1
أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن العظيم إنما هو تنزيلٌ مِنَ الله لا مِنْ غيره؛ كما يقول المشركون، وقد أنزله سبحانه على نبيِّه محمدٍ ﷺ؛ فاعملوا بما تضمَّنه من أحكام وأوامر، وهو سبحانه الغالبُ على كلِّ شيء، الحكيمُ في جميع تصرُّفاته وأفعاله.
Nefhât el-Mekkî - Muhammed b. Salih eş-Şâvî · QuranEnc.com · Sürüm 1.0.0
Özgün kaynakأخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن العظيم إنما هو تنزيلٌ مِنَ الله لا مِنْ غيره؛ كما يقول المشركون، وقد أنزله سبحانه على نبيِّه محمدٍ ﷺ؛ فاعملوا بما تضمَّنه من أحكام وأوامر، وهو سبحانه الغالبُ على كلِّ شيء، الحكيمُ في جميع تصرُّفاته وأفعاله.
ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآن الذي أنزله على نبيه ﷺ كلُّه حقٌّ ونورٌ وهدًى للعالمين، وهو شاملٌ لتوحيدِ الله، والإيمانِ برسلِهِ، وأمورِ المعادِ وأعمالِ الدنيا؛ مِنْ عبادة الله، وإعمارِ الأرض وغير ذلك، ثم أمَرَ جل في علاه نبيه ﷺ أن يُخْلِصَ العبادة لله وحده، وأن يُخْلِصَ التجاءَهُ لله، والأَمْرُ له ﷺ لِيُلْزِمَ أتباعَهُ به.
واعلموا -أيها الناس- أن لله وحده الدِّينَ الخالصَ من شوائبِ الشركِ والرياء، وأن أولئك المشركين الذين اتَّخذوا من دون الله أولياء، كانوا يقولون: ما نعبُدُ تلك الآلهة إلا لِتَشْفَعَ لنا عند الله، وتقرِّبنا عنده منزلة؛ فهؤلاء لا شك أنهم في ضلالٍ وكُفْرٍ مبين؛ وسوف يَفْصِلُ سبحانه بين المؤمنين والمشركين يوم القيامة فيما اختلفوا فيه مِنْ أمر التوحيد والشرك؛ فيجازي كلًّا بما يستحِقّ؛ فهو جل في علاه ليس بينه وبين أحدٍ مِن خلقِهِ وسائطُ؛ فالخَلْقُ خلقه، وكلُّهم عبيده، والجميعُ محتاج إلى رحمته، وإنه سبحانه لا يوفِّقُ طريقَ الهدى والاستقامة لكلِّ مُفْتَرٍ على الله، مُصِرٍّ على العناد والكفر؛ لأنه اختار الضلالَ وأصَرَّ عليه، أما الراغبُ في الخير، الملتمِسُ للرشاد، فهو الجديرُ بالمعونة والهداية.
ثم أخبَرَ جل وعلا على سبيل الفرض والتقدير: أنه لو أراد سبحانه أن يتَّخِذَ ولدًا، لاختار من خلقه ما يريد، ولكنْ تنزَّه وتقدَّس جل في علاه عن أن يكونَ له ولَدٌ؛ فهو سبحانه الواحدُ الأحد، الفَرْدُ الصمد، في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، القهَّارُ الذي قهَرَ خلقه بقدرته. قال ابن كثير رحمه الله: (ثم بيَّن تعالى أنه لا ولَدَ له -كما يزعُمُهُ جَهَلةُ المشركين- في الملائكة، والمعاندون من اليهودِ والنصارى، في العُزَيْرِ وعيسى؛ فقال: ﴿ﭐ لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ﴾، أي: لكان الأمرُ على خلافِ ما يزعُمُون). ومعلومٌ أن الولَدَ يُطلَبُ ليخلُفَ أباه ويساعده في أموره وشيخوخته، والله جل وعلا لا يتَّصِفُ بشيء مِنْ صفاتِ الضعف، ثم إنَّ ما سوى الله مخلوق، والمخلوقُ لا يكونُ ولدًا للخالق؛ فتنزَّه سبحانه عن النقص والحاجة؛ فهو الغنيُّ الحميدُ الذي لا يحتاج إلى شيء، والخَلْقُ كلُّهم محتاجون إليه.
واعلموا -أيها الناس- أن الله وحده هو الذي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما بالحق، أي: بالصوابِ الذي اقتضته حِكْمته وقدرته لمصالحِ عباده الذين اختاروا وحملوا الأمانة؛ فتنزَّه سبحانه عن أن يخلُقَ شيئًا عبثًا أو باطلًا، وبيَّن سبحانه أنه خلَقَ الليل والنهار، وجعَلَ كلًّا منهما يغطِّي على الآخر؛ فالليلُ يغطِّي نُورَ النهارِ حتى يَذْهَبَ بضوئه، والنهارُ يَغْشَى الليلَ ويلتفُّ عليه حتى يذهب بظُلْمته، وهكذا، ثم بيَّن سبحانه أنه ذلَّل الشمس والقمر بانتظامٍ لمنافعِ العباد، وكلٌّ مِن الشمس والقمر يَجْرِي في مداره إلى حينِ قيامِ الساعة، واعلموا أن الخالقَ لهذه المخلوقات هو الغالبُ على كلِّ ما سواه، الكثيرُ المغفرةِ لذنوب عباده التائبين.
أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ الناس جميعًا من نَفْسِ أبيهم آدم، ثم إنه خلَقَ زوجه حوَّاءَ من نفسِ التُّرْبةِ التي خلَقَ منها آدم؛ وهذا على قول، والقولُ الأرجح: أنه خلَقَ حوَّاء من ضِلَعِ آدم؛ كما جاء في الحديث، وخلَقَ لكم سبحانه مِنَ الأنعامِ ثمانيةَ أنواعٍ ذكرٍ وأنثى؛ من الإبل والبقر، والضأن والمعز؛ ليَتِمَّ بهما التناسُلُ وبقاء النوع، وإنه جل في علاه يخلُقُكم في بطون أمَّهاتكم طَوْرًا بعد طَوْر في ظلمات البطنِ، والرَّحِمِ، والمَشِيمةِ، واعلموا أن الذي خلَقَ هذه الأشياء هو الله ربُّكم الذي له مُلْكُ السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، الذي لا معبودَ بحقٍّ إلا هو، فكيف تَعْدِلون عن عبادته إلى عبادة غيره مِن خلقه؟!
