نفحات من القرآن · 2

Kaynak künyesi

Nefhât el-Mekkî - Muhammed b. Salih eş-Şâvî · QuranEnc.com · Sürüm 1.0.0

Özgün kaynak

1

ورَدَتْ أقوال كثيرة في الحروف المقطَّعة في أوائل السور، وأفضَلُها قولان: الأوَّل: أن هذا القرآنَ كلامُ الله؛ وهو مكوَّنٌ من هذه الأحرف العربيَّة. والثاني: أن الله أعلَمُ بمراده بها؛ حيث قال هؤلاء: إنَّ لكل كتاب سرًّا، وإن هذه الحروف سرُّ القرآن، وقد نسبوا هذا الكلام لأبي بكرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنه. وقد اختار الجمهور -ومنهم شيخُ الإسلام ابن تيميَّة، وابنُ كَثِير، والزَّمَخْشَري-: القولَ الأوَّل: بأنها ذُكِرَتْ لتدُلَّ على أن القرآن العظيمَ نزَلَ باللغة العربية التي تتكوَّن من هذه الأحرف: (أ، ب، ت، ث...)، إلخ. والمقصودُ: أنها إعلامٌ وتحَدٍّ لمن عارَضَ أو كان عنده شكٌّ أنه من عند الله: بأن يأتي بحديثٍ مثلِه؛ وهذا هو الأرجحُ في هذه المسألة. والحروفُ المقطَّعة في أوائل السُّوَر يَجمَعُها قولُ: (كلامُهُ سِرٌّ حصينٌ قطَعَ).

2

أخبَرَ جل وعلا أن هذا الكتاب العظيمَ -وهو القرآنُ الكريمُ- لا شكَّ فيه ولا ارتياب، وقد أنزله اللهُ هدايةً للمتقين الذين امتثلوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه. وقوله: ﴿ذَٰلِكَ﴾، إشارةٌ للبعيد؛ لفخامةِ القرآن، وعلوِّ مكانته، وأنه عظيم الشأن. ومعلومٌ أن الكتب التي تُكتَبُ يعتذِرُ كاتبوها عن الأخطاء التي فيها، ويطلُبُونَ من القرَّاء العفوَ والمعذرةَ عما يبدو فيها من نقصٍ أو تقصير، أما القرآن: فلا ريب ولا شك ولا خلل ولا اختلاف فيه، وهذا مِن إعجاز الله ومِن تحدِّيه لمن عارَضَ من أهل الكفر والضلال من قريش، الذين كانوا يفتخرون ويعتزُّون بلغتهم، ويتحَدَّوْنَ أنه لا يستطيعُ أحدٌ أن يُبارِيَهم فيها.

3

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِن صفات هؤلاء المتقين: أنهم يؤمنون بالغيب، والغيبُ: هو ما غاب عن الحِسِّ والمشاهدة مما ذكَرَ الله؛ ككيفيَّةِ ذاتِهِ، وأمورِ الآخرةِ، والبرزخ، ومِن ذلك: أخبار الأمم والأنبياء السابقين، والعَرْش، والملائكة، والجِنّ، وغير ذلك. ومِن صفاتهم: أنهم يحافظون على أداء الصلوات في أوقاتِها المحدَّدة مع جماعة المسلمين، إلا أصحابَ الأعذار الذين عذَرَهم الله، ويؤدُّونها بسكينة ووَقَار وحضور قلب، وخشوع وخضوع، ويُكثِرون من أدائها؛ لأهميتها وعظيم فضلها. والصلاةُ في اللغة: الدعاءُ؛ ومنها قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ﴾ [التوبة:١٠٣]. وسُمِّيَتِ الفروضُ الخمسةُ صلاةً؛ لاشتمالها على الدعاء. ومِن صفاتهم: أنهم يُنفِقون مما أعطاهم الله من المال؛ فيُخرِجون الزكاةَ الواجبةَ والصدَقاتِ المستحَبَّةَ قربةً لله عز وجل.

4

ثم ذكَرَ سبحانه أن مِن صفات هؤلاء المتقين: أنهم يصدِّقون بما أُنزِلَ عليك -أيها النبي- وهو القرآن، ويصدِّقون بكل الكتب السماويَّة التي أُنزِلَتْ على الأنبياء مِن قبلك، ويؤمنون باليومِ الآخِرِ، وهو يومُ القيامة، ويعلمون علمَ اليقين أنه حقٌّ لا ريب فيه. واليقينُ ثلاثةُ أنواع: 1-  يقينُ خَبَر، وهو: علمُ اليقين، وهو التصديقُ التامُّ؛ ودليلُهُ قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥]. 2-  يقينُ مشاهَدةٍ ورؤية، وهو: عَيْنُ اليقين؛ ودليلُهُ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧]. 3-  يقينُ مباشَرةٍ ووقوعٍ وإحساسٍ بالشيء، وهو: حقُّ اليقين؛ ودليلُهُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ﴾ [الواقعة:95]. وصِدْقُ اليقينِ بالآخرة: هو الاستعدادُ لها.

5

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المتقين الذين يتَّصفون بهذه الصفات الحميدة: على هُدًى ونُورٍ من ربِّهم، وأنهم المفلحون الفائزون بنعيم الله في الآخرة. والفلاحُ المذكورُ في هذه الآية، قيل معناه: الفوزِ والنجاحِ بالمطلوب، والنجاةِ في الآخرة مِن عذاب الله، وقيل معناه: البقاءُ السَّرْمَديُّ في النعيم. وهذه الآياتُ الخمسُ الأولى جاءت في ذكر صفات المؤمنين المتقين.

6

أخبَرَ سبحانه أن الذين كفروا لا يؤمنون، وقطعًا ليس المقصود جميع الكفار، وإنما المقصودُ أن هناك صِنْفَيْنِ من الكفارِ وقتَ نزول هاتَيْنِ الآيتَيْن: الصِّنْفُ الأوَّل: بعض زعماء قريش؛ كأبي جهل، وأبي لهب، وآخرين ممن كرهوا التوحيدَ والداعين إليه، فأصرُّوا على الكفر، وعاندوا وعذَّبوا المسلمين، واضطَرُّوهم للهجرة إلى الحبشة، وهم الذين قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ [ص:٥]، وقالوا: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ﴾ [سبأ:٣١]، أي: بالرسالاتِ التي قبله، وبلَغَ بهم الكرهُ والحِقْدُ أن قالوا: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الأنفال:٣٢]؛ مع أن الله خلَقَهم على الفِطْرة، وجعلهم مختارين؛ كسائر الناس، لكنهم اختاروا الضلال، وأصروا على الكفر؛ فسواءٌ عليهم خوَّفتهم -أيها النبي- أم لم تخوِّفْهم، فإنهم لن يؤمنوا أبدًا؛ ولهذا ختَمَ الله على قلوبهم وسمعهم، وجعل على أبصارِهم غشاوةً فلا يبصرون الحقَّ، وهذا الختمُ والطبع جاءهم جزاءً لهم على أعمالهم وليس ابتداءً. والصنفُ الثاني: الذين آمنوا، ثم ارتدُّوا ونافقوا، وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ [المنافقون:٣]. وأما الكفَّار الآخرون فهم أيضًا محَلُّ الدعوة ولكنهم سيُسلِمون. والدليلُ على أن المقصود بهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ السابقَيْنِ مَنْ كان وقتَ نزولِ الآيات: أن جميع الكفَّار في مكة وما حولها أسلموا بعد الفتح، وحاربوا مع المهاجرين والأنصار؛ لإعلاء كلمة الله، بل صار منهم قادةٌ قبلَ الفتحِ؛ كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وغيرهما؛ وبعدَ الفتحِ كعكرمةَ بنِ أبي جهلٍ رضي الله عنهم أجمعين. ثم ختَمَ سبحانه الآية مخبِرًا أنه أعد لهذَيْنِ الصنفَيْنِ عذابًا أليمًا يوم القيامة، لا يَعلَمُ قَدْرَهُ إلا الله. ولا شك أن جميع من اتَّصف بصفات هذَيْنِ الصنفَيْن، فإنهم مثلُهم، ويشملهم حُكْمُهم.

