبارهم من الكذب والافتراء، ويستمعون لقوم آخرين لا يحضُرُونَ مجلسك، وهؤلاء الذين لا يحضُرُونَ مجلسك يبدِّلون أحكام الله، ويقولون: إذا حكَمَ لكم محمد بحكم يوافق هواكم، فاقبلوا حكمه، وإذا حكم لكم بحكم لا يوافق هواكم، فاحذروا أن تتَّبعوه.
ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ شاء الله إضلاله من الناس -بسبب إصراره على الكفر وعناده؛ فإضلاله له هو تثبيته على ما اختاره لنفسه- فاعلم -أيها النبي- أنك لا تملك أن ترُدَّ أمر الله.
واعلم أن هؤلاء المنافقين واليهود لم يُرِدِ الله أن يطهِّر قلوبهم من الشرك والنفاق الذي أُشْرِبَتْهُ قلوبهم، فطبَعَ الله عليها، ولهم في الدنيا ذُلٌّ وهوان، وفي الآخرة عذاب عظيم دائم.
42
واعلم -أيها النبي- أن اليهود كثيرو الاستماع للكذب والافتراء، كثيرو الأكل للمال الحرام، فإذا تحاكموا إليك، فاحكم بينهم، أو أَعْرِضْ عنهم، حسَبَ ما تراه صالحًا، وإن تُعرِضْ عنهم، فلن يضروك أبدًا؛ لأن الله يحفظك من كيدهم، وإذا حكَمْتَ بينهم، فاحكم بالعدل الذي أمرَكَ الله به، حتى لو كانوا مجرمين ظالمين؛ فإن الله يحب العادلين.
43
ثم قال جل وعلا متعجِّبًا من هؤلاء اليهود: كيف يطلُبُ منك -أيها النبي- هؤلاء اليهودُ أن تحكُمَ لهم في قضاياهم، مع أن حكم الله منصوص عليه عندهم في شريعتهم، وهي التوراة، ثم يرفضون ما حكَمْتَ به؛ لأنه لم يوافق هواهم؛ فما وافق مصالحهم، قبلوه، وما خالفها، رفضوه؛ وسببُ ذلك: أنهم ليسوا مؤمنين؛ لا بشريعتهم، ولا بشريعتك.
44
واعلموا أن الله أنزل التوراة على موسى عليه السلام هدايةً لقومه إلى الإيمان والحق، ونُورًا يستضاء به في ظلمات الضلال والجهل، وليحكُمَ بها النبيون الذين انقادوا واستسلموا لله بعد موسى، وليحكُمَ بها كذلك أئمة الدين من عُبَّادِ اليهود العاملين؛ بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء وشهداء عليه، ثم أمَرَ سبحانه علماء اليهود ألَّا يخافوا أحدًا من الناس في بيان الحق، بل عليهم أن يخافوا الله وحده، وألَّا يكتموا الحق الذي معهم من أجل تحصيل شيء من متاع الدنيا الزائل، واعلموا أن مَنْ لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون.
45
ثم بيَّن جل وعلا أنه فرض على اليهود في التوراة القَوَدَ في النَّفْس، والقِصَاصَ في الجراحات؛ فالنَّفْسُ تُقتَل بالنفس، والعينُ تُفْقَأ بالعين، والأنفُ يُجْدَع بالأنف، والأذنُ تُقطَع بالأذن، والسنُّ تُكْسَر إن كسرت بالسن، وتُقْلَع به إن قُلِعَتْ، والجروحُ بمثلها قصاصٌ ومساواة؛ فمن تصدَّق على الجاني بالعفو عنه، وعدم المؤاخذة، فإن ذلك يكون كفارة لذنوب العافي، وإن لم يَتصدَّقْ عليه، واقتَصَّ منه، يكون ذلك كفَّارةً لجناية الجاني.
واعلموا أن من لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الظالمون المتجاوزون لحدود الله.
46
أخبَرَ جل وعلا أنه أتبَعَ أولئك الأنبياء السابقين من بني إسرائيل بعيسى بن مريم عليه السلام، وجعله مصدِّقًا لأحكام التوراة التي أُنْزِلَتْ على موسى عليه السلام، وقد أعطاه الله الإنجيل فيه هُدىً للناس ونورٌ ينير لهم الطريق، ومعترفًا بأحكام التوراة، وهاديًا وواعظًا للمتقين الذين يخافون ربهم.
47
ثم أمَرَ جل وعلا أهل الإنجيل، وهم النصارى؛ أن يحكُمُوا بما أنزل الله فيه، ولكنهم لم يحكُمُوا بما فيه، بل حكموا تبعًا لأهوائهم، واعلموا أن من لم يحكم بما أنزل الله، فهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله.
48
واعلم -أيها النبي- أن الله أنزل إليك القرآن بالحق والصدق الذي لا مِرْيةَ فيه ولا ريب، وأنه مصدِّقٌ لما قبله من التوراة والإنجيل، وأنه حاكمٌ عليها وناسخٌ لها؛ فالواجب عليك أن تحكم بينهم بما أنزَلَ الله إليك، ولا تتَّبع أهواءهم، ولا تترُكْ ما جاءك من الحق، واعلم أن الله جعل لكل أمة شرعًا وسبيلًا خاصًّا بهم، ولو شاء الله، لجعلهم على شريعة واحدة لا يختلفون فيما بينهم، ولكنِ ابتلاهم فيما أعطاهم وأنزَلَ عليهم؛ ليتبيَّن المطيع من العاصي؛ فسارِعوا إلى طاعة الله، وبادروا بالأعمال الصالحة؛ فإنَّ مرجعكم ومصيركم إلى الله تعالى، وسوف يُخبركم بما كنتم فيه تختلفون.
49
ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يحكُمَ بين اليهود بموجب الكتاب والسنة، ونهاه أن يتَّبع أهواء المتحاكمين إليه، وأن يحذر أن يصُدُّوهُ عن بعض ما أُنزِلَ إليه من الحق فيترك العمل به، فإنْ تولوا وأعرضوا ورفضوا الحق الذي حكَمْتَ به بينهم، فاعلم أن ذلك عقوبةٌ لهم من الله وجزاءٌ ببعض ما ارتكبوه من الذنوب والمعاصي، واعلَمْ -أيها الرسول- أن أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، جاحدون لآياته، مكذِّبون لشرائعه.
وهذه الآية نسَخَتِ الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ﴾، أي: أن الحكم بعد بِعْثةِ محمَّد ﷺ لا يصح إلا حسَبَ ما أنزَلَ الله إليه من القرآن والسنة.
50
ثم أنكَرَ جل وعلا على هؤلاء اليهود توبيخًا لهم، فقال سبحانه: أيريد أولئك الخارجون عن طاعة الله أن يحكُمُوا بأحكام الجاهلية التي بُنِيَتْ على الهوى والجور؛ بأن يجعلوا أساس الحكم الميل والمداهنة؟! وهل يوجد أحسَنُ من حُكْمِ الله لقوم يوقنون بالشرع ويَذِلُّونَ لله سبحانه.