ثم قال سبحانه: اعلموا -أيها الناس- أنكم إن تكفُرُوا بربِّكم، فإنه جل وعلا غنيٌّ عنكم وعن غيركم، وليس بحاجةٍ إليكم، ولا لعبادتكم، ولا يضُرُّهُ كُفْرُكم وعصيانكم، ومع غنائه وعزَّته، فهو سبحانه لا يرضى لعباده الكفر، بل ينهاهم عنه؛ لعلمه أنه سيُورِثُهم الشقاوةَ السرمديَّةَ في النار، وإنما يَرْضَى لهم شُكْرَ نعمه عليهم، واعلموا أنه لا تَحمِلُ نفسٌ يوم القيامة إِثْمَ نَفْسٍ أخرى، وأنَّ مصيركم يوم القيامة إلى ربِّكم؛ فيُخْبِركم بما عملتم في الدنيا، ويجازيكم عليه، وهو سبحانه عليمٌ بما تخفيه نفوسُكم من أسرار.
ثم أخبَرَ جل في علاه عن كَرَمه بعبده، وقِلَّةِ شُكْرِ عبده له، وأنه حين يصيبه مكروهٌ يدعو ربه مستغيثًا به أن ينجِّيه؛ فإذا نُجِّيَ من الضر الذي أصابه، نَسِيَ اللهَ مسبِّبَ الأسباب الذي كشَفَ ما به مِنْ ضُرّ، ونسَبَ النجاةَ إلى الطبيبِ الحاذق، وقائدِ المركبةِ الماهر، وعاد لمثل ما كان عليه مِنَ الكفرِ والضلالِ وعبادةِ الأوثان؛ فقل -أيها النبي- لمثل هؤلاء متوعِّدًا إياهم: تمتَّعْ بكُفْرِكَ تمتُّعًا قليلًا، أي: في زمنٍ قليل، وهو مُدَّةُ بقائك في الدنيا؛ فإنك مِن أصحابِ النارِ المخلَّدين فيها، الذين لا يخرُجُونَ منها أبدًا.
ثم نفى جل وعلا المساواةَ بين المشرِكِ والمؤمن، فقال: هل يستوي الكافرُ المتمتِّعُ في هذه الحياة الدنيا، مع المؤمِنِ القائمِ على أمر الله الممتثِلِ له أمرًا ونهيًا؟! والقائمِ لله في جوفِ الليل راكعًا وساجدًا يتعبَّدُ لربه وهو خائفٌ وَجِلٌ من عذاب الله، راجٍ رحمةَ الله ومغفرتَهُ وجَنَّته؟! قطعًا لا يستويان، ثم نفى سبحانه أيضًا المساواةَ بين العالِمِ والجاهل، فقال: هل يستوي الذين يعلمون دِينَ الله، ويعلمون توحيدَهُ وشَرْعَه، مع الذين لا يعلمون شيئًا عن ذلك؟! ثم ختَمَ الآية، فقال: إنما يتذكَّرُ ويتَّعِظُ بهذه النصائح والتوجيهات أصحابُ العقولِ الراجحة، والفِطَرِ السليمة.
أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لعباد الله المؤمنين: اتقوا ربَّكم بفعلِ الطاعات، واجتنابِ المنهيَّات، وأخبِرْهم أن الذين امتثلوا أوامِرَ الله، واجتنبوا ما يكره: لهم في الدنيا الاطمئنانُ والرضا والرِّزْق، ولهم في الآخرة جَنَّةٌ عَرْضها السموات والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾ [النحل:97]. ثم لما كان بعضُ المؤمنين المضطَهَدِينَ في بعض البلاد لا تحصُلُ لهم الحياةُ الطيِّبة، أمَرَهم أن يهاجروا في أرض الله الواسعة؛ ليحصُلُوا على الاطمئنان والراحة وعلى عبادةِ الله مِنْ غيرِ مضايقة، وكان صناديدُ مكَّة يقولون للنبي ﷺ: (خَسِرْتَ -يا محمد- إذْ هجَرْتَ دِينَ جَدِّكَ عبد المطَّلب وأعمامِكَ وقومِك)؛ فكان الجواب: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾ [الزمر:١٥]، ثم بيَّن سبحانه أن الذين صبروا على مفارَقةِ أوطانهم، وتحمَّلوا الشدائدَ والمصائبَ في سبيل إعلاء كلمة الله، سوف يعطيهم الله أجرًا عظيمًا في الآخرة بغير عَدٍّ ولا مقدار؛ وهذا تعظيمٌ لجزاء الصابرين وثوابهم.
وقل -أيها النبي- لقومك: إنَّ الله أمرني أن أعبُدَهُ وحده لا شريك له، وأن أُخلِصَ له العبادة والدين.
وقل لهم -أيها النبي-: وقد أمرني ربي أن أكونَ أوَّلَ المسلمين الذين استسلموا لله بالتوحيد، وانقادوا له بالطاعةِ ظاهرًا وباطنًا.
وقل لهم -أيها النبي-: إني أخافُ مِن الله إنْ عصيته فيما أمرني به مِن الإخلاص والإسلام، أن يعذِّبني يوم القيامة عذابًا عظيمًا.
وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: اعلموا -أيها المشركون- أني أخُصُّ عبادتي لله وحده لا شريك له.
ثم قل لهم -أيها النبي- تهديدًا وإنذارًا: أما أنتم -أيها الكفار- فاعبدوا ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام؛ فإنَّ ذلك لا يَنْفَعُكُم، ولا يضُرُّ الله شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ﴾ [فصلت:40]؛ فإنَّ العاقبة للمتقين، ثم قل لهم: إن الخاسرين حقًّا هم الذين خَسِروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، أَلَا إنَّ ذلك هو الخُسْرانُ البيِّن الواضح الذي لا خسران فوقه.
ثم بيَّن سبحانه أنواعَ العذابِ الذي يعذِّبُ به هؤلاءِ الخاسِرينَ المشرِكينَ، ومِن ذلك: أن تُظِلَّهم مِن فوقهم طَبَقاتٍ من النار تشبهُ قِطَعَ السحاب العظيمة، ومِنْ تحتهم أيضًا كذلك، وهكذا يخوِّفُ الله عباده بهذا العذاب الشديد؛ ليتَّقوه ويحذروه، ويوحِّدوا الله، ثم أمَرَ جل وعلا عباده أن يتَّقوه؛ وذلك بأن يجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً بفعلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه.