7

أخبَرَ سبحانه أن الذين كفروا لا يؤمنون، وقطعًا ليس المقصود جميع الكفار، وإنما المقصودُ أن هناك صِنْفَيْنِ من الكفارِ وقتَ نزول هاتَيْنِ الآيتَيْن: الصِّنْفُ الأوَّل: بعض زعماء قريش؛ كأبي جهل، وأبي لهب، وآخرين ممن كرهوا التوحيدَ والداعين إليه، فأصرُّوا على الكفر، وعاندوا وعذَّبوا المسلمين، واضطَرُّوهم للهجرة إلى الحبشة، وهم الذين قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ [ص:٥]، وقالوا: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ﴾ [سبأ:٣١]، أي: بالرسالاتِ التي قبله، وبلَغَ بهم الكرهُ والحِقْدُ أن قالوا: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الأنفال:٣٢]؛ مع أن الله خلَقَهم على الفِطْرة، وجعلهم مختارين؛ كسائر الناس، لكنهم اختاروا الضلال، وأصروا على الكفر؛ فسواءٌ عليهم خوَّفتهم -أيها النبي- أم لم تخوِّفْهم، فإنهم لن يؤمنوا أبدًا؛ ولهذا ختَمَ الله على قلوبهم وسمعهم، وجعل على أبصارِهم غشاوةً فلا يبصرون الحقَّ، وهذا الختمُ والطبع جاءهم جزاءً لهم على أعمالهم وليس ابتداءً. والصنفُ الثاني: الذين آمنوا، ثم ارتدُّوا ونافقوا، وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ [المنافقون:٣]. وأما الكفَّار الآخرون فهم أيضًا محَلُّ الدعوة ولكنهم سيُسلِمون. والدليلُ على أن المقصود بهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ السابقَيْنِ مَنْ كان وقتَ نزولِ الآيات: أن جميع الكفَّار في مكة وما حولها أسلموا بعد الفتح، وحاربوا مع المهاجرين والأنصار؛ لإعلاء كلمة الله، بل صار منهم قادةٌ قبلَ الفتحِ؛ كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وغيرهما؛ وبعدَ الفتحِ كعكرمةَ بنِ أبي جهلٍ رضي الله عنهم أجمعين. ثم ختَمَ سبحانه الآية مخبِرًا أنه أعد لهذَيْنِ الصنفَيْنِ عذابًا أليمًا يوم القيامة، لا يَعلَمُ قَدْرَهُ إلا الله. ولا شك أن جميع من اتَّصف بصفات هذَيْنِ الصنفَيْن، فإنهم مثلُهم، ويشملهم حُكْمُهم.

8

ثم أخبَرَ جل وعلا عن صنفٍ من الناسِ أشدَّ على الإسلام من الكفَّار، وهم المنافقون الذين يقولون: إنهم آمنوا بالله ورسوله، وباليوم الآخر، فكذَّبهم الله، وأخبَرَ أنهم ليسوا بمؤمنين، وأنهم يُضمِرون الكفر والعداوة للمسلمين.

9

ثم بيَّن سبحانه أن المنافقين يظُنُّونَ أنهم يخادعون الله والذين آمنوا، فيعتقدون أن أمرَهم كما راجَ عند الناسِ وجرت عليهم أحكامُ الشريعة ظاهرًا، فكذلك يكون حكمُهم يوم القيامةِ عند الله، وأن أمرهم يروجُ عنده. وفي الحقيقةِ: أنهم ما يَخدَعون إلا أنفُسَهم، لأن خداعَهم يكون سببًا في ضلالهم في الدنيا وهلاكهم يوم القيامة، ولكنهم لا يُحِسُّونَ بذلك؛ بسبَبِ جَهْلهم وغَفْلتهم وحِقْدهم على الدعوة والقائمين بها.

10

ثم أخبَرَ سبحانه أن المنافقين في قلوبهم مرَضٌ، أي: شكٌّ ونفاق؛ كما قال ابن مسعود، فزادهم الله مِن ذلك الشك. وبيَّن أن هؤلاء المنافقين لهم يوم القيامة عذابٌ موجِعٌ شديد بما كانوا يَكذِبون. وهذه الآية وصَفَتْ جهل المنافقين وضلالهم، ورَفْضَهم اتِّباع النور الذي جاءت به رسلهم؛ وبهذا يسقُطُ اعتراض بعضهم: ما دام أن الله ختَمَ على قلوبهم فمنَعَهم عن الهدى، فكيف يستحِقُّونَ العقوبة؟!؛ وذلك لأنها أثبَتَتْ أن الختم كان بعد رَدِّهم الحقَّ، وإصرارِهم على الكفر.

11

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المنافقين إذا قيل لهم: لا تُفسِدوا في الأرض بنَشْرِ الكفر والمعاصي، ردُّوا: بأنهم يريدون الإصلاح والخير.

12

ولذلك فضَحهم الله، وأخبَرَ أنهم هم المُفسِدون، ولكنَّهم لا يُحِسُّونَ أنهم أهل الفساد حقيقةً؛ بسبب جهلهم وعنادهم.

13

وكذلك إذا قيل لهؤلاء المنافقين: آمِنوا كما آمَنَ الصحابة رضي الله عنهم بالنبيِّ ﷺ إيمانًا حقيقيًّا؛ جادلوا وقالوا: كيف نَفعَلُ مثل فعل هؤلاء الجهلاء ضعافُ العقول؟! فردَّ الله عليهم مبيِّنًا أنهم هم الجهلاء والسفهاء، ولكنهم لا يعلمون سوءَ ما فعلوه، وقبيحَ ما ارتكبوه؛ مِن العناد والكفر والضلال.

14

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المنافقين إذا قابلوا المؤمنين، واختلطوا بهم، أظهروا لهم الإيمان؛ فإذا رجعوا إلى رؤسائهم في الكفر، قالوا: نحن معكم قَلْبًا وقالَبًا، وإنما كنَّا نستخفُّ بالمؤمنين، ونَسخَرُ منهم.