51
أرشَدَ جل وعلا عباده المؤمنين الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله، وعملوا بشرعه؛ ألَّا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء؛ لأن بعضهم أولياء بعض؛ فهم متناصرون فيما بينهم، ويدٌ على مَنْ سواهم؛ فلا تتخذوهم أولياء، واعلموا أن من يتولَّهم منكم، فإنه منهم؛ لأن التولِّيَ التامَّ، يعني: عدم الإيمان بما أنت عليه من هُدًى، والتولِّي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرَّج شيئًا فشيئًا، حتى يكون العبد منهم، واعلموا أن الله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم، المتجاوزين لحدود الله.
52
ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين في قلوبهم شكٌّ ونفاقٌ يسارعون في وَلَايةِ الكافرين وصداقتهم، يقولون: نواليهم؛ لأننا نخاف أن يتحوَّل النصر؛ فتصيبنا خسارة أو حادثة؛ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو بالنصر للمؤمنين، أو أَمْرٍ من عنده؛ فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم من النفاق والمكر بالمؤمنين نادمين.
53
ثم أخبَرَ جل وعلا بما قاله المؤمنون الصادقون على سبيل التعجُّب؛ حيث قالوا مخاطبين اليهود: أهؤلاء أحبابكم وأصدقاؤكم الذين أقسموا وبالغوا في القَسَم بالله على أنهم معكم في الدِّين، وأنهم مؤمنون مثلكم؟! فاعلموا أنه قد بطَلَتْ أعمالهم بسبب كذبهم، وصاروا خاسرين لأنفسهم، خاسرين للإيمان.
54
يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، من يَرْجِعْ منكم عن دين الإسلام إلى الكفر -حيث ارتد جماعة بعد موت النبي ﷺ - فسوف يبدِّلكم الله بقوم يحبُّون الله ويحبُّهم، وهم رحماء عاطفون على المؤمنين، أشداء أعزاء على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومة لائم؛ كما يخاف المنافقون لوم الكفَّار، واعلموا أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واللهُ كثيرُ الفضل، عليمٌ بعباده وخلقه.
55
واعلموا -أيها المؤمنون- أن وليَّكم الله ورسوله والمؤمنون الذين آمنوا بالله واتَّبعوا رسوله ﷺ، الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون لله، خاضعون مطيعون له.
56
ثم أخبَرَ جل وعلا أن من يتَّخذِ اللهَ ورسوله والمؤمنين أولياءه، فإنه يكون من حزب الله، واعلموا أن حزب الله هم الفائزون في الدنيا والآخرة.
57
يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، لا تصادقوا اليهود والنصارى والكفار والمنافقين؛ الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا وسخرية واستهزاءً بالمؤمنين، وخافوا عقاب الله، ولا تتَّخذوهم أولياء لكم من دون الله ورسوله؛ إن كنتم مؤمنين إيمانًا حقيقيًّا.
58
ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء اليهود والنصارى والمنافقين، إذا سمعوا المؤذِّن وهو ينادي للصلاة، جعلوا يسخرون ويستهزئون؛ وذلك لأنهم قوم لا عقل لهم يرشدهم إلى حقيقة العبادة. وقوله: ﴿نَادَيۡتُمۡ﴾، فيه إثبات أن الأذان مشروع وواجب بالقرآن؛ كما هو ثابت بالسنة[50].
59
وقل -أيها النبي- لهؤلاء المستهزئين من اليهود والنصارى والمنافقين: هل تنكرون علينا إيماننا بالله وكتبه المنزَّلة علينا، وعلى من كان قبلنا؟! هل تنكرون علينا غير ذلك؟! وهذا بلا شك ليس فيه عيب أو منكر؛ بل هو مما يُمْدَحُ به المرء ويُشْكَر؛ وإنما كرهتم إيماننا، وأنكرتموه علينا؛ لأن أكثركم خارجون عن شريعة الله وعن طاعته.
60
وقل -أيها النبي- لهؤلاء المستهزئين: هل أُخْبِرُكُمْ بشرٍّ من ذلك عقابًا وجزاءً عند الله؛ أولئك الذين لعنهم الله وغَضِبَ عليهم، ومَسَخَهم قردة وخنازير وجعَلَ منهم مَنْ يعبد الشيطان؛ وذلك بطاعته والانقياد لما أمَرَهم به، واعلموا -أيها اليهود- أنكم شرٌّ مكانًا يوم القيامة، وأضلُّ طريقًا.
61
وإذا جاءكم -أيها المؤمنون- المنافقون من اليهودِ يقولون لكم: آمنا بالله ورسوله ﷺ، والحقيقة أنهم دخلوا عندكم كافرين، وخرَجُوا مِنْ عندكم وهم كافرون، والله أعلم بما يكتمون في صدورهم من الكفر والنفاق وخداع المؤمنين.
62
ثم أخبَرَ جل وعلا أن كثيرًا من هؤلاء اليهود يتسابقون في الإثم والكذب والظلم، ويَحْرِصون على ذلك كل الحرص، ومن صفاتهم: أنهم كانوا يأكلون الحرام؛ كالربا والرِّشْوة وغير ذلك؛ فبئست هذه الأعمال القبيحة، والصفات السيئة التي كانوا يعملونها ويتحلَّوْنَ بها.
63
ثم وبَّخ جل وعلا علماء اليهود على سكوتهم على المنكر، فقال: هلَّا ينهاهم العلماء الربانيون -الذين التزموا أمر الله، وابتعدوا عن معاصيه- عن المعاصي التي تقع منهم؛ كقول الزُّور، والكذب، وأكلهم المال الحرام؛ كالربا والرِّشْوة! لبئس هذا العمل السيِّئ الذي صنعوه، وهو تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث كان سكوتهم متعمَّدًا لمنافع خاصَّة يحصُلُونَ عليها.
ويؤخذ من هذه الآية: ذم العلماء الساكتين عن قول الحق، وتعليمِ الناس الخيرَ وأمورَ دينهم.
64
أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ عن قول اليهود الشنيع عن الله جل في علاه؛ حيث قالوا: يَدُ الله مقبوضةٌ عن الإنفاق والإحسان؛ فأجابهم الله بمثل قولهم، فقال سبحانه: ﴿غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ﴾!؛ فكانوا أبخل البشر، ولُعِنُوا بقولهم هذا.
ثم أخبَرَ سبحانه أن يديه مبسوطتان ينفق كيف يشاء من وجوه الخير والبر، وكلُّ خير ونعمة إنما تنسب إليه سبحانه؛ فيداه سَحَّاءُ الليلِ والنهار[51]، ثم بيَّن سبحانه أنه كلما أنزل على النبي ﷺ شيئًا من القرآن، كفروا به، فيزداد كفرهم وطغيانهم وبُعْدهم عن الله تعالى.