ثم إن الله جل وعلا بعد ذِكْرِ الخاسرين؛ مدَحَ وأثنى على الذين اجتنبوا طاعةَ الشيطان وعبادةَ غير الله؛ فأعرَضُوا عمَّا يتعلَّق به المشركون من الأوثانِ والأصنامِ وعبادةِ الملائكة، وما يتعلَّق به اليهود من عبادة عزير، وما يتعلَّق به النصارى القائلون بالتثليث، وما تتعلَّق به الطوائف الأخرى؛ كالثَّنَويَّةِ وعَبَدةِ الكواكب، ثم تابوا إلى الله واستقاموا على عبادته مخلِصِينَ له الدين؛ لهم السعادةُ العظيمةُ الدائمةُ في حياتهم الدنيا، ولهم في الآخِرةِ جزاءٌ عظيمٌ، ورضوانٌ مِن الله عليهم، ونعيمٌ دائمٌ في الجنة، ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يبشِّرَ عباد الله الذين هذه مناقِبُهم وهذه صفاتهم.
ثم بيَّن سبحانه أن هذا التبشيرَ يكونُ لأولئك الذين يستمعون لكلامِ الله، فيتَّبعون أحسنه، ولا شك أن كلام الله كله أحسنُ الحديث، والمقصودُ في هذه الآية: هو أحسنُ ما يُفْهَمُ منه؛ ثم بيَّن جل شأنه أن أولئك الذين يتَّبعون أحسَنَ ما يُفْهَمُ مِن كلام الله هم الذين هداهم الله إلى أحسَنِ الأخلاقِ والأعمال، وأولئك هم أصحابُ العقولِ التي سَلِمَتْ من الشكوكِ وشهواتِ النَّفْسِ الكثيرةِ والمُغْرِيات.
ثم أخبَرَ جل في علاه أن أولئك الذين وجَبَتْ عليهم كلمةَ العذاب بسببِ كُفْرهم وضلالهم وعنادهم، هل تستطيعُ -أيها النبي- إنقاذَهم وإخراجَهم مما هم فيه من الأعمال والاعتقاد الذي يستحقُّون بسببه النار؟!
ثم أخبَرَ سبحانه أن أولئك المؤمنين الذين جعَلُوا بينهم وبين عقاب الله وقايةً بتوحيدِهِ، وفعلِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهيه؛ لهم في الجنةِ منازلُ عاليةٌ مزخرَفةٌ بعضها فوق بعض، مبنيَّةٌ بالذهب والفضة، محصَّنةُ البناء، تتدفَّق من تحتها الأنهار، وتجري في منظر بديعٍ، وشكلٍ جميل، وهذا وعدٌ من الله جل في علاه وعَدَ به عباده المتقين، والله لا يُخْلِفُ الميعاد.
ألم تعلم -أيها النبي- أن الله يُنزِلُ من السماء هذا المطَرَ، فيُجْرِيهِ ويُدخِلُهُ ويُودِعُهُ ينابيعَ في الأرض، ثم يُستخرَجُ هذا الماء ويُستخدَمُ في سَقْيِ الزروع، فتنبُتُ به النباتاتُ المختلِفةُ الألوان، وتخضرُّ به الأرض وتزهو، ثم يهيجُ ذلك الزرع عند استكماله، فيَجِفُّ وتذهبُ نضارته، فيصيرُ أصفَرَ اللون، ثم يتفتَّتُ ويتكسَّر، إن في ذلك لموعظةً بليغةً، وتذكرةً لأصحابِ العقولِ الراجحة، والفِطَر السليمة، فيتذكَّرون بها لُطْفَ الله، وكمالَ قدرته، ويتذكَّرون أيضًا أن الحياةَ متاعٌ زائل، وأنها تشبه ذلك النباتَ الذي يخضرُّ ويزهو ويهيجُ ثم يتفتَّت، إذا يَبِسَ، ثم تذروه الرياح.
ثم نفى جل وعلا المساواةَ بين المؤمن والكافر، وبين المهتدي والضالِّ، فقال: هل يستوي مَنْ شرَحَ الله صدره ووسَّعه وفسَّحه للهدايةِ، وقَبُولِ الإسلام، والعَمَلِ بأوامر الله، فهو بذلك على بصيرةٍ وهدًى من الله؟! هل يستوي هذا بمَنْ ضلَّ عن الهدى، وكان صدره ضيِّقًا بأحكام الإسلام يَتِيهُ في ظلمات الضلالة، وأوحال الغواية؟! فهلاكٌ وخسارةٌ مُحقَّقةٌ لكل من قسا قلبُهُ وغَلُظَ وجفا عن قبول ذكر الله والقرآن؛ فمَنْ كانت هذه حاله، فهو في ضلالٍ بيِّنٍ واضح.
ثم بيَّن سبحانه أنه هو الذي نزَّل أحسنَ الحديث، وهو القرآن الكريم، نزَّله الله يُشْبِهُ بعضه بعضًا في الترتيبِ والسَّبْكَ والحُسْن، ويثنِّي فيه اللهُ القصصَ والأحكامَ والمواعظ، فيؤثِّرُ في قلوب المهتدين، فتقشعرُّ وتنقبِضُ منه جلودُ الذين يخافون الله، والدارَ الآخرة؛ لما فيه مِن الترهيبِ والتخويف، ثم تَلِينُ جلودهم وقلوبهم إليه عند ذِكْرِ الترغيبِ والرجاء، ذلك القرآنُ، والتأثيرُ الحاصلُ به لهؤلاء المهتدين: هدايةٌ من الله لعباده، يهدي به الله مَنْ يشاء مِنْ عباده رحمةً وفضلًا، ومَنْ يُضْلِلْهُ سبحانه عن الإيمان بهذا القرآن ممن أصرَّ على الكفر، وحارَبَ الدعوة والقائمين بها، فما له من هاد يهديه ويوفِّقه إلى طريق الحق والاستقامة. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ﴾، لا شكَّ أن إضلال الله للعبد إضلالٌ جزائيٌ، وليس إضلالًا ابتدائيًّا، وذلك بسببِ إصرارِهِ على الكفرِ مع وضوح الهُدَى؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ﴾ [الصف:5].
ثم نفى جل وعلا المساواةَ بين الذين يخشون ربَّهم، وبين غيرهم ممن قسَتْ قلوبهم عن الحق، فقال: هل يستوي مَنْ كان مصيرُهُ يوم القيامة إلى النار التي يتَّقيها ويحاول دَرْأها عن نفسه بوجهه، بمن يأتى يوم القيامة آمِنًا مطمئنًّا بعيدًا عن النار وسعيرها؟! لا يستويان أبدًا، ثم قيل للظالمين المجاوِزِين حُدُودَهم بالشرك والمعاصي: ذوقوا عذابَ النارِ جزاءَ ما كنتم تعملون.
ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ الأشرار الفجَّار من الأمم السابقة كذَّبت رسلها كما كذَّبك قومُكَ -أيها النبي- فجاءهم عذابُ الله من حيثُ لا يتوقَّعون ولا يتصوَّرون.
ثم أخبَرَ سبحانه أنه أذاقهم بذلك العذابِ: الخِزْيَ والفضيحةَ والذُّلَّ في الدنيا، ولعذابُ الآخرةِ أكبَرُ وأشدُّ وأبقى من عذاب الدنيا، لو كانوا يعلمون لما عَمِلوا ما يوصِّلهم إليه من الكفر والتكذيب والضلال.
ثم أخبَرَ سبحانه أنه بيَّن ووضَّح للناس -ومنهم: مشركو العرب- في هذا القرآن من كلِّ مثلٍ يحتاجون إليه في أَمْرِ دينهم، فبيَّن لهم أمثال الأمم السابقة، وأمثال أهل الخير والشر، وأمثال التوحيد والشرك، وبيَّن لهم هذه الأمثالَ لعلَّهم يتَّعظون؛ فيؤمنوا ويوحِّدوا.
ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا القرآن أنزَلَهُ بلسانٍ عربيٍّ واضحِ الألفاظِ والمعاني، لا نقصَ فيه، ولا لَبْسَ، ولا خلَلَ، ولا تضادَّ فيه؛ لعلهم يتقون الله؛ فيوحِّدوه، ويؤمنوا برسوله ﷺ.
ثم ضرَبَ جل وعلا مَثَلًا للعبدِ المشرِكِ وللعبدِ المؤمن، فقال سبحانه: ضرَبَ الله مثلًا عبدًا مملوكًا لمجموعةٍ مِن الشركاء متشاكِسِينَ ومختلِفِينَ ومتنازِعِينَ فيما بينهم، فيطلُبُ أحدهم طلبًا، ويطلُبُ الآخر عكسه، فلا يدري العبدُ من يُرْضِي من أسياده، وعبدًا آخر لسيِّدٍ واحدٍ لا شركةَ فيه مع أحد، فسهلٌ على هذا العبدِ معرفةُ مقصودِ سيِّده، وتلبية ما يريده منه؛ فالأوَّلُ مثلُ المُشْرِك، والثاني مثلُ الموحِّد، فهل يستويان مثلًا؟! قطعًا لا يستويان أبدًا، فكذلك الموحِّدُ والمشرِكُ لا يستويان أبدًا، والحمدُ لله على ظهورِ الحقِّ وجلائه، وبيانِ الباطلِ وخِذْلانه، ولكنَّ أكثر المشركين لا يعلمون هذه الحقيقةَ البيِّنةَ لفسادِ عقولهم، ولاستحواذِ الشيطان عليهم.
ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أنه ميِّتٌ ومفارقٌ لهذه الحياة الدنيا، وكذلك هؤلاء المشركون ميِّتون أيضًا.
وأخبَرَ سبحانه أن المؤمنين والكافرين سيقفون جميعًا عند ربِّهم يومَ القيامة، يومَ الجزاءِ والحساب، يَخْتَصِمون ويتنازعون، فيَفْصِلُ سبحانه بينهم جميعًا، ويقضي بينهم بحُكُمِهِ العادل.
واعلموا -أيها الناس- أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا ممن افترى على الله الكذب؛ بأن ادعى له شريكًا يُعبَدُ معه، أو ادَّعى النبوَّة، أو قال على الله بغير عِلْم، ولا أحدَ أشدُّ ظلمًا أيضًا ممن كذَّب وكفَرَ بالقرآن الذي جاءه على لسان محمد ﷺ، أليست نارُ جهنَّمَ مَأْوًى ومَرْجِعًا ومسكَنًا لمن كفَرَ بالله، وكذَّب وجحَدَ بآياته ورسوله ﷺ؟!
ثم بيَّن جل وعلا حُسْنَ عاقبةِ أهلِ الصدق والإيمان، فقال: والذي جاء بالقول الصِّدْقِ وقولِ الحقِّ، ومَنْ صدَّقه وآمَنَ به؛ أولئك الذين وصَلُوا مرتبةَ التقوى؛ بأنْ جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً بتوحيدِهِ، وفعلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه.
ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المتقين جزاؤهم عند ربِّهم: أنَّ لهم الجَنَّةَ يطلبون فيها ما يشاؤون ويتمنَّوْنَ -مما لا أذُنٌ سمعت، ولا عينٌ رأت، ولا خطَرَ على قلب بشر- ذلك الجزاءَ: جزاءَ الذين أحسنوا في النيَّاتِ والأقوال والأعمال، وعبدوا الله كأنهم يرَوْنَهُ، فإنْ لم يكونوا يرونه، فإن الله يراهم. وأوَّلُ من تنطبق عليه هذه الصفات: النبيُّ ﷺ، ثم الصِّدِّيقُ، ثم مَنْ سار على هديهما، وسلَكَ مسلكهما في الاستقامة والدعوة.
ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المتقين أعطاهم جل وعلا ما أعطاهم مِنْ فضلِهِ ورحمتِهِ؛ ليكفِّرَ عنهم الأعمالَ السيئة من الذنوب والمعاصي، ويَغْفِرَها لهم، ويستُرَهَا عليهم، ويَجْزِيَهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون؛ من التوحيدِ والطاعاتِ والقربات، والباقياتِ الصالحات.
ثم أخبَرَ جل وعلا بعصمته لنبيِّه محمد ﷺ، فقال: أليس الله بمتكفِّلٍ بحفظِ عبدِهِ محمَّد وكفايتِهِ مِن أي أذًى يصيبه؟! ويخوِّفونك -أيها النبي- بالذين يعبدونهم من دون الله مِنْ الأصنامِ والأوثانِ التي لا تضُرُّ ولا تنفع، واعلموا أن مَنِ اختار الكفر وأصرَّ عليه، يُضْلِلْهُ الله عن طريق الإيمان والتوحيد، فلا يَقْدِرُ أحدٌ على هدايته أبدًا. وهذا الإضلالُ إضلالٌ جزائيٌّ؛ لأنهم وُلِدوا على الفِطْرةِ كسائرِ البشر؛ فالذين اهتدَوْا زادهم الله هُدًى، والذين أصرُّوا على الكفر والضلال، ثبَّتهم الله على ما اختاروا.