15

ثم بيَّن سبحانه أنه جزاءً لهم على استهزائهم وسخريتهم بعباد الله المؤمنين، فإنه سبحانه يستهزِئُ بهم؛ فيُمهِلُهم في الدنيا ليزدادوا ضلالًا إلى ضلالهم، ويتخبَّطوا حيارى لا يدري أحدُهم ما يَفعَل. والاستهزاءُ المذكورُ في هذه الآية، وكذلك المَكْرُ في قوله: ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ﴾ [الأنفال:٣٠]، وما شابه ذلك؛ هذه صفاتٌ لكلٍّ منها وجهان: وجهٌ سيِّئٌ، وآخَرُ حسَنٌ؛ فلا يصحُّ أن تُذكَرَ بالنسبة لله إلا مقيَّدة؛ حتى لا يتطرَّق إلى الذهن الوجه السيِّئ؛ فيقال في الاستهزاء: إنه يستهزِئُ بالمجرِمين، المستهزئين بالله وآياته ورسوله، ويقال في المكر: إنه يمكُرُ بحقٍّ بالماكرين.

16

ثم بيَّن جل وعلا سبب خُسْران هؤلاء المنافقين وشقائهم؛ فأخبَرَ أنهم استبدلوا الضلالةَ بالهدى، والكفرَ بالإيمان؛ فلم يربحوا في تجارتهم، ولم يكونوا من المهتدين؛ وهذا هو الخُسْرانُ المُبِين.

17

شبَّه جل وعلا حال هؤلاء المنافقين بحال مَن كان في ظُلْمة شديدة، ثم طلَبَ من يُوقِدُ له نارًا يستدفئ ويستضيءُ بها؛ فلما سطَعَتْ وأنارت ما حوله واطمأنَّ واستأنس، أطفأ الله عليه هذه النارَ؛ فبقي في ظلمةٍ لا يَرَى شيئًا، ولا يهتدي إلى طريق ولا مَخرَج؛ فكذلك هؤلاء المنافقون الذين آمنوا ظاهرًا؛ فَحُقِنَتْ دماؤهم، وحُفِظَتْ أموالهم، ولكنهم كفروا باطنًا، فصاروا يتخبَّطون في ظلمة الكفر والضلال، والنفاق والمعاصي؛ فلما فاجأهم الموت، جاءتهم ظُلْمة القبر، وبعدها ظُلْمة النار.

18

ثم بيَّن سبحانه حال هؤلاء المنافقين، وأنهم كحالِ الصُّمِّ الذين لا يَسمَعون الحق، وكحالِ الخُرْسِ الذين لا يَنطِقون بالحق، وكحالِ العَمْيِ الذين لا يُبصِرون الهدى والنور؛ ولهذا السبب فإنهم لا يَرجِعون عن غيِّهم وضلالهم. قال عبد الله بن مسعود وبعضُ أصحابه رضي الله عنهم: (إنَّ أناسًا دخلوا في الإسلام، فعَلِموا الحلالَ والحرام، وعاشوا في نور الإسلام، ثم نافقوا؛ فنزَلَتْ هذه الآية)؛ وهي تنطبقُ على كلِّ مَن شاكلهم.

19

ثم شبَّه جل وعلا حال المنافقين تشبيهًا آخر، وهو أن حالهم يُشبِهُ حال جماعة يمشون في صحراء، فأصابهم مطَرٌ شديدٌ مصحوب بظُلْمة الليل، وظُلْمة السحاب، وظُلْمة المطر، مع رَعْدٍ مُخِيف، وبرقٍ يَخْطَفُ الأبصار، وصواعقَ مُحرِقة، ومِن شدَّة الرعب والخوف وضعوا أصابعهم في آذانهم خوفًا من الهلاك. وهكذا المنافقون: فإنَّ في قلوبهم ظلماتٍ: ظُلْمة الكفر، وظُلْمة الشك، وظُلْمة النفاق؛ فلما سمعوا القرآن، نفَرُوا من تعاليمه، وسدُّوا آذانهم عن سماعه؛ كفرًا وحقدًا، ونَسُوا أن الله محيطٌ بهم، وقادرٌ عليهم، وأنه لا مَهرَبَ لهم منه.

20

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا البَرْق كاد من شدَّة لمَعَانه أن يَذهَبَ بأبصارهم؛ فكلما أضاء لهم الطريق لحظةً من الزمن، مشَوْا في ضوئه، وإذا ذهب، أظلَمَ عليهم، فيقفون في أماكنهم، ولو شاء سبحانه، لسلَبَ سَمْعَهم بقصفِ الرعد، وسلَبَ أبصارهم بوميضِ البرق؛ فإنه لا يُعْجِزه شيء في الأرض ولا في السماء. وهكذا المنافقون: ينتفعون بالإسلام ظاهرًا في الحياة الدنيا، ثم لهم العذابُ الأليمُ الدائمُ في نار جهنم. وهذه الآيات من الآية الثامنة إلى الآية العشرين كلُّها جاءت في وصف المنافقين؛ لأنهم أسوأ من الكفار؛ فهم أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر؛ لذا كانوا أشدَّ عقوبةً من الكفار الأصليِّين.

21

هذا أوَّلُ نداء مِن الله للخلق جميعًا؛ حيثُ أمَرهم سبحانه أن يعبُدُوهُ وحده لا شريك له؛ فهو وحده المستحِقُّ للعبادة، وهذه العبادة هي المقصودُ الأعظمُ مِن الخلق، وأمَرَهم سبحانه بالعبادة؛ لأنه ربُّهم الذي أوجَدَهم، وأوجَدَ الذين مِن قبلهم بعد العَدَم، وأمَرَهم سبحانه بالعبادة؛ ليكونوا من المتقين، الذين يتَّقون سخَطَ الله وعذابه؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

22

وكذلك أمَرَ جل وعلا الناس بعبادته؛ لأنه هو الذي مهَّد لهم الأرض؛ ليستقروا عليها، وجعَلَ لهم السماء محكَمةَ البناء، وأنزَلَ المطَرَ من السحاب؛ فأخرَجَ لهم به من ألوان الثمرات وأنواع النباتات رزقًا لهم؛ ولهذا يجبُ عليهم ألَّا يُشْرِكوا مع الله أحدًا غيره، وهم يعلمون أن الله ليس له شريكٌ ولا نظيرٌ؛ لا في الخلق، ولا في الرزق، ولا في الألوهيَّة والكمال.

23

ثم وجَّه سبحانه الخطابَ لهؤلاء الكفار المعاندين، الذين أشركوا معه غيره، فقال لهم: فإذا كنتم في شكٍّ مِن القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمَّد ﷺ، فأتوا بسورةٍ تماثِلُ سورةً من سُوَرِهِ في حسنِ النَّظمِ ودقةِ التركيبِ مع الفصاحةِ والبلاغةِ وغيرِهما، واستعينوا بمَن تَقدِرونَ عليه مِن أعوانكم وفُصَحائكم؛ إن كنتم صادقين أنكم تستطيعون التحدِّي.