ثم أخبَرَ سبحانه أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فجَعَلهم متباغضين غير متآلفين.
ثم بيَّن سبحانه أنهم كلما أرادوا محاربتك، وحرَّضوا الناس على الحرب على المؤمنين، فإن الله يخذِّلُهم ويُبْطِلُ كيدهم ويفرِّق جنودهم، ومن صفاتهم السيئة: أنهم يجتهدون بالسعي في الأرض فسادًا بنشر المعاصي والإجرام، والله لا يحب المفسدين، بل يُبْغِضهم، وسيجازيهم على ظلمهم وإجرامهم وإفسادهم.
65
يقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ولو أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وتمسَّكوا بدين الإسلام، وخافوا الله، واجتنبوا المعاصي، لَمَحَا الله عنهم سيئاتهم، وأدخلهم جنات يتنعَّمون فيها أبد الآبدين.
66
ثم أخبَرَ جل وعلا عن هؤلاءِ اليهود؛ أنهم لو طبَّقوا التوراة والإنجيل، وعملوا بما فيهما من أحكام، لأفاض الله عليهم من بركات السماء، ولأنبَتَ لهم ثمرات الأرض، وهذا جزاؤهم في الدنيا، ولهم في الآخرة أعظم الجزاء.
ثم أخبَرَ سبحانه أن من هؤلاء اليهود فريقًا معتدلًا لا يحيد عن الحق، ولكنَّ كثيرًا منهم ساء عملُه.
67
أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يبلِّغ ما أُنزِلَ إليه من ربه من الآيات والأحكام؛ ثم خوَّفه سبحانه أنه إذا قصَّر في التبليغ، وكتم بعضها، فليعلم أنه لم يبلِّغِ الرسالة التبليغ الكامل، ولا شك أنه ﷺ بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين؛ فمن ادعى بعد ذلك أنه ﷺ كتَمَ شيئًا مما أُنزِلَ إليه، فقد افترى على الله ورسولهﷺ .
ثم أخبَرَ سبحانه أنه حافظٌ رسوله ﷺ من الناس، وسوف يُبْطِلُ كيدهم ويتولَّى أمره صلوات الله وسلامه عليه، واعلموا أن الله لا يهدي الكفَّار الجاحدين لدين الله، للإضرار به ﷺ وبالمؤمنين، ولا يمكِّنهم من ذلك.
وهذه الآيةُ دليلٌ على أن الرسول ﷺ معصوم؛ ولهذا قرأها ﷺ على بعض أصحابه الذين يحرُسُونَهُ حتى يطمئنوا ويتركوا الحراسة[52].
68
وقل -أيها النبي- لهؤلاء اليهود والنصارى: إنكم لستم على دِينٍ وهَدْيٍ صحيح، حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل، وما أُنزِلَ إليكم من ربكم، وقد بيَّن جل وعلا صفة محمد ﷺ في التوراة والإنجيل، وأخَذَ العهد عليهم بالإيمان به وتصديقه؛ ولذا فإن الإيمان به من إقامة التوراة والإنجيل والعمل بما فيهما، ولتتيقَّنْ -أيها الرسول- أن معظم أهل الكتاب سيزدادون إنكارًا للقرآن ظلمًا وكفرًا حسدًا من عند أنفسهم؛ فلا تَحْزَنْ عليهم، فهذا طبعهم؛ فإنهم قوم كفروا بالله ودينه ورسوله، ولا يتورَّعون عن الإثم حتى عن القَدْحِ في الذات الإلهية.
69
بيَّن جل وعلا أن الذين آمنوا بالله، واليهودَ، والصابئين الذين هم فِرْقةٌ من أهل الكتاب، والنصارى؛ أن مَنْ آمن من هؤلاء بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا، فهو من أهل الفوز، ومن أهل
النجاة، وأنه لا خوفٌ عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم من نعيم الدنيا الفاني.
وكلمة ﴿وَٱلصَّٰبِـُٔونَ﴾ في هذه الآية جاءت مرفوعة؛ لأنها مبتدأ، خبره محذوف، تقديره (كذلك)، وظاهر السياق أن تكون على النصب؛ عطفًا على اسم (إنَّ).
70
أخبَرَ جل وعلا أنه أخذ على اليهود عهدًا بالقيام بالتوحيد وسائر الشرائع المنزَّلة عليهم، وأنه أرسل إليهم الرسل من أجل ذلك، ولكنْ كل العهود نقضوها؛ فكلما جاءهم رسول لا يسير على هواهم؛ فبعضهم يعاديه قومه ويرفضونه ويكذِّبونه، وبعضهم يتعرَّض للقتل.
ولذلك لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى عليهما السلام، وقد استثنى جل وعلا الصالحين من النصارى الذين إذا سمعوا ما أُنزِلَ إلى الرسول، ﴿تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ﴾ [التوبة:٩٢]؛ حيث عرفوا أنه الحق، ولم تأخُذْهم العزة بالإثم كغيرهم.
71
أخبَرَ جل وعلا أن بني إسرائيل ظنوا أن لن يَنْزِلَ بهم عذابٌ بسبب عدم تصديقهم؛ فأعماهم الله عن الهدى، وأصمَّهم عن سماع الحق جزاءً لهم، ولم ينتفعوا بما رأوا ولا بما سمعوا، ثم تابوا، فتاب الله عليهم ورفع عنهم العذاب، ولكنهم رجعوا مرة ثانية إلى العمى والصمم والكفر والضلال والإجرام، واعلموا أن الله مطَّلع على أعمالهم، وسيجازيهم عليها.
72
ثم أخبَرَ جل وعلا بكفر النصارى الذين يقولون: إن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام هو الله، أو ابن الله؛ لأنهم جعلوا عيسى عليه السلام إلهًا يُعْبَدُ من دون الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ وهذا من أشد الكفر وأشنعه، ثم أخبَرَ سبحانه أن المسيح عليه السلام قال: يا بني إسرائيل، ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ﴾، وأول كلمة نطقها عيسى عليه السلام عندما تكلَّم في المهد، قال: ﴿إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا﴾ [مريم:30]؛ فهو ما أمرهم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، واعلموا -أيها الناس- أن من يُشرِكْ بالله، فقد حرَّم الله عليه دخول الجنة، وجعل مأواه ومستقره نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، ثم ذكَرَ سبحانه أنه ليس للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والضلال من أنصار ينصُرُونهم من عذاب الله يوم القيامة.
73
ثم أخبَرَ جل وعلا بكفر النصارى الذين قالوا: إنَّ الله يُجْمَعُ في ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، والرُّوح القُدُس؛ أَلَا يعلم هؤلاء أنه ليس هناك إله حق إلا إله واحد، هو الله وحده لا شريك له، فإذا لم ينتهوا عن هذا القول الباطل، فسيصيب الذين كفروا عذابٌ أليمٌ في نار جهنم التي هي مآلهم وهم فيها خالدون.