وأخبَرَ سبحانه أن مَنْ يوفِّقه الله ويرشده للهداية، فلن يستطيعَ أحدٌ إغواءه وإضلاله، ثم سأل سبحانه سؤالَ تقرير: أليس لله العِزَّةُ الكاملةُ التي قهَرَ بها كلَّ شيء؟! أليس اللهُ بقادرٍ على أن ينتقِمَ ممن كفَرَ به، وكذَّب رُسُلَهُ، وحارب وعادى أولياءه؟! بلى؛ فالله على كلِّ شيء قدير.
ولئن سألتَ -أيها النبي- هؤلاء المشركين: مَنِ الذي خلَقَ السموات والأرض، وأوجدهما بعد العَدَم، وخلَقَ ما بينهما وما فيهما، لَيُجِيبُنَّكَ: اللهُ وحده هو الذي خلَقَ السموات والأرض، فقل لهم حينها: أخبروني: لو أراد الله أن يُلْحِقَ بي أيَّ ضرر من الأضرار، فهل يستطيع هؤلاء الذين تعبدونهم مِنْ دون الله أن يزيلوا هذا الضرَرَ بالكلِّيَّةِ أو يخفِّفوه؟! وأخبرِوني يا قوم: لو أراد الله أن يُوصِلَ إليَّ منفعةً في ديني ودنياي، فهل يستطيع هؤلاء الذين تعبُدُونهم من دون الله مَنْعَ هذا الخير من الوصول إليَّ؟! فسيقولون: لا تستطيعُ آلهتنا رَفْعَ الضر، ولا مَنْعَ الرحمة، فقل لهم حينها: حسبي الله يكفيني في جميع أموري، فهو الذي يَجْلِبُ لي النفع، ويَدْفَعُ عني الضر، وهو سبحانه كَافِيَّ وحده، وهو الذي يعتمِدُ ويتوكَّلُ عليه المؤمنون.
وقل -أيها النبي- لقومك المكذِّبين المعاندين المصرِّين على الكفر: ابْقَوْا على حالتكم التي أنتم عليها مِنَ الشركِ والعناد، وعبادةِ مَنْ لا يضُرُّ ولا ينفع؛ فإني عاملٌ ومقيمٌ على حالتي التي أنا عليها مِنْ توحيدِ الله، وإفرادِهِ بالعبادة؛ فسوف تعلمون لمن تكون العاقبةُ الطيِّبةُ والجزاءُ الحسن.
وقل لهم -أيها النبي-: وسوف تعلمون -يا قوم- مَنْ منا يأتيه عذابٌ مِن الله يُخْزِيهِ ويَفْضَحُهُ ويُذِلُّهُ في الدنيا، ويَحِلُّ عليه في الآخرة، ويَنْزِلُ به عذابٌ شديدٌ دائمٌ مستمِرٌّ لا ينقطِعُ أبدًا.
أخبَرَ سبحانه أنه أنزَلَ على نبيه ﷺ هذا القرآنَ شاملًا لكلِّ الحقوقِ ومصالحِ الناس، وأنَّ كلَّ ما فيه حقٌّ وصواب، فمَنِ اهتدى به وعَمِلَ بما فيه، فإنَّ نفعَ ذلك عائدٌ لنفسه، ومَن عصى وضلَّ، فإنما ضرَرُ ذلك يعود على نفسه، ولن يضُرَّ الله شيئًا، وما أنت -أيها النبي- عليهم بوكيلٍ تحفظُ أعمالهم، وتحاسِبُهم عليها، وإنما أنت -أيها النبي- عليك البلاغ؛ فالله هو الذي له الحقُّ، وهو الفعَّالُ لما يريد.
ومما يدُلُّ على كمال قدرة الله جل وعلا أنه هو وحده الذي يَقْبِضُ الأرواحَ حين يتم أجلها، وهذه هي الموتةُ الكبرى، ويُمْسِكُ التي لم تَمُتْ في منامها، وهذه هي الموتة الصغرى؛ فيُمْسِكُ سبحانه التي قضى عليها الموتَ، فلا يَرُدُّها إلى الجسد، أما الأخرى التي لم يتمَّ أجلها، فيَرُدُّها في جسدها حتى تستكمِلَ الزمن المقدَّر لحياتها في الدنيا، واعلموا أن فيما ذكره جل في علاه من قدرته على توفِّي الأنفس وإمساكها وإرسالها؛ دلائلَ واضحةً على قدرته لمن تفكَّر وتدبَّر. وقد تقدَّم الجمع بين هذه الآية والآياتِ التي فيها أن مَلَكَ الموت يتوفَّاها، والآياتِ التي ذُكِرَ فيها أن ملائكة الموت هم الذين يتوفَّوْنهم. وقلنا: إن الله هو الآمِرُ لمَلَك الموت، وأن مَلَك الموت له ملائكةٌ مكلَّفون بالتعاون معه لهذا الغرض، ولما كان سبحانه هو الآمِرَ، صار هو الذي يتوفَّى الأنفُسَ في حقيقة الأمر؛ لأنهم ينفِّذون أمر الله سبحانه.
ثم أنكَرَ جل وعلا على هؤلاء المشركين الذين اتخذوا هذه الآلهةَ شفعاءَ مِنْ دون الله؛ فأمَرَ نبيَّه أن يقولَ لهم: (أتتَّخذون هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون، حتى لو كانت هذه الآلهةُ لا تَمْلِكُ لكم نفعًا ولا ضرًّا، ولا تَعْقِلُ من عبادتكم لها شيئًا؟!).
ولما ذكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن شفعاءهم لا يملكون شيئًا، ولا يعقلون، أمَرَ نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين: اعلموا أن لله الشفاعةَ جميعًا، وأن له مُلْكَ السموات والأرض؛ فالأمرُ كله له وحده، ولا أحدَ يملك الشفاعة عنده إلا بإذنِهِ للشافعِ، ورضاه عن المشفوع له، ثم إليه جل في علاه تُرْجَعُونَ يوم القيامة؛ فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها.
واعلم -أيها النبي- بأنك إذا ذكَرْتَ الله وحده، انقبَضَتْ ونفَرَتْ قلوب هؤلاء المشركين، وإذا ذكَرْتَ آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، إذا هم يستبشرون فَرَحًا وابتهاجًا بذلك.