24

ثم قال لهم سبحانه: فإذا عجَزْتم -أيها الكفار- عن هذا التحدِّي -ولا محالةَ أنكم ستَعْجِزون- فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة؛ وذلك بالإيمانِ بالله، واتِّباعِ نبيِّه ﷺ، واعلموا أن هذه النار أعدَّها الله للكافرين به وبرسوله ﷺ. وقولُهُ: ﴿أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾: مما يستدِلُّ به أهل السنة والجماعة على أن الكفَّار ومَن على شاكلتهم كالملاحدة والدَّهْريِّينَ وغيرهم، مخلَّدون في النار، أمَّا العصاة من المؤمنين، فيُخْرَجونَ منها، بعد أن يأخذوا جزاءَهم ويُطَهَّروا. ويستدلون بها أيضًا على أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان أبدًا بإبقاءِ الله لهما. ويقالُ: إن هذه الآيةَ من آيات الإعجاز؛ حيثُ إن الذين نزَلَتْ عليهم لم يجرُؤْ أحدٌ منهم على محاولة الإتيان بمثله.

25

أمَرَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يبشِّرَ أهلَ الإيمانِ والعمَلِ الصالح: أنَّ الله أعدَّ لهم جنَّاتٍ فيها حدائقُ وبساتينُ ذاتُ أشجارٍ وثمارٍ جميلة؛ تجري الأنهار مِن تحت أشجارها ومساكنها، وكلَّما رزَقَهم الله نوعًا من أنواع الثمرات، ظنوا -قبل أن يذوقوه- أنه نَفْسُ النوع الذي أكلوه مِن قبل في الحياةِ الدنيا؛ لأنه يُشبِهُهُ في المنظر؛ فهي ثمارٌ متشابِهة في الألوان، مختلِفة في الطعم. ثم أخبَرَ سبحانه أنه أعدَّ لأهل الإيمان أيضًا زوجاتٍ جميلاتٍ مطهَّراتٍ مِن كلِّ دنَسٍ وعيبٍ حسِّيٍّ؛ كالبَوْل، والعادة الشهرية، ومعنويٍّ؛ كسوء الخُلُق، والكذب، وغيره. ومع هذا النعيم: فهم دائمون؛ لا يموتون، ولا ينقطع عنهم نعيمهم، أي: أن أهل الجنة خالدون في الجنة أبَدَ الآباد، لا تَفْنى ولا يَفْنى مَن فيها، وقد أجمع على هذا أهل السنة والجماعة.

26

ثم أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه لا يستحيي من الحق؛ فيَضرِبُ الأمثال بما شاء مِن خلقه، صغيرًا كان أو كبيرًا؛ كالبَعُوضة، والذُّبَاب، والنملة، وغيرها. ثم بيَّن سبحانه أن المؤمنين يعلمون حِكْمةَ الله في هذه الأمثال، وأنها صدقٌ لا مِرْيةَ فيها؛ فيزدادون إيمانًا على إيمانهم. وأما الكفَّار: فَيَسْخَرُونَ ويعترِضونَ ويتحيَّرون، ويقولون: ماذا أراد الله بهذا المَثَل؟!؛ فيزدادون كفرًا إلى كفرهم؛ ولهذا فإنه سبحانه يُضِلُّ بهذه الآيات أقوامًا، فيُنكِرونها، ويَسْخَرُونَ منها؛ فيُطبَعُ على قلوبهم، ويهدي بها آخرين؛ فيؤمنون بها، ويعملون بمقتضاها. ثم بيَّن سبحانه أنه ما يُضِلُّ بهذه الآيات إلا الفاسقين الخارجين عن طاعة الله، المعادِينَ لله ولما جاءت به رسُلُ الله. وفي هذه الآية: إثباتُ صفة الحَيَاءِ لله تعالى؛ لأن نفيَ الحياءِ لعِلَّة: دليلٌ على ثبوتِهِ عند زوالِ ذلك، وقد ثبَتَ ذلك صريحًا في قوله ﷺ: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا»[4].

27

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الفاسقين الخارجين عن طاعة الله: هم الذين يَهدِمونَ ويُبطِلون العهودَ والمواثيقَ التي بينهم وبين الله، وكذلك يَهدِمونَ ويُبطِلون العهودَ والمواثيقَ التي بينهم وبين الخَلْق، وذلك مِن بعد توكيدها على أنفسهم. وأيضًا: يخالفون أَمْرَ الله بوصلِ الأرحام؛ فيقطعون الأرحام، وينشُرُونَ الفساد والضلال في الأرض؛ سواءٌ كان فسادًا معنويًّا؛ كنشر المعاصي، والرذائل، ونحوها، أو كان فسادًا حسِّيًّا؛ كقتلِ الأنفُسِ، وتخريبِ البلادِ بالهَدْمِ والتفجيرِ وغير ذلك. ولذلك: فهم خاسرون في الدنيا والآخرة؛ بسبب نَقْضهم للعهود، وقطعِهم ما أمَرَ الله به أن يُوصَل، وإفسادِهم في الأرض.

28

ثم سأل سبحانه على سبيل الإنكار، فقال: كيف تَجحَدون -أيها الكفَّارُ المشركون- وحدانية الله الذي خلَقَكم بعد العَدَم، ووهَبَكم كلَّ هذه النعم، ثم بعد ذلك يميتكم فتُقْبَرُونَ، ثم يُخرِجُكم من قبوركم للحساب، ثم إليه تُرجَعون، فيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ. وهذه الآية: فيها إثباتُ البعثِ بعد الموت يوم القيامة، والذي أنكره الكفَّارُ والمشركون والملاحدة؛ حتى قال أحدهم: ﴿مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ﴾ [يس:78]. ولأهمِّيةِ هذه المسألة، فقد ذكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في نهاية سورة يس ثمانيةَ أدلَّةٍ على إمكانية حدوثه، مِن الآية: (79)، إلى الآية: (83).

29

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ لأجل الناس جميعَ ما على الأرض مِن النِّعَمِ للانتفاع والاستمتاع والاعتبار بها؛ كرامةً ونعمةً منه سبحانه للناسِ أجمعين، ثم قصَدَ سبحانه إلى خلق السموات فأبدَعَهُنَّ، وجعلَهُنَّ سبعَ سموات. ثم بيَّن سبحانه أنه بكلِّ شيء عليم، وأنَّ علمه محيطٌ شاملٌ جميعَ خلقه جل شأنه. ولهذا يجب على الإنسان أن يخشى الله ويخافه؛ لأنه سبحانه عليمٌ بكل شيء، وما دام أنه عليمٌ بكل شيء فيجبُ على العبد أن يَحذَرَ مما يُغضِبُ الله في أقواله وأفعاله، وما تُضمِره نفسه. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (هذه الآية تدُلُّ على أن جميع ما على الأرض مباحٌ للإنسان، ما عدا ما نُصَّ على تحريمه).