74
ثم رغَّب جل وعلا هؤلاء النصارى في التوبة، وفتَحَ لهم باب رحمته، فقال سبحانه: أَلَا ينتهي هؤلاء عن هذا الإفك المبين، وهذه العقائد الباطلة؟! ألَا يرجعون إلى الله بالتوبة وكثرة الاستغفار؛ فإنه سبحانه كثير المغفرة والرحمة لعباده التائبين؟!
75
واعلموا -أيها النصارى- أن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ما هو إلا رسولٌ من عند الله كغيره من الرسل الكثيرين الذين مضوا قبله، وأمُّه مريم عليها السلام صدِّيقة في مرتبة تلي مرتبة الأنبياء وهي مرتبة الصِّدِّيقين، وهما من البشر، يأكلان الطعام، ويمشيان في الأسواق؛ فانظر -أيها النبي- كيف نوضِّح لهم الآيات الباهرة، والحجج والبراهين الساطعة، ثم انظر كيف يصرون على الكفر والضلال، وينصرفون عن الحق مع وضوحه.
76
وقل -أيها النبي- لهؤلاء النصارى الذين عبدوا المسيح: أتعبُدُونَ عيسى عليه السلام من دون الله، وهو بشَرٌ مثلكم، لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا؟! واعلموا أن الله سميعٌ لأقوال عباده، عليمٌ بأحوالهم.
77
وقل -أيها النبي-: يا أهل الكتاب، إن الله ينهاكم عن الغلو في دينكم غَيْرَ الحق، أي: لا تتجاوزوا الحدود الشرعية التي أمَرَ الله بها، ومن الغلو الذي وقعوا فيه: الرهبنة التي ابتدعوها ابتغاء رضوان الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾ [الحديد:٢٧]، والله نهى عن الزيادة، كما حذَّر عن التقصير، ثم أمرهم ألَّا يتبعوا أهواء الذين ضلوا عن الحق من أسلافهم، وأضلوا خلقًا كثيرًا عن الطريق الحق الواضح المستقيم.
78
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لعن اليهود الذين كفروا بالله، وجحدوا دينه، أي: طردهم من رحمته على لسان داود عليه السلام في الزَّبُور، وعلى لسان عيسى بن مريم عليه السلام في الإنجيل، وهم أصحاب السَّبْت، وأكلة الربا، والذين حرَّفوا الكلم عن مواضعه؛ وذلك بسبب عصيانهم وكُفْرهم وضلالهم واعتدائهم على الأنبياء والصالحين.
79
ثم بيَّن جل وعلا أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، أي: لم يكن ينهى بعضهم بعضًا عن المنكر إذا فعلوه؛ وهذا من أقبح ما كانوا يفعلون، ولبئس ما كانوا يفعلون من أفعالهم القبيحة.
80
ثم أخبَرَ جل وعلا أن كثيرًا من يهود المدينة يتولَّوْنَ الذين كفروا من المشركين؛ يصاحبونهم ويوادُّونهم وينصرونهم، وهم يعلمون أنهم كفَّار تحرُمُ موالاتهم؛ كما هو مذكور في كتابهم، فيا قُبْحَ هذا العمل الذي قاموا به والذي استوجَبَ سخَطَ الله عليهم؛ مما كان سببًا في خلودهم في العذاب الأليم.
81
ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء اليهود لو أنهم آمنوا بالله إيمانًا حقيقيًّا، واتبعوا رسوله ﷺ، وآمنوا بالقرآن العظيم الذي أنزله على نبيه ﷺ، ما اتخذوا المشركين أولياء من دون الله؛ لأن موالاة الكافرين كُفْرٌ، ولكنَّ كثيرًا منهم استحقوا الطرد من رحمة الله بسبب فسقهم وارتكابهم المعاصي.
82
واعلم -أيها النبي- أنك ستجد أشد الناس حِقْدًا وكُرْهًا لك ولدينك، ولمن آمن بك، هم اليهود والمشركون، وستجد أن أقرب الناس مودة ومحبة لك هم أتباع عيسى عليه السلام الذين سَمَّوْا أنفسهم نصارى؛ لأن فيهم قِسِّيسِينَ ورهبانًا يَعْلَمون الحق، ويخافون الله عز وجل، ولأنهم لا يستكبرون عن سماع الحق، وهو القرآن.
83
ثم أخبَرَ جل وعلا أنهم إذا سمعوا ما أُنزِلَ على الرسول من القرآن تَرَى أعينهم تفيض من الدمع؛ خشوعًا وتأثُّرًا مما عرفوا من الحق، يقولون: ربَّنا صدَّقنا بك وبنبيك وبكتابك؛ فاكتبنا مع النبيين والصديقين من أمة محمد ﷺ.
84
ثم قال هؤلاء القِسِّيسون والرهبان الذين تفيض أعينهم من الدمع: وما الذي يمنعنا أن نؤمن بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وبما جاءنا من الحق، وهو القرآن العظيم، ونحن نرجو أن يُدْخِلنا ربنا الجنة مع القوم الذين صلَحَتْ أعمالهم، وأخلصوا نياتهم لله.
85
ثم بيَّن جل وعلا أنه بسبب أقوالهم الطيبة وصدقهم، جازاهم الله جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها خلودًا أبديًّا، وذلك الجزاء الذي أخذوه هو جزاءُ كلِّ مُحسِنٍ أحسن عمله، وآمن بالله ورسوله، واتبع شرعه.
86
ولما ذكَرَ جل وعلا جزاء أولئك الصادقين، ذكر جزاء المسيئين الذين كفروا بالله، وجحدوا دينه، وكذَّبوا رسله، وأنكروا الأدلة التي جاؤوا بها من عند الله، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء هم المستحقون للعذاب الشديد في نار جهنم.
87
يا أيَّها الذين آمنوا بالله، لا تحرِّموا على أنفسكم المطاعم والمشارب الطيبة التي أحلها الله لكم، وأَكْثِروا من شكر الله سبحانه على هذه النعم، ولا تتجاوزوا حدود الله التي حدَّها لكم في كتابه وسنة نبيه ﷺ، باعتقاد حِلِّ ما حرَّم الله من المطاعم والمشارب؛ فإنه سبحانه يُبْغِضُ ويمقُتُ ويعاقب الظالمين المجاوزين لحدوده.
88
ثم أمَرَ جل وعلا عباده أن يأكلوا من رزق الله الذي ساقه إليهم، وأمرهم أن يخافوا الله الذي هم به مؤمنون؛ وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
89
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا يؤاخذ باليمين التي تصدر من الإنسان على وجه اللغو، أي: اليمين التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادةً، ولا يترتَّب عليها إضاعة حق ولا ضرر على الغير، وإنما العقاب على اليمين المنعقدة الموثَّقة بالقصد والنية؛ إذا حَنِثَ فيها صاحبها.
وهذه كفارتها يُخيَّرُ الحانث فيها بين ثلاثة أمور:
الأول: إطعام عشرة مساكين من أوسط طعام أهل البلد.