ثم أمَرَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يدعوه ويلتجئ إليه، قائلًا: اللهم يا رب، يا خالقَ السموات والأرض وموجِدَهما بعد العدم على غير مثالٍ سابق، أنت سبحانك تَعْلَمُ ما غاب عن المخلوقات، وما تشاهده المخلوقات في السموات والأرض، فلا يغيب عنك شيء، ولو كان مثقالَ حَبَّةٍ من خردل، وأنت سبحانك تحكُمُ وتَفْصِلُ بين عبادك -يوم العَرْضِ عليك، والوقوفِ بين يدَيْك- فيما كانوا فيه يختلفون مِنْ أَمْرِ التوحيد والشرك، ومِنْ أمورِ الدِّينِ من العقائد والعبادات؛ فتجازي المحسِنَ، وتعاقب المسيء.
ومِنْ شدَّة ما يرى هؤلاء المشركون من العذاب الرهيب الذي أُعِدَّ لهم بسببِ كُفْرِهم وظُلْمِهم وتجاوُزِهم حدودَ الله، فإنهم يتمنَّوْنَ لو أن لهم مُلْكَ ما في الأرض جميعًا مِنْ الأموال والنفائس، وانضمَّ إليها مِثْلُها، ثم دفعوا كل ذلك ليَفْدُوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة، ولَمَا قَبِلَهُ الله منهم، ولا أَغْنَى عنهم مِنْ عذابِ الله مِنْ شيء، ثم ظهَرَ لهم -في ذلك الحين- ما لم يكونوا يظنُّون ويتوقَّعون من عقوباتِ اللهِ وسَخَطِه، وشِدَّةِ عقابه؛ نسأل الله السلامة والعافية.
وفي هذا اليومِ العظيمِ يومِ القيامةِ، ظهَرَتْ لهؤلاء المشركين مساوئُ أعمالهم من الشرك والظلم والمعاصي، ثم أحاط بهم وطوَّقهم العذابُ الذي كانوا منه يسخرون، وإياه يستعجلون.
ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال هؤلاء المشركين الذين إذا أصاب أحدَهم ابتلاءٌ من فَقْر أو مَرَض أو اضطرار؛ فإنه يدعو الله مخلِصًا له الدِّين، غيرَ مشرِكٍ به، فإذا أنعَمَ الله عليه، ودفَعَ عنه ما نزَلَ به من الضر؛ فإنه ينسُبُ الفضلَ لنفسه، وأنَّ دفع الضر الذي نزَلَ به بسبب ما عنده مِنَ العلم، وأن ما جاءه من النفع والخير بسببِ ذكائِهِ وتصرُّفِهِ، وأنه مستحِقٌّ لذلك؛ قال الله: بل هي فتنة، أي: اختبارٌ وابتلاءٌ وامتحان؛ لينظُرَ مَنْ يشكُرُ ممن يكفُرُ، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك امتحانٌ من الله، واختبارٌ لهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ﴾، جاءت على لسانِ قارونَ في سورة القصص، الآية: (78)، وهي قولُ كثيرٍ من أهل الثراء في كلِّ زمانٍ ومكان؛ أَلَا تسمعُ أحدهم يقول: لقد أوتيتُهُ بذكائي، أو بمعرفتي بطُرُق التجارة، أو بخِبْرتي، ونحو ذلك؟! ونسي المسكينُ أنَّ خِبْرته ومعرفته هي منحة من الله، ونسي أن الله قادرٌ أن يسلُبَهُ جميعَ مالِهِ في لَحَظات، يمسي ثريًّا، ويصبحُ فقيرًا لا مال عنده، بعمليَّةٍ يسيرةٍ في أسهم، ونحو ذلك؛ فيخسر جميعَ ماله.
واعلم -أيها النبي- أن أناسًا مِنْ قَبْلِ قومك أنعَمَ الله عليهم امتحانًا لهم، فأنكروا نعمة الله، وقالوا: إنهم أُوتُوا ما أُوتُوا على علمٍ عندهم بوجوهِ المكاسب؛ فما نفَعَتْهم هذه الكلمة، ولم تَنْفَعْهم مكاسبهم الدنيوية؛ فحَلَّ بهم عذابُ الله، ونزَلَ بهم سَخَطُه؛ بسببِ غرورِهم وما كسبوا من الأعمال والأموال.
ثم اعلم -أيها النبي- أن الذين ظلموا وتجاوزوا حدودهم من أمَّتك، ليسوا بأفضلَ ممن سبقهم، فسوف يُصِيبُهم سيئات ما كسبوا من الأعمال، وما هم بفائتين على الله، ولا غالبين له؛ فالله على كل شيء قدير.
ثم سأل جل وعلا هؤلاء المعاندين سؤالَ توبيخ، فقال: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء -أيها النبي- أن بَسْطَ الرزقِ وقَدْرَهُ لا عَلَاقةَ له بصَلَاح الإنسان من طَلَاحه؟! فهو ابتلاء واختبار لكم من الموسَّع والمضيَّق عليهم؛ أن الله يوسِّع رِزْقه على مَنْ يشاء من عباده، ويضيِّقُهُ على مَنْ يشاء من عباده؛ كلُّ ذلك لحِكْمةٍ بالغة، واعلموا أن بسط الرزق وتقتيره عبرةٌ وحجة لقوم يؤمنون بحِكْمة الله البالغة، وبرحمته الواسعة.
وقل -أيها النبي- لعباد الله المؤمنين الذين اتَّبعوا أهواءهم، وأفرَطُوا في الجناية على أنفُسِهم بكثرة الذنوب والمعاصي، واستكثروا منها، قل لهم: لا تيأسوا مِنْ مغفرة الله لذنوبكم، واعلموا أن الله يَغْفِرُ جميعَ الذنوب -كبيرها وصغيرها- مهما عَظُمَتْ؛ فإن الله كثيرُ المغفرة لعباده المستغفرين التائبين، كثيرُ الرحمة لعباده التائبين. قال بعضُ العلماء: (هذه أرجى آيةٍ في القرآن).
وقل لهم -أيها النبي- أيضًا: ارجعوا إلى ربِّكم وأَقْبِلوا عليه بقلوبكم وجوارحكم وأعمالكم، واستسلِمُوا لله بالتوحيد، وانقادوا له بالطاعة؛ مِنْ قبلِ أن يَنْزِلَ بكم عذابُ الله؛ فلا تستطيعون دَفْعَه، ولا تُنصَرون في الدنيا ولا في الآخرة.
وقل لهم -أيها النبي- أيضًا: بادروا إلى اتِّباع ما في القرآن، وامتثلوا ما فيه مِنَ الأوامر والنواهي، قبل أن يَنْزِلَ بكم العذابُ فجأةً وأنتم غافلون عنه لا تشعرون به. وقوله: ﴿وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ﴾، أي: واتبعوا أحسن ما يُفْهَمُ منه.