30

واذكُرْ -أيها النبي- يومَ أن قال ربُّك للملائكة: إنه سوف يَجعَلُ في الأرض خليفةً؛ لإعمارها، وتنفيذ أحكامه؛ ابتلاءً وتكليفًا لآدم عليه السلام وذُرِّيته، وإنه هو وذُرِّيته سوف يخلُفُ بعضهم بعضًا في تعميرها، وإن الملائكة سيوكَّلون بحفظِهِ وكتابةِ أعمالِهِ هو وذُرِّيته، وفي إخبار الله للملائكة بذلك: تعظيمٌ وإظهارٌ لفضل آدم عليه السلام. ثم سأل الملائكةُ ربَّهم عز وجل قائلين: أتَجعَلُ -يا ربَّنا- في الأرض مَن يُفسِدُ فيها بإراقةِ الدماء، وفعلِ المعاصي والفجور، ونحن ننزِّهُكَ عما لا يليق بجلالك، ونعظِّمُكَ، ولا نَعْصِيكَ أبدًا؟! وسؤالهم هذا يدُلُّ على أنهم رأوا خَلْقًا قبل آدم يَسفِكون الدماء، أو أن الله أخبرهم بذلك؛ كما ذكَرَ ذلك بعض المفسِّرين. فرَدَّ سبحانه عليهم مبيِّنًا لهم أنه يَعلَمُ ما لا يعلمون مِن سِرِّ الخلق وعواقب الأمور.

31

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، أي: أقدَرَ آدمَ على تسمية كل شيء باسمه المناسب، وجعَلَ عِلْمَ الأسماء ضمنَ خِلْقته: بأنْ خلَقَهُ عارفًا عالمًا بذلك، وأعطاه مفاتيحَ العلومِ والأسماءِ واللغات. ثم إنه سبحانه عرَضَ المسمَّياتِ على الملائكةِ؛ لاختبارهم إن كانوا صادقين في ظنِّهم أنهم أفضلُ مِن آدمَ وذُرِّيته.

32

فلما تبيَّن للملائكة فضلُ آدَمَ عليهم، قالت: يا ربَّنا، إننا نقدِّسُكَ وننزِّهُكَ من الاعتراضِ عليك، ومخالفةِ أمرك، وليس لنا علم إلا ما علَّمْتَنا؛ فإنك أنت وحدك العليمُ؛ أحاط علمُكَ بكل شيء، وأنت الحكيمُ في تدبير الأمور.

33

ثم أمَرَ جل وعلا آدَمَ أن يذكُرَ للملائكة أسماءَ المسمَّياتِ، لمَّا عجزوا عن معرفتها؛ ليُظهِرَ فضلَهُ وشرَفَه، فلما أنبأ آدمُ عليه السلام الملائكةَ بالأسماء، حينها قال سبحانه للملائكة: ألم أُخبِرْكم -أيها الملائكةُ- أني أَعلَمُ ما خَفِيَ عنكم في السموات والأرض، وأَعلَمُ كلَّ ما تُظهِرونه وما تُخفُونه؟!

34

ثم أمَرَ جل وعلا الملائكة أن يسجُدُوا لآدم سجودَ تحيَّةٍ واحترام؛ إكرامًا وتعظيمًا له؛ فامتثَلَ الملائكة أَمْرَ الله، وسجدوا له، إلا إبليسَ فلم يسجُدْ تكبُّرًا وعنادًا؛ ولذلك صار من الجاحدين العاصين لأمر الله. وقد أخبَرَ سبحانه أن إبليس من الجن، وليس من الملائكة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ﴾ [الكهف:50]، وأَمَرَ جل وعلا إبليس بالسجود لآدَمَ عليه السلام بأمرٍ خاصٍّ به؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ﴾ [الأعراف:12]، وذُكِرَ معهم؛ لأنه أُمِرَ في نفس الوقت الذي أُمِرَتْ فيه الملائكة بالسجود.

35

ثم أمَرَ جل وعلا آدَمَ عليه السلام أن يسكُنَ هو وزوجُهُ حوَّاءُ في الجنة، ويتمتَّعا من ثمارها في أمنٍ وأمان، ونهاهم عن أكلِ ثَمَرةِ شجرةٍ عيَّنها لهما ابتلاء وامتحانًا؛ حتى لا يقعا في المعصية؛ فيكونا من الظالمين بسبَبِ عصيان الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

36

ثم بيَّن سبحانه أن الشيطان زيَّن لآدمَ وزوجِهِ الأكلَ من الشجرة، وأخبَرَهما أن الأكلَ منها يُكْسِبهما الخلودَ في الجنة، وأقسَمَ أنه ناصحٌ ومخلِصٌ لهما، فلم يزَلِ الشيطانُ يوسوِسُ لهما حتى حمَلَهما على الخطيئة التي أَزَلَّتْهُمَا وأخرَجَتْهما من الجنة ونعيمها؛ ولهذا أمَرَ سبحانه آدمَ وحوَّاءَ وإبليسَ بالنزول إلى الأرض، وجعَلَ بعضهم يعادي بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ﴾ [فاطر:٦]. ثم أخبَرَهما سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه جعَلَ الأرضَ سكنًا ومعاشًا لآدمَ وذُرِّيته حتى يأذنَ الله بقيام الساعة وانتهاء الآجال؛ قال تعالى: ﴿مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ [طه:٥٥].

37

ثم أخبَرَ جل وعلا أن آدمَ تلقَّى كلماتِ التوبةِ والاستغفار التي ألهمه الله إيَّاها، فتاب الله عليه، وغفَرَ له، إنه سبحانه كثيرُ القَبُولِ لتوبةِ مَن تاب وأناب مِن عباده، واسعُ الرحمة بهم. قال أكثر المفسِّرين: الكلماتُ التي ألهَمَها الله لآدم المذكورةُ في هذه الآية: هي التي في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف:23].

38

كرَّر جل وعلا أمرَهُ لآدمَ وحوَّاءَ بالنزول إلى الأرض، وبيَّن لهما أنه سيأتيهما وذُرِّيَتهما ما فيه هدايتهم إلى الحق؛ وذلك بإرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ فمَن آمن واتَّبع هدى الله، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

39

ثم بيَّن سبحانه أن الذين كفروا وكذَّبوا بالحق، فأولئك جزاؤهم نار جهنَّم خالدين فيها، لا يخرُجُونَ منها أبدًا.

40

ثم نادى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بني إسرائيل وهم ذُرِّيَّةُ يعقوب عليه السلام، وأمَرَهم أن يتذكَّروا نِعَمَ الله الكثيرة عليهم، وذلك بالشكر والطاعة، كما أمَرَهم سبحانه أن يُتِمُّوا وصية الله لهم، وهي: الإيمان بالله وبكُتُبِهِ ورُسُله، والعملُ بشرائعه؛ فإنْ فعلوا ذلك، نصَرَهم وأعزَّهم في الدنيا، وأكرمهم في الآخرة، ثم أمَرَهم عز وجل ألَّا يخافوا أحدًا سواه. وإسرائيلُ هو: يعقوبُ حفيدُ أبي الأنبياء إبراهيمَ عليه السلام، وهو أبو الأسباطِ يُوسُفَ وإخوتِهِ عليهم السلام أجمعين.