والثاني: كسوة عشرة مساكين بما يكفي في الكسوة عُرْفًا.
والثالث: تحرير رقبة، أي: إعتاق مملوك من الرق.
ثم بيَّن سبحانه أن الحانث إذا لم يستطع فعل أي واحدة من هذه الثلاثة، فعليه بالأمر الرابع: وهو صيام ثلاثة أيام متتابعة، أي: أن الأمر الرابع، وهو الصيام، غيرُ داخل في التخيير، وإنما يرجع إليه الحانث عند عدم القدرة على فعل أحد الأمور الثلاثة.
وهذه اليمين غالبًا ما تكون في حاضر الحانث أو مستقبله، أما الأحداث التي حصَلَتْ من الحانث في الماضي، فإن كان حلفه لإِبطال حَقٍّ ماليٍّ أو غير ذلك، وكان كاذبًا، فإن هذه تسمى باليمينِ الغَمُوسِ التي تغمس صاحبها في النار، ولا كفارة لها إلا التوبة، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الكفارة مع التوبة، ثم رَدُّ الحقوق التي ضاعت بسببها؛ فيكون عليه الضمانُ، أمكن أم لم يمكن في الحالِ، فهي في ذمتِه.
ثم بيَّن سبحانه أن هذه هي كفارة اليمين الشرعية التي أمَرَكم الله بها، إذا حنثتم في أيمانكم، ثم أمَرَ سبحانه عباده بحفظ اليمين، ومِنْ حِفْظِها: اجتناب اللغو فيها، ومِن حفظها أيضًا: الوفاء بما حلَفْتم عليه، ومن حفظها: أداء الكفارة إذا لم تَفُوا بها، واعلموا أنه بمثل هذا البيان لحكم الأيمان والتحلُّل منها، بيَّن لكم سبحانه آياته المتضمِّنة لشرائع دينه؛ لتشكروه على هدايته وتوفيقه لكم إلى الطريق المستقيم.
90
يا أيها الذين آمنوا بالله، إنما الخمرُ -وهو المسكر الذي يخامر العقل ويُذْهِبه- والقِمَارُ، والأصنامُ التي تنصب للعبادة، والقداحُ التي كان يستقسِمُ بها أهل الجاهلية؛ كل هذه الأشياء خُبْثٌ مستقذَرٌ من عمل الشيطان يزيِّنه لكم لتفعلوه؛ فابتعدوا عن هذا الرجس المعبِّر عن هذه الأشياء؛ لعلكم تفلحون في الدنيا والآخرة.
91
ثم بيَّن جل وعلا أن الشيطان يُغْرِي الناس بفعل هذه الرذائل؛ لأنه يريد أن يُوقِعهم في بعض الأمور التي تُبْعِدهم عن دينهم وعن طاعة ربِّهم، ومن ذلك: أنه يريد أن يُوقِع بين الناس العداوة والبغضاء؛ فالسكرانُ عند فَقْدِ عقله يسُبُّ ويضرب وربما يقتُلُ، والمقامر يَحْقِدُ على من غلبه؛ لأنه أخذ جميع ماله، ومن ذلك أيضًا: أنه يريد أن يُبْعِدَ الناس عن ذكر الله وعن طاعته؛ فالسكرانُ ذهب عقله؛ فلا يعرف ذكر الله، والمقامرُ مشغولٌ باللهو واللعب؛ فلا يذكُرُ الله إلا قليلًا، وربما لا يذكره أبدًا، ومن ذلك أيضًا: أنه يريد أن يُبْعِدهم عن الصلاة التي هي من أجلِّ العبادات؛ فالسكرانُ لا يعقل الصلاة، والمقامرُ مشغولٌ في اللعب واللهو، فتمضي الساعات وهو يقامر حتى تخرُجَ الصلوات عن وقتها، ثم أمَرَ سبحانه عباده المؤمنين بالانتهاء عن طاعة الشيطان في هذه الرذائل وفي غيرها، من المنكرات والفواحش، والرجوع إلى طاعة الرحمن.
92
ثم أمَرَ جل وعلا عبادَهُ بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، وأمَرَهم بالحذر من الوقوع في الذنوب والمعاصي، وبيَّن لهم أن من أعرض عن طاعة الله، فليس له على الرسول ﷺ إلا البلاغ الواضح المبين الذي لا لبس فيه، ولا شك أنه قد فعَلَ ﷺ ذلك؛ حيث بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
93
ثم بيَّن جل وعلا أن الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحة، ليس عليهم إثم لا فيما أكلوا أو شربوا من الحلال الطيب، ولا فيما سبق أن أكلوه أو شربوه من المحرَّمات، ثم ماتوا قبل تحريمها، إذا خافوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وآمنوا بالله إيمانًا حقيقيًّا، وعملوا الأعمال الصالحة، ثم استمرُّوا على خوفهم من الله، وعلى إيمانهم طول حياتهم، ثم ازدادوا خوفًا من الله مع إحسانهم إلى أنفسهم بكثرة الطاعات، وإلى غيرهم بنفعهم بما يستطيعون من الخير، ثم بيَّن سبحانه أنه يحب المحسنين الذين أخلصوا في أعمالهم، وأدَّوْها على وجه الكمال.
والمقصود من الآية: الصحابة الذين كانوا يشربون الخمر، ثم ماتوا قبل تحريمها؛ فبيَّن سبحانه أنه لا إثم عليهم؛ بسبب إيمانهم بالله، وخوفهم منه، وإحسانهم إلى عباده.
94
هذا نداء من الله جل وعلا لبعض الصحابة رضي الله عنهم أخبَرَ فيه أنه سوف يختبرهم ببعض الصيد يسوقه إليهم وهم مُحْرِمون بالحج أو العمرة؛ بحيث يتمكَّنون من صيده بأيديهم ورماحهم بكل يُسْر وسهولة؛ ليعلم الله علمًا ظاهرًا بيِّنًا للخلق مَنْ يخشاه بالغيب؛ وهذا يعُمُّ المقصودين في هذه الآية، وهم الصحابة الذين كانوا مُحْرِمين بالعمرة وهم في الحديبية، فأتاهم الصيد من كل الجهات ابتلاءً لهم، ويعُمُّ أيضًا غيرهم؛ فالعِبْرةُ بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وفي وقتنا الحاضر: تنطبق على كل من يسافر إلى الدول الغربية، فإنه سوف يجد كل المحرَّمات في متناول يده؛ بل ربما بعض هذه المحرَّمات تدخل عليه في الفندق أو في مسكنه، ثم بيَّن سبحانه أن من تجاوز حدود الله -بعد أن عَلِمَ- فأقدَمَ على الصيد وهو مُحْرِم؛ فإنه يستحق العذاب الأليم؛ لاستهانته بأوامر الله تعالى.