ثم قل لهم -أيها النبي-: يا قوم، اعملوا بما أَمَرْتُكم به، وبادروا إلى ذلك، قبل أن تقولَ نفسٌ: ياحسرتي وندامتي على ما قصَّرتُ في حقِّ الله، والإيمانِ به وطاعته، وأنَّني كنتُ مِن المستهزئين الذين يَسْخَرُونَ بدِينِ الله وعباده المؤمنين، حين لا ينفع الندم.
أو تقولَ هذه النَّفْسُ بقصد التأسُّف والتندُّم: يا ليت أن الله هداني؛ فأكونَ ممن يَتَّقُونَهُ؛ فأنجُوَ من العقابِ والخِزْيِ والعذاب.
أو تقولَ هذه النفسُ يوم القيامة حين تعايِنُ العذاب: أتمنى أن يكونَ لي رجعةٌ إلى الدنيا؛ فأَعْمَلَ الصالحات، وأكونَ من المحسنين في اعتقاداتهم وأقوالهم وأعمالهم.
فيأتي الردُّ من الله جل وعلا إبطالًا لأمانيِّهم الكاذبة: ليس الأمر كما تقولون وتتمنَّوْن؛ فقد جاءتكم آياتنا الدالَّة على الحق والوحدانية؛ فجحدتموها، واستكبرتم عن اتِّباعها والإيمانِ بها، وكنتم مِنَ الكافرين بالله ورسله.
ثم أخبَرَ جل وعلا أن يوم القيامة ستَرَوْنَ الذين كذَبُوا على الله بنسبة الولد والصاحبة والشريك إليه؛ قد علاهم الخِزْيُ والعار، وترى وجوهَهُمْ مسودَّةً لِمَا أحاط بهم من الغَمِّ والعذابِ والنكال، ثم سأل جل في علاه سؤال تقرير: أليس في نار جهنَّم مأوًى ومسكنٌ ومقامٌ للمتكبِّرين عن طاعة الله، والانقياد لأوامره؟!
وبعد أن بيَّن جل وعلا حال الكفار يوم القيامة، بيَّن حال المؤمنين الذين انقادوا لأمر الله وأطاعوه، وجعلوا بينهم وبين عذابِهِ وقايةً بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وأخبَرَ سبحانه بأنه نجَّاهم بسبب فَوْزهم برضا الله ورحمته؛ فلا يَمَسُّهم عذابٌ يسوؤهم، ولا يعتريهم حُزْنٌ على ما فاتهم من الدنيا، ولا يخافون عذاب الآخرة؛ فهم في أمانٍ تامِّ، نسأل الله الكريم من فضله.
أخبَرَ جل وعلا أنه وحده هو الذي خلَقَ كلَّ شيء، وأوجده بعد العَدَم، وهو سبحانه وحده أحاط عِلْمًا بجميعِ الأشياء، وهو القائمُ بحِفْظها وتدبيرها، والتصرُّفِ فيها سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثم أخبَرَ جل وعلا أنه وحده الذي يملك مفاتيحَ السموات والأرض مِن الرِّزْقِ والرحمةِ والبركة، وغيرها، وله سبحانه تدبيرُ أمور السموات والأرض، والتصرُّفُ فيهما -لا يشارِكُهُ أحد في ذلك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - والذين جحدوا آياتِ الله فلم يؤمنوا بها؛ أولئك هم الخاسرون الخسارةَ الحقيقيَّة، فيَخْسَرونَ دنياهم وآخِرَتَهم.
ثم أمَرَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقولَ لمشركي قومِهِ على سبيلِ التوبيخ والتأنيب: أفغيرَ اللهِ تأمرونني أن أعبُدَ، أيها الجاهلون بالله وآياته؟! بعد أن شاهَدتُّمُ الآيات التي تدُلُّ على وحدانية الله، وأن العبادة يجب أن تكونَ له وحده، وشاهَدتُّمْ أيضًا الآيات التي تدُلُّ على صدق الرسالة؟! وذلك أن كفَّار مكَّة لما رأوا أن النبي ﷺ صار له أتّبْاع، وصَعُبَ عليهم أن يتخلَّى بعضهم عن بعض، قالوا له ﷺ: لا تسُبَّ آلهتنا واعترِفْ بها، ونحن نعترِفُ بآلهتك، فأنزَلَ جل وعلا هذه الآية.
ثم ذكَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ وأمته؛ أنه قد أُوحِيَ إليك -أيها النبي- وأوحي إلى الرسل الذين مِنْ قبلك: لئن أشرَكْتَ مع الله أحدًا غيره، ليَبْطُلَنَّ عملُكَ، ولتكونَنَّ من الخاسرين؛ فتَخْسَرُ دينك وآخرتك، وفي هذا بيانٌ أن الشركَ مُخرِجٌ من الملة، ومُحبِطٌ للعمل، ومُوجِبٌ للخسران. وقوله: ﴿لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ﴾؛ على سبيل الفرض؛ لأنه ﷺ معصومٌ مما هو أقلُّ من ذلك. والمقصودُ هو التشريعُ لأمَّته، وتحذيرُهُمْ من الشرك.
ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ بألَّا يطيعَ هؤلاءِ المشركين فيما طلبوا منه مِنْ عبادةِ غير الله مع الله، وأمَرَهُ بأن يُخلِصَ العبادة لله وحده لا شريكَ له، وأن يكونَ مِن الشاكرين الحامدين المُثْنِينَ على الله بنعمه.
واعلموا أن هؤلاء المشركين ما عظَّموا ربَّهم حقَّ تعظيمه، ولا أعطَوْهُ قَدْرَهُ المستحِقَّ إياه، وذلك باتخاذهم شركاءَ معه يَصْرِفونَ لهم أنواعًا مِن العبادات، وهؤلاءِ الشركاءُ لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ومِنْ عظمته وقدرتِهِ جل في علاه: أن الأرض في قبضتِهِ يومَ القيامة، وأن السموات -على سَعَتها وعَظَمتها- مطويَّاتٌ بيمينه، فتنزَّه الله وتعاظَمَ وتعالى وتقدَّس عن شرك هؤلاء المشركين، وعمَّا يصفونه به.