41

ثم أمَرَ المولى عز وجل بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي أُنزِلَ على محمد ﷺ، الموافقِ لصحيح التوراة، وحذَّرهم أن يكونوا أوَّلَ مَن يكفر بالرسول ﷺ والقرآن، وحذَّرهم أيضًا أن يستبدلوا بآيات الله ثمنًا قليلًا من حُطَام الدنيا الزائل. ثم أمَرَهم أن يكونوا من المتَّقين؛ وذلك بطاعة الله، وترك معصيته.

42

ثم حذَّر سبحانه بني إسرائيل أن يَخلِطوا الحقَّ بالباطل، وحذَّرهم أيضًا أن يكتموا الحق الذي ظهَرَ وبانت أدلَّته عندهم، وهو الإيمانُ بنبوَّةِ محمد ﷺ، وصدقِ رسالته، وهم يعلمون مِن الكتب التي بين أيديهم: أنه رسولٌ مِن عند الله.

43

ثم أمَرَ جل وعلا بني إسرائيل أن يقيموا الصلاة، كما جاء بها النبي ﷺ، وأن يؤتوا الزكاةَ المفروضةَ على الوجه المشروع، وأن يَشهَدوا الصلاةَ جماعةً مع المسلمين.

44

ثم خاطَبَ عز وجل بني إسرائيلَ على سبيلِ التوبيخ؛ فقال لهم: أتأمُرُونَ الناسَ بالإيمان بالله ورسله، وإقام الصلاة وغيرِها من أعمال الخير، وتترُكُونَ أنفسكم؛ فلا تأمُرونها بذلك؛ في حين أنكم تقرؤون التوراةَ التي فيها الحُجَجُ والبراهينُ الواضحةُ البيِّنة، أفلا تستعملون عقولكم استعمالًا صحيحًا يدعوكم إلى الفضائل، ويزجُرُكم عن الرذائل؟!

45

ثم أمَرَ جل وعلا بني إسرائيلَ بالاستعانة بالصبرِ بجميع أنواعه في أمورِهم كلِّها، وكذلك بالمداوَمةِ على الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكَر، وبيَّن سبحانه أن الصلاة مِن الأعمال الشاقَّة إلا على الخاشعين.

46

ثم بيَّن سبحانه صفةَ هؤلاء الخاشعين: أنهم هم الذين يَخشَوْنَ الله ويرجُونَ ما عنده، ويستيقنون أنهم ملاقو ربِّهم، وأنهم إليه راجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.

47

ثم كرَّر جل وعلا النداءَ لبني إسرائيل، وأمَرَهم أن يتذكَّروا نِعَمَ الله الكثيرة عليهم، وذلك بالشكر والطاعة. ومِن النِّعَمِ: أن الله سبحانه فضَّل آباءهم أتباع موسى عليه السلام على عالَمِي زَمَانِهم؛ لأن أتباعَ كل نبيٍّ مفضَّلون على عالَمِي زمانهم. ولا شك أن تفضيلَ الآباءِ شرَفٌ للأبناء، وتفضيلُ الله لهم كان بإرسالِ الرسل، وإنزالِ الكتب، وأنه جعَلَ منهم سادةً وملوكًا. وقولُهُ سبحانه هذا لبني إسرائيل جاء بعد اتِّخاذهم العِجْلَ وعبادتِه؛ تبكيتًا ولومًا.

48

ثم أمَرَ جل وعلا بني إسرائيل أن يخافوا يومَ القيامة، ذلك اليومَ الذي لا يُغْني فيه أحدٌ عن أحدٍ شيئًا، ولا يَقبَلُ الله في ذلك اليومِ أن يَشفَعَ أحدٌ في الكافرين، ولا يَقبَلُ سبحانه من كافرٍ فِدْية، ولا يملكُ أحدٌ في هذا اليوم أن يُعِينَ كافرًا، أو ينصُرَه، أو ينجِّيَهُ مِن عذاب الله الشديد.

49

ذكَّر جل وعلا بني إسرائيلَ بنعمتِهِ عليهم يومَ أن أنقَذَهم مِن بطش فرعون وأتباعه، الذين أذاقوهم كلَّ ألوان العذاب؛ ومِن ذلك: ذبحُ كلِّ مولودٍ ذكَر، وتركُ كلِّ مولودٍ أنثى؛ لاستخدامها في بيوت آل فرعون، ثم أعلمَهم أنَّ فيما حلَّ بآبائِهِم من العذابِ اختبارًا وامتحانًا عظيمًا لهم من الله؛ لتمييزِ المؤمنِ من الكافر، والبَرِّ من الفاجر.

50

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم يومَ أن أنقَذَهم من فرعون وجنوده بتجميدِ البحرِ حتى صار طُرُقًا يابسة؛ فأنجاهم، وأغرَقَ فرعونَ وجنوده أمام أعيُنِهم.

51

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم وذلك بإهلاكِ عدوِّهم ودخولِهم مصرَ آمنين، ثم بذهابِ موسى عليه السلام للموعدِ الذي حدَّده الله، وذلك بعد انقضاءِ أربعينَ ليلةً؛ لكي ينزِّلَ عليه التوراةَ التي فيها الهدى والنورُ لهم، ولكنهم كفَروا باتِّخاذِهم العجلَ معبودًا مِن دون الله بعد ذَهَابِ موسى، وقد ظلَمُوا أنفُسَهُم بهذه الجريمة الشنيعة.

52

ثم بيَّن سبحانه أنه مع كلِّ هذه الجرائم التي وقعوا فيها، فإن الله عفا عنهم، وقَبِلَ توبتهم؛ لعلهم يشكُرُونَهُ على هذه النعمة.

53

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم يومَ أن أكرَمَ موسى بالتوراةِ الفارِقةِ بين الحق والباطل؛ ليهتدوا ويسترشدوا بها من الضلال.

54

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم يومَ أن قال موسى لهم: لقد ظلَمْتم أنفُسَكم بعبادةِ العِجْل؛ ولذا يجبُ عليكم أن تتوبوا إلى ربِّكم؛ وذلك بأن يقتُلَ بعضكم بعضًا؛ تطهيرًا لكم من هذا الذنب العظيم؛ وهذا مِن الآصارِ التي رُفِعَتْ عن أمَّة محمد ﷺ؛ حيث جعَلَ الله لهذه الأمَّة التوبةَ كفَّارةً للذنب مهما كَبُرَ، مع القِصَاصِ من المعتدي؛ إلا إذا عفا المعتدَى عليه، ثم قال موسى: واعلموا أن طاعتكم وامتثالكم لأمر الله خيرٌ لكم؛ لأن عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة؛ ولذلك تاب الله عليكم ورَحِمكم لمَّا امتثَلْتم أوامر الله؛ إنه سبحانه هو التوَّابُ الذي يَقبَلُ توبةَ مَن تاب من عباده، الرحيمُ بهم.