95
وهذا نداءٌ آخَرُ من الله تعالى حذَّر فيه عباده المؤمنين أن يقتلوا الصيد وهم مُحْرِمون بالحج أو العمرة، ثم قال سبحانه: ومن قتله منكم متعمِّدًا وهو مُحْرِم، فعليه جزاءٌ مماثِلٌ لما قتَلَ من الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم، وهذا المِثْلُ يقدِّرُهُ ويحكُمُ به رجلانِ عدلانِ منكم، وما حكما به يذبح في الحرم ويوزَّع على فقراء الحرم، فإذا لم يكن للصيد مماثل من النعم، ففي هذه الحالة تقدَّر قيمته ويُشْتَرَى بقيمته طعامٌ يوزَّع على فقراء الحرم، لكل مسكين صاعٌ من التمر أو الحب، ومن كان فقيرًا لا يملك المال، فعليه أن يصوم أيامًا بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقون الطعام لو أخرَجَهُ، وقد حكم الله تعالى بهذا الحكم، لكي يُحِسَّ المعتدي على حُرُمات الله بنتائج جُرْمه، ثم بيَّن سبحانه أن من صاد وهو مُحْرِم قبل التحريم، فقد عفا الله عما صدر منه، أما من رجع إلى الصيد بعد العلم بالتحريم، فإن الله سوف ينتقم منه، ويعاقبه عقابًا شديدًا، واعلموا أن الله لا يغلبه غالب، ولا يمنعه من الانتقام ممن عصاه مانع.
96
واعلموا -أيها المُحْرِمون- أن الله جل وعلا أحلَّ لكم صيد البحر أن تأكلوه، مما لا يعيش إلا في البحر كالسَّمَك؛ كما أحل ما يقذفه البحر أن تجعلوه طعامًا لكم؛ لتتمتَّعوا بأكله في حال إقامتكم، وفي حال سفركم، ثم بيَّن سبحانه أنه حرَّم عليكم صيد البر وأنتم محرمون فقطْ، أما لو صاده غير المُحْرِم، فيجوز للمحرم أكله؛ كما ثبت ذلك في السنة[53]، وعليكم -أيها الناس- أن تخافوا الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ فإنكم ستُجْمَعون إليه يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ.
97
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعل الكعبة قيامًا للناس؛ لأن أمور الدين والدنيا تتحقَّق فيها؛ فبها تُحَطُّ السيئات بالحج والعمرة، وبها تُعْرَفُ المواقيت، وبها يَجِدُ التاجر من يشتري تجارته؛ فيربح في التجارة، ويربح في حطِّ السيئات، وجعَلَ سبحانه الأشهر الحرم وهي: (ذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، ومُحَرَّمٌ، ورجب)، قيامًا لمصالح الناس؛ ولذلك لا يجوز لأحد أن يعتدي على أحد فيها، وجعَلَ سبحانه الهَدْيَ متاعًا للفقراء والضعفاء؛ فلذلك لا يجوز الاعتداء على بهيمة الأنعام التي أهديت للحَرَم، ولا يجوز الاعتداء أيضًا على بهيمة الأنعام التي جعلوا عليها قلائد كشعار بأنها مما أهدي للحَرَم؛ كل هذا لتتيقَّنوا وتعرفوا -أيها الناس- أن الله جل في علاه يعلم جميع ما في السموات والأرض، وأنه سبحانه هو المشرِّع، وأنه لا يشرع لعباده إلا الأحكام التي فيها مصلحتهم، ثم بيَّن سبحانه أنه بكل شيء عليم؛ فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وقد سميت الكعبة بهذا الاسم، لأنها مكعَّبة، أي: ذات أركان أربعة.
98
واعلموا -أيها الناس- أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وأنه غفورٌ رحيمٌ لمن تاب إليه، وعمل الأعمال الصالحة.
99
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ليس على الرسول ﷺ إلا إبلاغ الناس الهدى، وليس عليه هدايتهم؛ فالهدايةُ بيد الله وحده، ثم بيَّن سبحانه أنه يعلم كل ما تُبْدُون ظاهرًا أمام الناس، ويعلم كل ما تُخْفُونه وتكتمونه.
100
وقل -أيها النبي- للناس: اعلموا أنه لا يستوي الحرام الخبيث والحلال الطيب، ولو أعجبكم كثرة الخبيث؛ وذلك أن غالب أهل الدنيا يُعْجِبهم كثرة المال وزينة الحياة الدنيا وزُخْرُفها، ولهذا يجب عليكم أن تخافوا الله -يا أصحاب العقول السليمة- لتفوزوا برضوان الله وبجنته.
101
نهى جل وعلا عباده أن يسألوا نبيهم عليه الصلاة والسلام عما قد يسوؤهم إبداؤه، ويندموا بعد ذلك على السؤال عنها، ثم أباح سبحانه لهم أن يسألوا عن الأشياء التي نزَلَ بها القرآن مجمَلةً؛ لمعرفة بيانها وتفاصيلها للحاجة إليها، ثم رحمةً منه جل في علاه فقد عفا عن الأشياء التي نهاهم عن السؤال عنها، واعلموا أن الله غفورٌ لمن تاب وأناب، وأنه حليمٌ لا يعاجل بالعقوبة.
102
ثم بيَّن جل وعلا أن مثل هذه الأسئلة قد سألها أقوام مِن قبلكم رُسُلَهم، فلما أُمِروا بها، كفروا بها؛ فاحذروا -أيها الناس- أن تفعلوا مثل فعلهم.
103
ثم ذَمَّ جل وعلا بعض الخرافات والاعتقادات الباطلة التي كان يعملها المشركون في الجاهلية؛ حيث كانوا يضعون على بعض أنواع الإبل شعارًا، ثم يحرِّمونها في البرِّ ويتركونها تقرُّبًا للآلهة، بدون دليل أو برهان؛ وهذا من جهلهم وتعدِّيهم وتشريعهم في الدين ما لم يأذن به الله؛ فمن ذلك: أولًا: البَحِيرةُ: وهي ناقة إذا وصَلَتْ لمرحلة معيَّنه، فإنهم يشُقُّونَ أذنها، ثم يحرِّمون ركوبها. وثانيًا: السائبة: وهي ناقة أو شاة أو بقرة، إذا بلَغَتْ سنًّا معيَّنة، اتفقوا أن يسيِّبوها ويحرِّموا ركوبها واستعمالها وأكل لحمها. وثالثًا: الوصيلة: وهي الناقة التي يكون أوَّل إنتاجها أنثى، فيجعلونها لهم، وإن كان أول إنتاجها ذكرًا، قالوا: هي لآلهتهم. ورابعًا: الحام: وهو جَمَلٌ، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم، حَمَوْا ظهره عن الركوب والحَمْل. ولا شك أن هذه عبادات لم يأذن بها الله، ولكنَّ الذين كفروا وجحدوا آيات الله، فعلوا ذلك افتراءً وكذبًا على الله، ثم أخبَرَ سبحانه أن أكثر هؤلاء الكفار لا عقول عندهم يفكِّرون بها، وأنهم لا يميِّزون بين الحق والباطل.
