1
سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
Nefhât el-Mekkî - Muhammed b. Salih eş-Şâvî · QuranEnc.com · Sürüm 1.0.0
Özgün kaynakسبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم، نزَلَ به جبريل على النبي ﷺ رحمةً للعالمين، وليس كما يزعُمُ الجاحدون أنه أساطيرُ الأولين. ونسبةُ التنزيلِ إلى الرحمةِ: إشعارٌ للعباد أنَّ المقصودَ هو صلاحُهُمْ وفلاحُهُمْ، وأنه رحمة للعالمين.
ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآن جمَعَ علومَ الأوَّلين والآخرين، وقد بَيَّنَتْ ووَضَّحَتْ آياتُهُ الحلالَ والحرامَ، والقصصَ والتوحيد، فليس على الأرض كتابٌ اجتمَعَتْ فيه علومٌ مختلِفةٌ نافعة للبشَر مثلُ القرآن، وهذا القرآنُ نزَلَ بأفصح اللغات وأكملها، ووجودُ بعض الكلماتِ التي قيل: إنها أعجميِّةٌ؛ فإنما هي مما توافَقَتْ عليه اللغات، وقد أثبَتَ عِلْمُ الاجتماع ذلك، وقد نزَلَ هذا القرآن على قومٍ يعلمون اللسانَ العربيَّ؛ فلا يلتبِسُ عليهم منه شيء.
وبيَّن جل وعلا أن هذا القرآن يتصِفُ بصفتَيْن: الأُولى: أنه يبشِّر المؤمنين الذين آمنوا باللهِ ورسولِهِ ﷺ، ويفرِّحهم بأن لهم الفوزَ والنجاحَ في الدنيا والآخرة، والثانيةُ: أنه يُنذِرُ العصاةَ والكفَّار بما ينتظرهم من عذاب الله وعقابه، ولكنَّ أكثر الناس أعرَضَ عن تدبُّر آيات هذا القرآن، وإذا سمعوه، فإنهم لا يسمعونه سماعَ قَبُولٍ وإجابة، وإنما يسمعونه بقلوبٍ قاسية، وعقولٍ خالية؛ لا تُدْرِكُ معانيه، ولا تبلُغُ مَرَامِيَه.
ثم إن هؤلاء الكافرين بادروا النبي ﷺ، وقالوا له تيئيسًا له مِنْ إيمانهم: اعلم -يا محمد- أن قلوبنا قد كسَتْها أغطيةٌ، فلا يصلُ إليها شيء مما تدعونا إليه، وفي آذاننا صَمَمٌ فلا نسمعُ ما تدعونا إليه من الخيرِ والهُدَى، وإنَّ مِنْ بيننا وبينك حاجزًا غليظًا يحجُبُنا عن إجابة دعوتك؛ وما دام الأمرُ كذلك، فاعمَلْ أنت ما شئتَ كما يُمْلِي عليك دينك، ونحنُ أيضًا سوف نعملُ ما شئنا كما تملي علينا عاداتنا.
وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إنما أنا بشَرٌ معكم ومنكم، وأعلم أنكم معاندون للخير والصلاح، رافضون للهدى والرشاد، والفرقُ بيني وبينكم: أن الله جلَّ في علاه اختصَّني بوَحْيه ورسالته، وأمرني أن أُخبِرَكم بأنَّ إلهكم وخالقَكُمُ الذي يستحقُّ العبادة، هو إلهٌ واحدٌ لا شريك له، فاستقيموا على دينه، واسلُكُوا الطريق الموصِّل إليه، واطلُبُوا مغفرته؛ فإنه غفور رحيم، واعلموا أن الويل والعذاب لمن أشرَكَ به؛ فإن الشرك محبِطٌ للعمل، وصاحبه مخلَّد في النار.
ثم بيَّن جل وعلا أن الويل والعذاب للمشركين الذين كفَرُوا بالله، وعبدوا غيره، ولم يأتوا بالتوحيد والإيمان الذي طُلِبَ منهم، وهم الذين كفروا باليومِ الآخِرِ وما فيه من حسابٍ وثوابٍ وعقاب. يقولُ جمهور المفسِّرين: إن المقصود بالزكاة في هذه الآية هو: التوحيدُ؛ لأنَّ الزكاة لا تُقْبَلُ منهم حتى يؤمنوا.
أما أولئك الذين آمنوا بالله، وصدَّقوا رسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة من التوحيد، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فلهم أجرٌ عظيمٌ غيرُ منقطِع، ولا نافدٍ، ولا منتهٍ.
وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين على سبيلِ التوبيخِ والإنكار: عَجَبًا لكم -أيُّها الكفار- أإنكم لتكفُرُونَ بالله الذي خلَقَ الأرض في يومَيْنِ اثنَيْن، ثم تجعلون لمن خلَقَ ذلك كله نظراءَ وشركاءَ تعبُدُونهم معه وتسمُّونهم آلهة؟! فاعلموا أن ذلك الموصوف بهذه القدرة العظيمة هو اللهُ ربُّ العالمين، الخالقُ لجميع المخلوقات.
ثم إنه جل وعلا دحا الأرضَ وكوَّرها، وجعَلَ فيها جبالًا ثابتةً ومرتفعة، كي تثبِّتها وتمنعها مِن الزوال والزلزلة، ثم إنه جل في علاه بارَكَ في هذه الأرض، وجعَلَها كثيرةَ الخير بما فيها من المنافِعِ التي لا تُحْصَى، وقدَّر فيها أرزاقَ العباد ومنافِعَهم؛ وجعَلَ سبحانه كلَّ ذلك في تمامِ أربعةِ أيَّام، وهي سواءٌ لمن يسأل عن ذلك؛ فإنها لا زيادةَ فيها ولا نُقصَان. وهذه الأيامُ المذكورةُ في الآيتَيْنِ السابقتَيْنِ ليست من أيامنا؛ بل هما مِنْ أيامِ الله التي قال عنها سبحانه: ﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]؛ لأنَّ الشمس والقمر التي تحدِّدُ أيامنا لم تُخْلَقَا إلا بعد ذلك؛ حيثُ جعلهما الله زينةً في السماء، وتنطلِقُ منهما رجومُ الشياطين، مع أنه قادر أن يخلُقَها بلحظة بكلمة: (كن).
ثم أخبَرَ جل وعلا بأنه قصَدَ إلى خلق السماء التي كانت قبل ذلك على هيئة دُخَان، ثم قال للسماء وللأرض: استَجِيبا لأمري طائعتَيْنِ أو مكرهتَيْنِ، فقالتا: استجبنا مُذْعِنتَيْنِ خاضِعَتَيْنِ مُطيعتَيْنِ لك يا رب، ليس لنا إرادةٌ تخالِفُ إرادتك.
وبعد أن قصَدَ جل وعلا إلى السماءِ؛ أخبَرَ أنه جعَلَها سبع سموات، وأنه فرَغَ من خَلْقها وتسويتها على أبدَعِ صورةٍ في يومَيْنِ اثنَيْن، ثم أوحى في كلِّ سماء ما أراده وما أمَرَ به فيها، ثم إنه سبحانه زيَّن السماءَ الدنيا بالنجومِ المضيئة، وجعَلَ الشُّهُبَ التي تنطلق من هذه النجوم حَرَسًا لها من الشياطين الذين يسترِقُونَ السمع، وهذا النظامُ البديعُ الذي خلقه الله في السموات والأرض هو تقديرُ وترتيبُ العزيزِ الغالبِ لكلِّ شيء، العليمِ بما يُصْلِحُ الكونَ والخلق، وما يحقِّق الاستخلاف والثواب والعقاب. ويؤخذ من هذه الآية، والتي قبلها رقم 10: أن خَلْقَ الأرض استغرَقَ أربعة أيام، وخَلْقَ السموات استغرَقَ يومَيْن، فيكونُ مجموع خلق السموات والأرض في ستة أيام.
وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لقد أقمتُ لكم الأدلَّة على وحدانية الله، وعبادتِهِ وحده لا شريك له، وعلى صِدْقِ رسالتي؛ فإن أعرَضُوا ورفَضُوا الاعترافَ بعظمة الله وقُدْرته وحِكْمته وتوحيده؛ فقل لهم على سبيل التحذير: لقد أنذرتُكُمْ عذابًا يستأصلكم كما استأصَلَ عادًا وثمودَ عندما كفروا بربِّهم، وعصَوْا رسله.
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه حين جاءتهم -أي: عادًا، وثمودَ- رسُلُ الله -هودٌ، وصالحٌ- يأمرونهم بعبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، أجابوهم بالتكذيبِ والمعانَدة، وقالوا: لو أراد الله دَعْوَتَنا لِمَا تقولون، لأنزَلَ إلينا ملائكةً؛ فأنتم بشرٌ مثلنا، ونحنُ بما تدعوننا إليه كافرون جاحدون.