55

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم يومَ أن قال أولئك السبعون الذين اختارهم موسى: لن نصدِّقَ برسالتِكَ -يا موسى- حتى نرى الله عيانًا؛ وقد قالوا ذلك تعجيزًا، وليس شوقًا لرؤية الله، ولشناعةِ هذا المطلبِ أنزَلَ الله عليهم نارًا من السماء رأَوْها بأعينهم؛ فأهلكَتْهم جميعًا.

56

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أحياهم بعد ذلك؛ تحقيقًا لرغبةِ موسى وشفاعته؛ ليعلموا عظيمَ نعمةِ اللهِ عليهم فيشكُرُوه. وفي الآية السابقة: سأل بنو إسرائيل موسى رؤيةَ الله، فأنزَل الله عليهم صاعقةً من السماء قتَلَتْهم وأحرَقَتْهم. وفي آية أخرى: سأل موسى رؤيةَ ربِّه، ولم يُنزِلْ عليه شيئًا، بل وضَّح الله له أن رؤيتَهُ في الدنيا لا يُطِيقها البشر؛ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]؛ فموسى لمَّا رأى انهيارَ الجبل، صَعِقَ، ولكنَّ صعقتَهُ كانت غيبوبة، ولم يمُتْ بدليلِ قوله: ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾. والفرق بين السؤالين: أن سؤالَ موسى هو سؤالُ حُبٍّ واشتياق، أما سؤالُهم فهو سؤالُ تعنُّت وتعجيز. وفي هذه السورة -أي: سورة البقرة-: أرى اللهُ عبادَهُ قدرتَهُ على إحياء الموتى في خمسة مواضع؛ هذا أحدها. والموضعُ الثاني: القتيلُ الذي تَمَارَوْا في قتله؛ فأمَرَ الله موسى بأخذِ عضوٍ مِن بقرةٍ مذبوحةٍ لِيُضرَبَ به الميِّت، فلما ضربه، انتصَبَ قائمًا، وأخبَرَهم بالذي قتله، وذلك في الآيتين: (72، 73). والموضعُ الثالث: الذين خرَجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذَرَ الموت؛ فأماتهم الله، ثم أحياهم، وذلك في الآية (243). والموضع الرابع: الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وذلك في الآية (259). والموضعُ الخامس: قصةُ إبراهيمَ مع الطَّيْرِ التي مزَّقها إربًا، ثم وزَّعها على الجبال، ثم أمَرَ اللهُ نبيَّه إبراهيم بدعوتهِنَّ، فأتته تسعى؛ وذلك في الآية (260).

57

ثم ذكَرَ جل وعلا نعمتَهُ على بني إسرائيل حين تاهوا في الأرض؛ حيثُ جعَلَ السحابَ عليهم كالمِظَلَّةِ تقيهم حرَّ الشمس، وأنزَلَ عليهم المَنَّ الذي يشبه العسَل، والسَّلْوَى، وهو طيرٌ لذيذُ اللحم يشبه السُّمَانَى؛ وقال اللهُ لهم: كلوا مما رزَقْناكم من هذه الطيِّبات، ولكنهم لم يشكُرُوا نعم الله، ولم يمتثلوا أوامره؛ بل استمرُّوا على كفرهم ومعاصيهم؛ فبيَّن الله أنهم لم يضُرُّوهُ بكفرهم ومعاصيهم التي ارتكبوها، ولكنهم أضرُّوا أنفُسَهم؛ لأنهم عرَّضوها لغضب الله وعذابه.

58

ومِن نِعَمِ الله عليكم -يا بني إسرائيل-: أنه أمَرَكم بدخول مدينة بيت المقدس؛ ليكونَ لكم وطنًا ومسكنًا، وأباح لكم أن تأكلوا من خَيْراتها وثمارها هنيئًا مريئًا، وأمَرَكم حين دخولكم أن تكونوا خاشعين خاضعين شاكرين لله، داعين ربَّكم أن يحُطَّ عنكم خطاياكم، ويَغفِرَ ذنوبكم، أي: يستُرَها ويتجاوَزَ عنها؛ فإنه جل وعلا يغفر لمن تاب وأناب، ويزيدُ المحسنين؛ فضلًا منه وكرمًا على إحسانهم. قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: (والإحسانُ نوعان: النوعُ الأوَّل: إحسانٌ في عبادة الله؛ وقد فسَّره رسول الله ﷺ بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[5]. والنوعُ الثاني: إحسانٌ في معامَلةِ الخَلْق، وهو بذلُ المعروف، وكفُّ الأذى).

59

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الظالمين السفهاء من بني إسرائيل حرَّفوا كلام الله وغيَّروا وبدَّلوا حسَبَ أهوائهم؛ حيث دخلوا يَزْحَفون على أَسْتاههم، وقالوا: حَبَّةٌ في شعيرة، مستهزئين بدين الله؛ فعاقب سبحانه هؤلاء الظالمين بأن أنزَلَ عليهم عذابًا من السماء نكَّل بهم؛ جزاءَ فعلهم وفسقهم وبغيهم.

60

وتذكَّروا -يا بني إسرائيل- نعمةَ الله عليكم حين كنتم عِطَاشًا في التِّيه، فطلَبَ موسى من الله أن يَسقِيَكم ماءً لتشربوا منه، فأمَرَهُ سبحانه أن يَضرِبَ الحجَر، فانفجَرَتْ منه اثنتا عَشْرةَ عَيْنًا، لكلِّ سِبْطٍ منكم عينٌ معلومة يَشرَبُ منها. وفي هذا: دليلٌ على كمال قدرة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأنه جل وعلا قادرٌ على كل شيء، ومن ذلك: أنه أمَرَ موسى بضربِ الحجَرِ الجامدِ اليابس، فانفجَرَتْ منه اثنتا عَشْرةَ عَيْنًا. ثم قال لكم سبحانه: كُلُوا واشربوا مِن رزقِ الله، ولا تخرِّبوا في الأرض بالبغي والإفساد فيها. والإفسادُ في الأرض يكونُ: بنشرِ المعاصي، والرذائلِ، والفتنِ، وافتعالِ الحروب، وقتلِ الناس، وتدميرِ البلاد، ونحوِ ذلك مِن أنواع الإفساد الكثيرة؛ نسأل الله العافية. وقوله: ﴿فَٱنفَجَرَتۡ﴾، يعني: خرَجَ الماء منها بكثرة. وأما قوله: ﴿فَٱنۢبَجَسَتۡ﴾ [الأعراف:١٦٠]، فالانْبِجاسُ، المرادُ منه: خُروجُ الماءِ منها بقِلَّة. والمعنى: أنَّ عيونَ الماء لما كانت قويَّة، عبَّر الله عنها بالانفجار، وكان البدءُ بقلةٍ ثم يَكثُر بالاتِّساعِ. وظاهرُ القرآنِ استعمالُهما بمعنًى واحدٍ، لأن الآيتين قصةٌ واحدةٌ.