104
واعلموا -أيها الناس- أنه إذا قال أحدُ المخلصين لهؤلاء المشركين ناصًحا لهم: تعالَوْا إلى ما أنزله الله في القرآن، وإلى ما بيَّنه الرسول ﷺ في سنته في معرفة الحلال والحرام في هذه الأشياء التي ذُكِرَتْ في الآية السابقة وغيرها، قالوا: يكفينا ما وجَدْنا عليه آباءنا وأجدادنا من العادات والتقاليد، فرَدَّ سبحانه على سفه هؤلاء وضلالهم توبيخًا لهم، فقال: أيقولون هذا القول حتى لو كان آباؤهم لا يَفْهَمُونَ شيئًا من الحلال والحرام، ولا يهتدون إلى طريق الحق؟!.
105
يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا الرسول ﷺ، عليكم أن تستمسكوا بشرع الله الذي أُنزِلَ إليكم، وتُلزِموا أنفسكم باتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه، ولن يضُرَّكم بعد ذلك ضلال من ضَلَّ من الناس إذا نصحتم، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وقمتم بالواجبات الإيمانية، والتزمتم الطريق المستقيم الذي أمَرَ الله به، واعلموا -أيها الناس- أنكم جميعًا سترجعون إلى الله يوم القيامة، وسوف يخبركم بما عملتم في الدنيا من الخير والشر، وسيجازيكم عليه بعَدْله ورحمته.
وسبب نزول هذه الآية: أن بعض الصحابة كانوا يتحسَّرون ويتألَّمون لإصرار بعض إخوانهم وأحْبابِهم في الجاهلية على الكفر، وهذه الآيةُ تفيدُ أن من لوازم الهداية: الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر؛ فقد روي أن أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه قال -وهو على المنبر-: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير ما وضَعَها الله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا المُنْكَرَ بَيْنَهُمْ؛ فَلَمْ يُنْكِرُوُه، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ»[54].
106
يا أيَّها الذين آمنوا بالله، حينما تظهر على أحدكم علامة الموت، ويريد أن يوصي بشيء، فَلْيُشْهِدْ على الوصية رجلَيْنِ عدلَيْنِ من أقاربه، أو آخرَيْنِ من غير أقاربه؛ إذا كان في سفر وظهَرَتْ عليه أمارات الموت، وهذان الشاهدان إذا شكَكْتم في أمرهما بخيانة ونحو ذلك، فعليكم أن تَحْبِسوهما من بعد أداء الصلاة التي يجتمع عليها الناس، وتطلبوا منهما أن يَحْلِفا بالله قائلين: لا نستبدل بيمينه عوضًا، ولا نحلف بالله كاذبين، ولو كان الذي سنُقْسِم من أجله أحد أقاربنا، واعلموا يقينًا أننا لن نخفي الشهادة التي أمَرَنا الله بأدائها على وجهها الصحيح، فإذا أخفيناها، أو قلنا غير الحق؛ لنكونَنَّ من الظالمين المستحقِّين لعذاب الله.
107
ثم بيَّن جل وعلا أنه إذا اتُّهِمَ الشاهدان بعد ذلك بالكذب في الشهادة، وكان ذلك حقًّا، أي: ثبَتَ أنهما كاذبان، فلْيَقُمْ مقامهما شاهدانِ آخَرَانِ من أقرباء الميت، أو من الموصى إليهم؛ فيَحْلِفان بالله أن هذين الشاهدين قد كذَبَا، وأن يميننا أولى بالقبول من يمينهما، ولن نتجاوز الحق في شهادتنا أبدًا، ولم نتهم الشاهدَيْنِ زورًا وبهتانًا، ولئن فعلنا ذلك، لنكونَنَّ من الظالمين المعتدين لحدود الله.
108
واعلموا -أيها الناس- أن ذلك الحكم المذكور أقربُ إلى أن يجعل الشهود يأتون بالشهادة عادلة، لا ظلم فيها ولا جور، وأقربُ إلى أن يخافوا أن تُرَدَّ أيمانهم؛ فلا يكذبوا خوف الفضيحة، وخافوا الله -أيها الناس- ولا تعصوه، واسمعوا ما يأمركم به وأطيعوه؛ فإن الله لا يوفِّق القوم الخارجين عن طاعته لرفضهم الهدى؛ ولذا فإنه جل وعلا يتركهم وما اختاروا لأنفسهم.
109
وتذكَّروا -أيها الناس- يوم أن يجمع الله جل وعلا الرسل والخلائق جميعًا يوم القيامة؛ للحساب والجزاء، ثم يسألَ سبحانه الرسل عن استجابة أممهم لهم -وهو سبحانه أعلم- وليس المقصود معرفته سبحانه، ولكنْ توبيخًا للكفار؛ كما في قوله: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ 8 بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ﴾ [التكوير:٨-٩]؛ فالمراد: تأنيب وتبكيت الكفار والزنادقة والعصاة؛ فأجاب الرسلُ ربهم، فقالوا: لا علم لنا -يا رب- بجانب علمك؛ فأنت أعلم بما قالوا وما فعلوا، وإن معرفتنا لأمور الغيب ظاهرية، أما أنت، فمعرفتك محيطةٌ بما يُظهِرونَ وما يُبطِنون؛ إنك أنت العليم بكل ما خفي أو ظهر من أمور الخلق.
110
وتذكَّروا -أيها الناس- يوم يقول جل وعلا يوم القيامة: يا عيسى بن مريم، اذكر نعمتي وفضلي عليك وعلى والدتك؛ حيث خلقتُكَ من غير أب، ثم اصطفَيْتُ والدتك على نساء العالمين، ثم أيَّدتُّكَ بجبريل عليه السلام، فقوَّاك وأعانك على أن تكلِّم الناس وأنت رضيع على غير العادة المعروفة، وكذلك أعنتُكَ على دعوة قومك إلى التوحيد يوم أن صِرْتَ شابًّا مكتمل الشباب والقوة، وأنني علَّمتك القراءة والكتابة والحكمة؛ فكنتَ قادرًا على فهم التوراة التي أنزلتُهَا على موسى عليه السلام، وفهم الإنجيل الذي أنزلتُهُ عليك، وأني أعطيتك القدرة على أن تصنع من الطين صورةً على شكل الطير، ثم تنفُخَ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وعلى أن تشفي الذي وُلِدَ أعمى فيبصر بإذن الله، وتشفي الأبرص فيعود جلده سليمًا معافًى بإذن الله، وأنك تحيي الموتى فيقومون من قبورهم أحياء بإذن الله، وأنني منَعْتُ بني إسرائيل مِنْ قتلك عندما همُّوا بذلك؛ مع أنك جئتهم بالآيات البينات والدلائل الواضحات التي تدل على نبوَّتك، ثم بعد هذه المعجزات الباهرة جحدوا نبوَّتك، وكفروا بالله، بل قالوا: إنَّ كل ما جئت به هو مِنَ السِّحْرِ الظاهر.