ثم أخبَرَ جل وعلا أن عادًا قوم هود -إضافةً إلى كُفْرِهم وتكذيبِهم لرسولهم- استكبروا واستَعْلَوْا على كلِّ قوَّةٍ بغيرِ وجه حقٍّ، وقد أعجَبَتْهم قوَّتهم، فاغتروا قائلين: مَنْ أشدُّ منا قوةً؟! فإنه لا يَقْدِرُ أحدٌ على إصابتنا بسوءٍ أو أذًى، أوَلَمْ يَرَوْا أن الله الذي خلَقَهم وأوجَدَهم بعد العدم هو أشدُّ منهم قوَّة؟! وكانوا بآياتِ اللهِ الدالَّةِ على وحدانيته يجحدون ويكذِّبون.
فلأجل ذلك عاقَبَهم جل وعلا وأهلَكَهم بأنْ أرسَلَ عليهم رِيحًا شديدةَ البرودة، وشديدةَ الصوت، استمرَّت عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام، فكانت أيامهم تلك أيامًا مشؤوماتٍ عليهم؛ ليذيقهم سبحانه عذابَ الذُّلِّ والخِزْيِ والهوانِ في الحياة الدنيا بسببِ استكبارهم، وإنَّ عذابهم في الآخرة أشدُّ، وأنكى، وأبقى، وأخزى، ولا يستطيعون -بقوَّتهم- أن يمنعوا عن أنفسهم العذاب، ولا يستطيعُ أحدٌ مَنْعَهُ عنهم.
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسَلَ لقومِ ثمودَ نبيَّهم صالحًا عليه السلام لهدايتهم؛ فقام صالحٌ عليه السلام بما أوجَبَ الله عليه، وبيَّن لقومه الحق، ودلَّهم على الهدى والإيمان، وأرسَلَ اللهُ لهم الناقةَ التي طلبوها لتعجيزه؛ فخرجت من الصخرة بإذن الله، ولكنَّهم اختاروا الكُفْرَ والضلال على الإيمانِ والهدى؛ فأهلَكَهم الله بصاعقةِ العذابِ المُهِين؛ بسببِ كفرِهم وجحودِهم، وتكذيبِهم رُسُلَ الله.
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه نجَّى الذين آمنوا بالله، واتبعوا نبيَّهم صالحًا عليه السلام، وكانوا يتَّقون عذاب الله بتوحيدِهِ، والإيمانِ برُسُلِهِ وبما جاؤوا به.
واذكروا -أيها الناس- يوم أن يُحْشَرَ أعداء الله جميعًا إلى النار بعد أن حوسبوا على أعمالهم السيئة، ثم يُحْبَسُونَ في هذا اليوم حتى يُجمَعَ أوَّلهم بآخرهم، ثم يساقون بعُنْفٍ إلى النار.
ثم بيَّن سبحانه أحوالهم عندما يُعْرَضُونَ على النار؛ فيُخبِرُ جل في علاه أنهم إذا ورَدُوا على النار، وأرادوا أن يُنكِروا ما عملوه من الكفر والضلال والمعاصي، شَهِدَ عليهم سمعُهم وأبصارُهم وجلودُهم بما كانوا يعملون في الدنيا مِنَ الكبائرِ والصغائر؛ فإن الله جل شأنه يُنْطِقُها كما أنطَقَ كل شيء؛ ويدُلُّ هذا على عظيمِ قدرتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ولمَّا شَهِدَتْ هذه الأعضاء على هؤلاء المشركين بما كانوا يفعلون، أغاظهم ذلك؛ لأنها فضَحَتْهم وأظهَرَتْ ما كانوا يكتمون؛ فأخذوا يعاتبون أعضاءهم، ويقولون لجلودهم: لِمَ شَهِدتُّم علينا بما كنا نعمل في الدنيا؟! فقالت الجلودُ لأصحابها: أنطَقَنَا الله الذي بقدرته أنطَقَ كل شيء، وهو سبحانه خلَقَكُمْ أوَّل مرَّة، ولم تكونوا شيئًا مذكورًا، وإلى الله وحده مصيرُكم أيها الناس؛ فيجازيكم على أعمالكم، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ، ووجَّهوا العتاب لجلودهم فقطْ، لأنها محل الإحساس.