ثم أخبَرَ جل وعلا عن بعض أهوال يوم القيامة، فقال: ونُفِخَ في القَرْنِ مِن قِبَلِ إسرافيلَ عليه السلام، النفخةُ الأولى -وهي نفخة الصَّعْق- فمات مِنْ الفزع ومن شدَّة صوته مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض إلا مَنْ شاء الله ألَّا يموت، ثم نُفِخَ فيه النفخةُ الأُخْرى -وهي نفخة البَعْث- فإذا الناس قد قاموا من قبورهم، وبُعِثوا بعد مَوْتهم، ينظرون ماذا سيُفعَلُ بهم.
وأضاءت الأرضُ في ذلك اليومِ -يومِ القيامة- بنور ربِّها جل في علاه حين يتجلَّى سبحانه للفَصْلِ والقضاءِ بين الناس، ونُشِرَتِ الكتبُ والدواوينُ التي فيها أعمال الناس، وجيء بالنبيين ليُسْألوا عن تبليغ رسالات ربِّهم، وجيء بالشهداء مِنَ الملائكةِ والأعضاءِ والأرض، وبالشهداءِ مِن أمَّة محمد ﷺ ليشهدوا أن رسُلَ الله بلَّغوا رسالات الله للأمم مِنْ قبلهم، وحكَمَ الله تعالى بين عباده بالعَدْلِ التامِّ والقِسْط، وهم لا يُظْلَمونَ ولا ينقُصُونَ من أجورهم شيئًا، ولا يزدادون في عقابهم شيئًا.
وفي ذلك اليومِ -يومِ القيامة- تُجْزَى كلُّ نفسٍ بما كانت تعملُ مِن الخير والشر، واللهُ جل في علاه أعلَمُ بما كان يفعلُ الناسُ في الدنيا مِن الطاعات والمعاصي، فيجازيهم عليها، ومع عِلْمِهِ جل وعلا بما فعلوا في الدنيا، فإنه يُحضِرُ سبحانه الشهداء المذكورين في الآية السابقة؛ لتثبُتَ العدالة، وتقومَ الحجة.
ثم أخبَرَ جل وعلا بأن الذين جحَدُوا آياتِ الله وكذَّبوا رُسُلَهُ يساقون يوم القيامة إلى نار جهنَّمَ سَوْقًا عنيفًا، فيُضْرَبونَ ويُهَانُون، وهم جماعاتٌ جماعات؛ حتى إذا جيء بهم إلى جهنَّم، فُتِحَتْ لهم أبوابها لتستقبلهم بحَرِّها ولَهِيبها وسعيرها فتَبْهَتُهم، ثم يقولُ لهم خَزَنةُ النار -لتبكيتهم وتوبيخهم وزيادة العذاب عليهم-: ألم يأتِكم رُسُلٌ مِنْ جنسكم تعرفونهم وتعرفون صِدْقهم يَتْلُونَ عليكم آياتِ ربِّكم الدالَّةَ على وحدانيته؟! وكانوا يحذِّرونكم عذاب الآخرة، ويخوِّفونكم هذا اليوم؟! فيقولون مقرِّين بذنوبهم: بلى، ولكنْ وجَبَتْ كلمةُ العذاب على الكافرين الجاحدين.
فعند ذلك يقال لهؤلاء الكفار: ادخلوا أبوابَ جهنَّم ماكثين فيها أبدًا، لا تتحوَّلون عنها ولا تزولون، فبِئْسَ هذا المَقَرُّ والمسكنُ والمأوى لمن تكبَّر عن الإيمان بالله والانقياد والاستسلام له؛ نسأل الله السلامة والعافية.
ثم أخبَرَ جل وعلا بأن الذين اتقَوْا ربَّهم؛ بتوحيده والإيمان به، وفِعْلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه؛ يساقون يوم القيامة إلى الجنة جماعاتٍ جماعاتٍ، مستبشرين مكرَّمِينَ فرحين، حتى إذا وصلوا إليها، فُتِحَتْ لهم أبواب الجنة قبل مجيئهم؛ حيث إن نبينا محمدًا ﷺ سبَقَهم بافتتاحها؛ لأنه أوَّل مَنْ يفتحُ أبوابَ الجنة؛ كما في الحديث[96]، ثم يقولُ لهم خَزَنَتُها تهنئةً لهم، وترحيبًا بهم: سلامةٌ لكم مِنْ كلِّ آفةٍ وتنغيص، طبتم -يا أهل الجنة- بتوحيد الله وطاعته، وطاب مَمْشاكم وسعيكم، فادخُلُوا جنة ربِّكم التي أعدَّها وهيَّأها لكم، خالدين ماكثين فيها أبدًا، لا تتحوَّلون عنها ولا تزولون.
وعند ذلك قال أصحاب الجنة -لما دخلوها، وتَمَّ نعيمهم، وكَمُلَ سرورهم-: الحمدُ لله الذي صدَقَنا وعده الذي وعَدَنا إياه على لسان رُسُله، وأورَثَنا أرضَ الجنة نَنزِلُ منها حيث نشاء، ونَنْعَمُ فيها بما نشاء؛ فنعم الوعدُ ما وعَدَنا ربُّنا، ونعمتِ الجنةُ أجرًا للعاملين، نسأل الله الكريم من فضله.
وبعد أن ذكَرَ جل وعلا جملةً من أهوال يوم القيامة، قال: وترى -أيها النبي- يوم القيامة الملائكةَ محيطين بعَرْش الرحمن مِنْ كلِّ جهة، يمجِّدون ربهم وينزِّهونه عن كل ما لا يليق به، وقضى سبحانه بين الخلائق بالحق والعَدْل؛ فأدخَلَ أهلَ الإيمان الجنة، وأدخَلَ أهلَ الكفر النار، وقيل: الحمدُ لله رب العالمين على ما قضى جل في علاه. ولم يذكُرِ القائلَ؛ لأن الجميع قال ذلك؛ فالحمدُ لله ربِّ العالمين أولًا وآخرًا. وقد استدَلَّ العلماء بهذه الآية على جواز الصلاة حول الكَعْبةِ من جميع جوانبها، تشبيهًا بالملائكةِ المحيطين بالعرش مِنْ كلِّ جوانبه؛ حيث كان المسلمون يصلُّون في الحرَمِ المكيِّ صفًّا واحدًا، وإمامهم بين المقام والركن الذي فيه الحَجَرُ الأسود، فكلُّهم خلف إمامهم لا يصلُّونَ الفريضة في الكعبة من الجهاتِ الأخرى، وكانوا قليلين؛ فلما كَثُرَ المسلمونَ وكان أميرَهم خالِد القَسْريُّ، أمَرَهم أن يتحلَّقوا حول الكعبة مِنْ كل جهاتها.