ويلاحظ: أن الله كرَّر في هذه الآية قوله: ﴿بِإِذۡنِيۖ﴾ مع كل معجزة؛ لإشعار المتلقِّين للرسالات من الحواريين، ثم مِنْ غيرهم ممن جاؤوا بعدهم: أنه ليس له من الأمر شيء، ولا قدرة له إلا على ما أقدره الله عليه، ومع ذلك أَلَّهَهُ بعضهم، أما اليهود، فجعلوه من السحر، فقالوا: ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾.
111
وتذكَّر -يا عيسى- نعمة الله عليك يوم أن أوحى سبحانه لأنصارك الحواريين، وَحْيَ إلهام، وقذَفَ في قلوبهم أن يؤمنوا بالله ويوحِّدوه ويتَّبعوك، فقالوا: آمنا بالله، ونشهد أننا مستسلمون منقادون لأمر الله.
112
وتذكَّر -يا عيسى- يوم أن قال الحواريون لك: هل يستطيع ربُّك -إن دعوناه- أن ينزِّل علينا طعامًا من السماء؟ ولم يقولوا: (ربُّنا)، وهذا يُنبئُ عن طبيعتهم، وأن معرفتهم بالله لم تتمكَّن من قلوبهم، وكذلك قولهم في الآية التالية: ﴿أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا﴾، فقال لهم عيسى عليه السلام: اتقوا عذاب الله تعالى، إن كنتم مؤمنين بالله إيمانًا حقيقيًّا.
وهذه الآية فيها دليلٌ على أن الإيمان يزيد وينقص، وهو ما تُنْكِرُهُ كل الفرق ما عدا أهل السنة.
113
ثم قال الحواريون لنبيهم عيسى عليه السلام: واعلم -يا عيسى- أننا نريد بسؤالنا هذا أن نأكل من هذه المائدة لتطمئنَّ قلوبنا بقدرته سبحانه، ونتأكَّد أنك قد صدَقْتَنا فيما أخبرتنا عن الله سبحانه، وأنك نبي مرسل من عند الله، ونشهد لك بهذه المعجزة عند كل مَنْ لم يحضُرْها من الناس.
114
ثم أخبَرَ جل وعلا أن عيسى عليه السلام دعا ربه قائلًا: ﴿ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾، وسوف نجعل اليوم الذي تنزل فيه هذه المائدة عيدًا نعظِّمه، ويَفْرَحُ فيه من هم في زماننا من أهل ديننا ومَنْ يأتي بعدنا من المؤمنين، وتكون هذه المائدة آية منك دالَّة على عظيم قدرتك، وأنني نبي مرسل من عندك، وارزقنا يا ربنا عليها طعامًا نأكله؛ فإنك أنت خير الرازقين.
115
فأجاب جل وعلا دعاء عيسى عليه السلام، وأخبَرَهُ أنه سوف يُنَزِّلُ على قومه هذه المائدة التي طلبوها، ثم هدَّد سبحانه أن من يكفُرْ من بني إسرائيل بعد نزول المائدة، فإن الله سوف يعذِّبه عذابًا شديدًا لن يعذِّب عذابًا مثله أحدًا من العالمين، ولكنهم خالفوا أمر الله ولم يوفوا بالوعد، فعذَّبهم الله، وكان عذابهم أنهم مُسِخُوا قردة وخنازير.
وقد ذكر المفسِّرون في نزول المائدة قولين:
القول الأول: أنها نزَلَتْ، وهو قول الجمهور، وهو الصواب؛ لأن الله قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ﴾، ووعد الله ووعيده حقٌّ وصدق. القول الثاني: أنها لم تَنْزِلْ؛ لأنهم خافوا من التهديد الذي جاء في آخر الآية: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، ولذلك عَدَلُوا عن طلبها.
116
واذكر -أيها النبي- يوم أن يسألَ جل وعلا عيسى عليه السلام ويقولَ له: هل قلتَ يا عيسى للناس: اتَّخِذوني وأمي إلهين يُعبدَانِ من دون الله؟! وهذا سؤال لتبكيت وتأنيب عَبَدَتِهِ وعَبَدةِ أمه، وهو مثل سؤال الرسل: ﴿مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ﴾ [المائدة:109]، ومثل قوله: ﴿ﭐ وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ 8 بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ 9﴾ [التكوير:8-9]، فالمقصود: هو تبكيت ولوم وتأنيب الفاعلين لذلك، فقال عيسى عليه السلام: إني أنزِّهك يا رب عما لا يليق بك، وإنه لا يصح لي ولا يجوز أن أقول ما ليس لي بحق؛ فكيف لي أن أدعي الألوهية؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ثم قال عيسى: فإن كان صدَرَ مني هذا القول الشنيع، فإنك سوف تعلمه حتمًا؛ لأنك علَّام الغيوب؛ فتعلم ما أُكِنُّهُ في نفسي؛ فكيف بالذي أقوله بلساني؟! وأنا لا أعلم ما في نفسك؛ إنك أنت يا ربنا علام الغيوب.
117
ثم قال عيسى عليه السلام: ما قلتُ لهم يا رب إلا ما أمرتني به، وهو عبادة الله خالقي وخالقهم، وقد كنتُ شهيدًا على أعمالهم وأنا مقيمٌ فيهم، فلما رفَعْتَني إلى السماء، كُنْتَ أنت الرقيبَ على أعمالهم، والمطَّلِعَ على سرائرهم وضمائرهم، وأنت على كل شيء شهيد، قد أحاط علمك بكلِّ شيء.
118
ثم قال عيسى عليه السلام: يا رب، إن تعذِّبْ من أقام منهم على الكفر، فإنهم عبادك، وأنت خالقهم، تفعل ما تشاء فيهم، وإن تغفر لمن آمن منهم، فإنك أنت العزيزُ الذي لا يغالَبُ، الحكيمُ في وضع الأمور في موضعها المناسب بحسَبِ ما تقتضيه حكمتك سبحانك.
119
ثم قال جل وعلا يوم القيامة: واعلموا أن هذا هو اليوم الذي يَنْفَعُ فيه الصادقين صِدْقُهم، أي: الذين صدَقُوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه؛ فهؤلاء لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، وهم مقيمون في هذه الجنات لا يخرُجُونَ منها أبدًا، يتمتَّعون فيها برضا الله عنهم ورضاهم عنه؛ بسبب هذا العطاء، وهذا الثواب العظيم. وذلك النعيم الذي حصَلُوا عليه هو الفوز العظيم، والثواب الجزيل من رب العالمين.
120
ثم ختَمَ جل وعلا هذه السورة ببيان أن له وحده سبحانه مُلْكَ جميع ما في السموات والأرض وما فيهنَّ، وأنه المستحِقُّ للعبادة وحده لا شريك له، وأنه على كل شيء قدير، لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.