ثم قال جل وعلا لهؤلاء المشركين على سبيلِ اللومِ والتبكيت: وما كنتم -أيها الكافرون- تستَخْفُونَ عندما ترتكبون الذنوب والمعاصي؛ خوفًا مِنْ أن يشهد عليكم سمعُكم أو أبصارُكم أو جلودُكم، ولكنكم ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تُخْفُونَ مِن أعمالكم التي تعصون الله بها.
ثم بيَّن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سوءَ عاقبة ظنِّهم السيِّئ بربِّهم: بأن أرداهم وأدخَلَهم النار، فأصبحوا من الخاسرين الذين خَسِروا كل شيء، أي: أنهم ما كانوا يخافون أن تَفْضَحَهم أعضاؤهم، بل كان ظنُّهم أسوأَ من ذلك؛ حيث كانوا يظنُّون أن الله لا يعرف شيئًا من أعمالهم السيئة.
ثم إنكم -أيها الكفار- في جميع الأحوال ماكثون في النار؛ سواءٌ صبَرْتُم على عذابها واستسلمتم لذلك، أو لم تَصْبِروا؛ فهي مسكنُكم ومستقرُّكم، ولو اعتذرتم وطلبتم الرجوعَ إلى الدنيا؛ لكي تؤمنوا بالله، وتتَّبعوا الرسول ﷺ؛ حتى تفوزوا برضا الله، ودخولِ الجنة-: فلن تُجابُوا إلى ذلك.
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هيَّأ لهؤلاء الظالمين المجاوزين حدودَهم قُرَناءَ وأصحابَ مِنْ شياطين الإنس، ضالِّين مثلهم، فزيَّنوا وحسَّنوا لهم أمورَ الشرك والكفر والمعاصي، وإنكارِ البعث والجزاء؛ فوجَبَ وحَقَّ عليهم العذاب، واستحقُّوه، في جُملَةِ أُمَمٍ كافرةٍ قد مضَتْ من قبلهم -من الجن والإنس- إنهم كانوا بذلك من الخاسرين لأنفسهم ولأهليهم الخُسْرانَ البيِّنَ الواضح يوم القيامة.
ولم تَقِفْ معاداةُ الكفار للرسول ﷺ والوَحْيِ عند عدَمِ الإيمان، وإنما أَوْغَلوا في الفسوق والكفر، وأخذوا ينفِّرون الناس والذين يريدون أن يدخلوا في الدين؛ فيقولون للجهَّال والعامَّة: لا تسمعوا لهذا القرآنِ الذي يقرؤه عليكم محمَّد، ولا تُطِيعوه، بل عند سماعكم وهو يقرأُ، ارفَعُوا أصواتكم وشَوِّشوا عليه بالصَّفِير واللَّغْو، وهو: الكلامُ الذي لا مفهومَ منه، لعلَّكم تغلبونه؛ فيترُكَ القراءة، وننتصِرَ عليه.
ثم هدَّد جل وعلا هؤلاء الكافرين الذين قالوا هذا الكلام، فقال: فلَنُذِيقَنَّ الذين كفَروا وجحَدوا دين الله، ولم يتَّبعوا الرسل، وصدُّوا غيرهم عن القرآن بمِثْلِ هذا القول؛ عذابًا شديدًا في نار جهنَّم، ولنُنَكِّلَنَّ بهم نكالًا عظيمًا، وهذا وعيدٌ لهم ولغيرهم ممن حارب الله ورسوله ﷺ والمؤمنين في زَمَانهم وفي الأجيال اللاحقة.
واعلموا -أيها الناس- أن ذلك الجزاء والعذاب الشديدُ هو جزاءُ أعداءِ الله وأعداءِ أنبيائه وأوليائه، قد أَعَدَّ الله لهم نار جهنَّم يدخلونها ويقاسون حَرَّها وعذابها، وهم مقيمون ماكثون فيها، لا يخرُجُونَ منها أبدًا؛ ذلك بأنهم كانوا بآياتنا الدالَّة على الوحدانية يجحدون وعنها يُعْرِضون.
ثم إن أولئك الكفار من الأَتْباعِ الإمَّعاتِ يقولون -وهم في النار-: ربَّنا أَرِنَا الصِّنْفَيْنِ اللَّذَيْنِ قادانا إلى الضلالِ والعذابِ من الجن والإنس؛ لنضعهما تحت أقدامنا في النار، ليكونا مِنَ الأَذَلِّين المهانين.
ثم أخبَرَ جل وعلا المؤمنين وطَمْأَنهم أن الذين قالوا بصِدْقٍ وإخلاص: ربُّنا اللهُ وحده لا شريكَ له، ثم استقاموا على شريعته، تتنزَّلُ عليهم الملائكةُ عند الموتِ ونَزْعِ الرُّوح، وتقول لهم: لا تخافوا -أيها المؤمنون الصادقون- ولا تحزنوا على ما تركتموه وراءكم مِنْ متاع الدنيا، ثم تبشِّرهم برضوان الله ورحمته، ودخولِ جنَّته، وهي التي كانوا يُوعَدونَ بها في الدنيا، والتي هي مستقَرُّهم الأخير، وما فيها من النعيم المقيم.
ثم تُخْبِرهم الملائكة، وتقولُ لهم: نحن أنصارُكم وأعوانُكم؛ ففي الدنيا كنا نحُثُّكم على الخير، ونحذِّركم من الشر، وندعو لكم، ونثبِّتكم عند الشدائد والمصائب، ونحن -أيضًا- في الآخِرةِ أنصارُكم وأعوانُكم، فنثبِّتكم عند خروج الرُّوح، وعند البعث، وعلى الصراط، وفي الجَنَّة نهنِّئكم، ونسلِّمُ عليكم، ولكم في هذه الجَنَّةِ مِن النعيم المقيم ما تشتهيه أنفُسُكم مِنْ صنوف اللَّذات والنعم، ولكم فيها ما تطلُبُون، وما تتمنَّوْن.
ثم بيَّنت لهم الملائكةُ الكرامُ أنَّ كلَّ ما أعدَّه الله لكم وهيَّأه في هذه الجنة، هو نُزُلٌ وضيافةٌ مِن ربٍّ غفورٍ، كثيرِ المغفرةِ لمن استغفَرَ وتاب، رحيمٍ، كثيرِ الرحمةِ لمن رجَعَ وأناب.
ثم اعلموا أيضًا أنه لا أحَدَ أحسنُ كلامًا وطريقةً وحالًا ممن: دعا إلى توحيدِ الله وإفرادِهِ بالعبادة، وعَمِلَ الأعمال الصالحة بفعلِ الأوامر، واجتناب النواهي، وقال: إنني من المسلمين المستسلمين لله بالتوحيد، المنقادين له بالطاعة.
ثم بيَّن جل وعلا أنه لا تستوي الحسنة التي يحبُّها الله ويرضاها من الأقوال والأعمال والنيَّات، بالسيئة التي يَكْرَهُها الله ويأباها، وعليك أن تَدْفَعَ الخَصْلةَ السيئة وما يصيبك من الأذى بالخَصْلة الحسنة، كالعفوِ عمَّن ظلمك، والإحسانِ لمن أساء إليك؛ فإنك إذا فعَلْتَ ذلك، كسَبْتَ قلب عدوِّك، فأصبَحَ كالصديقِ المقرَّب منك.
ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذه الخَصْلةَ -وهي دفع السيئة بالحسنة- لا يُعْطَاها إلا مَنْ جمَّله الله بخُلُقِ الصبرِ الجميلِ على كَظْمِ الغيظ، واحتمالِ المكروه من الناس -ابتغاءَ ثوابِ الله والدار الآخرة- وما يُعْطى هذه الخَصْلةَ إلا صاحبُ حظٍّ عظيمٍ في الثوابِ والأجرِ في الدنيا والآخرة.
ثم أرشَدَ جل وعلا عباده المؤمنين إلى ما يُبْعِدُهم عن الشيطان ووساوسه، فقال: وإذا أحسَسْتَ في أيَّ وقتٍ من الأوقات بشيء من وساوسِ الشيطانِ وتزيينِهِ الشَّرَّ لك، كدَفْعِ السيئة بالسيئة-: فالتجِئْ إلى الله، ولُذْ به، واعتصِمْ به، واسأله أن يُعِيذَكَ ويَحْمِيَكَ من الشيطان الرجيم؛ إن الله هو السميعُ لجميع أقوالك ومناجاتك ودعائك، العليمُ بما تحتاج إليه من الحماية والعصمة.
ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِنْ آياتِهِ الدالَّةِ على وحدانيتِهِ وكمالِ قدرته: وجودَ الليلِ والنهار، والشمسِ والقمر، وتعاقُبَهم؛ فيحصُلُ بذلك لكم المنافعُ العظيمة، وتستقيمُ حياتكم، ثم أمَرَ عباده ألَّا يسجُدُوا للشمس ولا للقمر؛ لأنهما مخلوقان مُدَبَّرانِ مِنْ جملة المخلوقات، بل اسجدوا لله الذي خلقَهُنَّ؛ إن كنتم إياه تعبدون، وتُخلِصونَ له العبادة، وخَصَّ سبحانه الشمسَ والقمرَ بالذِّكْرِ؛ لأن هناك من البشر مَنْ يعبدهما.
فإنِ استكبَرَ هؤلاء المشركون عن توحيد الله وإفراده بالعبادة -بأن أشركوا معه غيره- فإن الملائكة الذين عند ربِّك -أيها النبي- لا يستكبرون عن توحيدِ الله، وإفرادِهِ بالعبادة، وهم قائمون على تنزيهِهِ وتقديسِهِ على الدوام ليلًا ونهارًا، لا يفتُرُونَ عن ذلك، ولا يَمَلُّون. وهذه الآيةُ تفيد أن الله جل في علاه ليس بحاجةٍ إلى عبادة أحدٍ مِنَ البشر، وإنما هو سبحانه مستغنٍ عن الخلق أجمعين، ولكنه لا يرضى أن يُعبَدَ غيره؛ قال تعالى: ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ﴾ [الزمر:٧].
ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ من آيات الله الدالَّة على إثباتِ البعثِ وكمالِ القدرة: أنك ترى الأرضَ جرداءَ لا نباتَ فيها، فإذا أنزلنا عليها ماء المطر، تحرَّكتْ بالنبات، وظهَرَ النبات فيها، إن الذي أحيا هذه الأرضَ الميتةَ، فأنبتَتْ هذا النبات واخضرَّتْ، لَمُحْيي الموتى مِنْ قبورهم، للبعثِ والنشور، إنه على فعلِ كلِّ شيء أراده لقدير، لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين يميلون في آياتِ اللهِ عن الصوابِ بتحريفها، أو بإنكارِها، أو تكذيبِها؛ لا يَخْفَوْنَ عليه سبحانه، ولا يستطيعون أن يستتروا منه، ثم بيَّن جل في علاه الفرقَ الكبيرَ بين الكافر والمؤمن، فقال: أفمَنْ يُلحِدُ في آيات الله ويحرِّفها فيُلقَى في نار جهنَّم خيرٌ، أمَّن آمَنَ بآيات الله واتَّبعها وأذعَنَ لها، فيأتي يوم القيامة آمِنًا من العذاب؟! فاعملوا ما شئتم أيها الملحِدون -وهذا تهديدٌ شديدٌ لهم على إلحادهم، وليس إذْنًا لهم- ولكنِ اعلموا أن الله بما تعملون بصير؛ لا يخفى عليه شيءٌ مِنْ أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
ثم أضاف جل وعلا تهديدًا آخَرَ، فقال: إن الذين كذَّبوا وأعرضوا عن القرآن لمَّا جاءهم على لسان رسول الله ﷺ، سنجازيهم على ذلك يَوْمَ القيامة، واعلموا -أيها الناس- أن هذا القرآن كتابٌ عزيزٌ منيعٌ حفظه الله مِنْ كلِّ تحريفٍ وتبديل.
ثم بيَّن سبحانه أنه قد تكفَّل بحفظ هذا القرآن؛ فلا يأتيه الباطلُ مِنْ بين يديه ولا من خلفه، أي: لا يستطيعُ شيطانٌ مِنَ الإنسِ والجِنِّ أن يزيدَ فيه أو ينقُصَ منه، وبيَّن أن هذا القرآنَ الكريمَ تنزيلٌ من الله الحكيمِ الذي يضع الشيء في موضعه، الحميدِ على ما له من صفاتِ الكمال، ونعوتِ الجلال؛ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثم قال جل وعلا تسليةً لنبيه محمدٍ ﷺ: واعلم -أيها النبي- أن ما يقال لك من هؤلاء المشركين: بأنك ساحِرٌ أو شاعِرٌ أو كذَّابٌ أو مجنون، فقد قاله مِنْ قبلهم الأممُ لرُسُلهم؛ فلَسْتَ بِدْعًا من الرسل، وما دام الأمر كذلك، فاصبِرْ على ما ينالك من الأذى، واعلم أن ربَّك ذو مغفرةٍ لعباده المؤمنين، وذو عقابٍ أليم لمن أصَرَّ على الكفر والتكذيب.
ثم رَدَّ جل وعلا على بعض الشبهات التي أثارها المشرِكونَ حولَ القرآن، فقال: ولو جعَلْنا هذا القرآنَ الذي أنزلناه عليك -أيها النبي- أعجميًّا، لقال المشركون: هَلَّا وُضِّحَتْ آياته بلسانٍ عربيٍّ نفهمه، وهل يُعقَلُ أن يكون هذا القرآن أعجميًّا، ولسانُ الذي أُنزِلَ عليه عربي؟! فقل -أيها النبي- لهؤلاء الجاحدين: إن هذا القرآن هُدًى للمؤمنين، وشفاءٌ للأمراض النفسيِّة والعُضْويَّة، ولما يَحُوكُ في الصدور من الشكوك والأمراض، أما أولئك الذين لا يؤمنون بالقرآن، ففي آذانهم صَمَمٌ، وهو على قلوبهم عَمًى؛ فلا يهتدون به أبدًا، وأولئك المشركون كمَنْ يُنادى وهو في مكانٍ بعيدٍ؛ فلا يَسْمَعُ نداءً، ولا يَفْهَمُ قولًا. وهذه الآية من آياتِ الشفاءِ الستَّةِ التي ذُكِرَتْ سابقًا، والتي يُسْتَشْفَى بهنَّ مِن الأمراضِ النفسية، والأمراض البدنية.
ثم أخبَرَ جل وعلا؛ مسلِّيًا نبيه ﷺ، ومهوِّنًا عليه ما يجده من مخالفيه، فقال سبحانه: ولقد آتينا رسولَنَا موسى عليه السلام كتابَ التوراةِ، كما آتَيْنَاكَ -أيها الرسول- القرآن فاختُلِفَ في شأنها؛ فمنهم مَنْ آمَنَ بها، ومنهم مَنْ صَدَّ عنها، ولولا كلمةٌ سبَقَتْ من ربِّك في تأخيرِ العذابِ عن المكذِّبين من قومك إلى الوقتِ المحدَّدِ له، لَفُصِلَ بينهم بإهلاك الكافرين في الحال، واعلم أن المشركين في شكٍّ ورِيبةٍ مِن هذا القرآن، جعَلَهم يعيشون في قَلَقٍ واضطراب.
واعلموا -أيها الناس- أن مَنْ عمل الأعمال الصالحة، وأقام على ما يحبُّه الله ويرضاه، فإنما يقدِّمُ الخيرُ والنفعُ لنفسه، ومَنْ عمل الأعمال السيئة، وأقام على ما يَكْرَهُهُ الله ويَأْباه، فإنما يقدِّمُ الشرَّ والعقابَ لنفسه، وليس ربُّك -أيها النبي- بذي ظُلْمٍ للعبيد؛ فلا يعذِّبُ أحدًا إلا بذَنْبه.
ثم أخبَرَ جل في علاه أنه إليه وحده مرجعُ عِلْمِ الساعة؛ فهو سبحانه وحده الذي يَعْرِفُ وقتها، وهو وحده الذي يَعْلَمُ متى تخرُجُ الثمار من أغلفتها وأكمامها، وهو وحده الذي يعلم ما تَحْمِلُ أي أنثى مِنْ حَمْل، ولا تضعُ حَمْلَها إلا بعلم الله وإرادته، واذكر -أيها النبي- يوم أن ينادي جل وعلا المشركين يومَ القيامة؛ توبيخًا لهم، وإظهارًا لكَذِبهم: أين شركائي الذين كنتم تُشْرِكونهم في عبادتي؟ فقالوا على سبيل التحسُّرِ والتذلُّل: لقد أخبَرْناك -يا ربنا- الآنَ: أنه ليس منا مِنْ أحدٍ يَشْهَدُ اليومَ أن معك شريكًا؛ فقد انكشَفَتْ عنا الحُجُب، وعرَفْنا خطأنا.
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ذهَبَ عن هؤلاء المشرِكينَ ما صرَفُوا فيه أعمارَهُمْ مِن عبادة غير الله، وحينها أيقنوا وعلموا أنْ لا نجاة لهم، ولا مَهْرَبَ من العذاب.
ثم ذكَرَ جل وعلا شيئًا عن طبيعةِ الإنسان التي خُلِقَ عليها، وهي أنه يُحِبُّ الخيرَ ويُلِحُّ في طلبه، أما إن أصابته مصيبةٌ من فقر أو شدَّة، فإنه يَؤُوسٌ من رحمة الله، قنوطٌ سيِّئُ الظن.
ثم بيَّن جل وعلا أن مِنَ الناس مَنْ إذا عافاه الله مِنْ مرض، أو أغناه بعد شدَّة، فإنه يقول: هذه مِنْحةٌ من الله لي؛ لأنني صبَرْتُ وعانَيْتُ، فأنا أستَحِقُّها، وغاب عنه أن الحياة كلَّها ابتلاءات، وأن الغنى والصحَّةَ كلَّها اختبار للإنسان؛ هل يشكُرُ على السرَّاء؟! وهل يصبِرُ ويحتسِبُ عند الشدائد والضَّراء؟! ثم يقول شاكًّا في يوم القيامة: وما أعتقِدُ أن الساعة آتية، ومعلومٌ أن الشكَّ والظنَّ في يوم القيامة كُفْر، ثم يقول: وعلى فرضِ إتيانِ الساعة، وأني سأَرْجِعُ إلى ربي، فإنَّ لي عنده ما هو أحسَنُ وأفضلُ مما أنا فيه مِنْ نعيمِ الدنيا، وهي الجنة، ثم أقسَمَ جل في علاه، فقال: فلَنُخْبِرَنَّ الذين كفروا يوم القيامة بما عملوا من سيئات، وأقسَمَ أنه سوف يذيقهم العذابَ الغليظَ المؤلم المُوجِع. وقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، يؤكِّدُ أن الشك في يوم القيامة كُفْرٌ.
ثم ذكَرَ جل وعلا نوعًا آخَرَ من طغيان الكافر وجحوده، فقال: وإذا أنعَمْنا على الإنسانِ بصحَّةٍ أو رزقٍ أو غيرهما، أعرَضَ عن شُكْر الله، وترفَّع عن الانقياد إلى الحق، أما إذا أصابه سوءٌ، فإنه يدعو ربَّه بإلحاحٍ، ويتضرَّع إليه بشدة، بأن يكشف الله ما به مِنْ ضُرّ، وهكذا يلتجئُ إلى الله في الشدَّة، وينسى حقَّ الله عليه في الرخاء؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ﴾ [يونس:12].
وقل -أيها النبي- لهؤلاء المكذِّبين بالقرآن: أَخْبِروني، إن كان هذا القرآنُ مِن عند الله حقًّا، ثم أنتم كذَّبتم به، ولم تَقْبَلوه، ولم تعملوا بما فيه، فمَنْ يكون حينها أضلَّ وأشقى منكم؟!
وختَمَ جل وعلا السورة بأنْ وعَدَ المتشكِّكين: أنه سيُرِيهِمْ بعضَ عجائبِ قُدْرتِهِ مِنَ المعجِزاتِ والاكتشافاتِ في السموات؛ مِن كواكبَ وشموس، وفي الأرضِ؛ مِن أشجارٍ وبحارٍ وجبال، وما يتجدَّد من اكتشافات ومراكب وغيرها؛ مما يكون سببًا في ظهورِ الإسلامِ وانتشارِهِ على سائر الأديان، وكذلك سيُرِيهِمْ سبحانه عجائبَ قُدْرته في الأنفُس مما أودَعَ الله فيها من حواسَّ وقُوًى، وعقلٍ ورُوح، وغير ذلك؛ سيريهم سبحانه ذلك حتى يتبيَّنَ لهم مِنْ تلك الآياتِ: أنَّ القرآنَ وما حواه من أخبارٍ أنه حَقٌّ، وأنه مِنَ الله الحقّ، ثم وبَّخ سبحانه هؤلاءِ المكذِّبين، فقال: أَلَا يكفي هؤلاء المكذِّبين الجاحدين بُرْهانًا على أن القرآن حَقٌّ، وأنَّ مَنْ جاء به صادق، شهادةُ الله تعالى؟! وكفى به سبحانه شهيدًا على أفعال عباده وأقوالهم.
ثم بيَّن جل وعلا حقيقةَ هؤلاء الكافرين، فقال: اعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء الكافرين في شَكٍّ ورَيْبٍ عظيمٍ من البعث بعد الموت، وأنَّ الله جل في علاه بكلِّ شيء محيطٌ علمًا وقدرةً وعزَّةً إحاطةً تامَّة، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، و سيجازي سبحانه كلًّا بعمله.