61

ثم ذكَّر جل وعلا بني إسرائيل بنعمته عليهم يوم أن هيَّأ لهم أحسَنَ الطعام، ولكنَّهم تضجَّروا وأصابهم الملل؛ فقالوا: يا موسى، لن نَصبِرَ على نوع واحد من الطعام؛ مع أنه كان طعامًا جامعًا لعناصر التغذية، ولكنْ لدناءتهم طلَبُوا منه أن يدعُوَ الله أن يُخرِجَ لهم من الأرض بعض النباتات؛ مثل: الخِيَار، والثُّومِ، والعدَسِ، والبَصَل؛ فاستنكر موسى طلَبَهم، وقال لهم: كيف تستبدلون هذه الأطعمةَ الرديئةَ بالأطعمةِ الجيِّدةِ النافعةِ التي اختارها الله لكم؟! ولذا عليكم أن تنتقلوا من أرضكم هذه، إلى أي بلدة أخرى؛ لتجدوا فيها ما تُحِبُّونَ وتشتهون من الأطعمة في الحقولِ والأسواق. فلما انتقلوا، تبيَّن لهم أنهم قدَّموا اختيارهم وشهواتهم على اختيار الله؛ لذلك ضُرِبَتْ عليهم الذِّلَّةُ والمسكنةُ ولَزِمَتْهم، واستحقُّوا غضب الله عليهم؛ بسبَبِ ارتكابهم الكثيرَ من الجرائم والمعاصي، ومِن ذلك: كُفْرُهم بآياتِ الله وتحريفُها، وقَتْلُهم الأنبياء ظلمًا وعدوانًا. وكان هذا العقابُ الشديدُ الذي أصابهم؛ مِن غضب الله عليهم، ومن الذِّلَّةِ والمسكنة؛ بسبَبِ عصيانهم وتجاوزهم حدود الله. وفي هذه الآية: إثباتُ صفةِ الغضَبِ لله تعالى في قوله: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾، ومذهبُ أهل السنة والجماعة: أنَّ الغضَبَ صفةٌ مِن صفاتِ اللهِ تليق بجلاله وعظمته، وهي تدُلُّ على كمال عظمته، وسُلْطانه؛ وهذا هو الحق. أما الفِرَقُ الأخرى كالأشاعرةِ وغيرها: فإنَّهم يفسِّرون غضَبَ الله: بأنه إرادةُ الانتقام.

62

أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا مِن هذه الأمة -أمة محمد ﷺ - والذين آمنوا مِن الأمم السابقة؛ مِن اليهودِ أتباعِ موسى، ومِن النصارى أتباعِ عيسى، ومِن الصابئينَ الذين كانوا على دِينِ بعض الأنبياء؛ بأنَّ مَن آمَن مِن هؤلاء بالله وبيومِ القيامة، واتَّبعوا رسلهم، وعملوا الصالحات، فإنَّ لهم الأجرَ العظيمَ عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم مما ينتظرهم يومَ الجزاءِ والحساب، ولا هم يحزنون على ما فاتهم مِن أمور الدنيا. وهذه الآيةُ في أهلِ الكتابِ والصابئةِ الذين كانوا قبل بِعْثةِ محمد ﷺ، وأما بعد بعثتِهِ ﷺ، فلا يَقبَلُ الله إلا دِينَ الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران:85].

63

ثم ذكَّر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بني إسرائيلَ بما أخَذَهُ عليهم من العهد والميثاق بالإيمان برسله، والعمَلِ بما شرعه الله لهم في التوراة، ثم خوَّفهم برفع جبَل الطُّور حتى صار كالمِظَلَّةِ فوق رؤوسهم، وأمَرَهم بالجِدِّ والاجتهادِ في أخذ التوراة؛ وإلا أسقَطَ عليهم الجبل، وأمَرَهم أن يتمسَّكوا بالتوراة قولًا وعملًا، وأن يَحفَظُوها ويعملوا بما فيها؛ لأجل أن يتَّقوا عذاب الله وسَخَطه.

64

ثم بيَّن جل وعلا أن بني إسرائيل نكَثُوا العهد والميثاق الذي أُخِذَ عليهم، وخالفوا أمر الله وعصَوْه، ولولا فضلُهُ سبحانه عليهم ورحمتُهُ بأن أمهَلَهم ولم يعاجلهم بالعقوبة، لصاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ولكنَّ بني إسرائيل للأسف نَسُوا أن الذي خوَّفهم برفع الجبل فوق رؤوسهم قادرٌ على أن يُعِيدَ ذلك عليهم مرَّةً أخرى. ولا شكَّ أن أشدَّ الناس خسارةً هم الكفار؛ فلا هم استفادوا مِن دنياهم، ولا مِن آخرتهم.

65

ثم أخبَرَ جل وعلا عن قصَّةِ أهلِ أَيْلَةَ، فقال سبحانه: ولقد عرَفْتم -يا معشَرَ اليهود- قصَّةَ أهل أَيْلَةَ الذين عصَوْا أمر الله، واحتالوا لاصطياد السَّمَك يوم السبت، الذي حُرِّمَ عليهم الصيدُ فيه؛ حيث احتالوا، فوضَعُوا الشِّبَاكَ وحفَرُوا البِرَكَ للسمك قبل يوم السبت، وفي يوم السبت سقَطَ السمك في الشِّبَاك، فتركوه حتى جاء يوم الأحد فاصطادوه؛ فعاقبهم الله على فعلهم بأن مسَخَهم قِرَدةً منبوذين مقبوحين. وفي هذه الآية: تحريمُ الحِيَلِ على ما حرَّم الله؛ فاليهودُ احتالوا في يوم السبت، واحتالوا في بيع شحوم المَيْتة، وقد حُرِّمَتْ عليهم؛ ولذا عاقبهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على أفعالهم وحِيَلهِمُ القبيحةِ، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن الحِيَلِ على محارم الله؛ فقال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ؛ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ»[6]. والناظرُ اليوم في حال المسلمين -للأسَفِ- يَجِدُ أنواعًا من الحِيَلِ في الربا، وفي بعض البيوع، وفي غير ذلك؛ بل إن بعض حِيَلِ المسلمين اليومَ تُعَدُّ أشدَّ من حِيَلِ اليهود بالأمس، وهذا بلا شكٍّ مِن أسباب تأخيرِ النَّصْر، وعدَمِ التوفيق، نسأل الله تعالى أن يُرِيَنا الحقَّ حقًّا، ويرزُقَنا اتِّباعه، ويُرِيَنا الباطلَ باطلًا، ويرزُقَنا اجتنابه.

66

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعَلَ القريةَ التي حلَّت بها هذه العقوبةُ عِظَةً وعِبْرةً لمن شاهدها وسَمِعَ بها، ولمن يأتي بعدهم ممن أراد أن يَفعَلَ مثلَ هذا الفعل، وهي أيضًا موعظةٌ وتذكرةٌ للصالحينَ المتَّقينَ والبشَرِ أجمعين على مَرِّ العصور والأزمان.

67

وذكَّر المولى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بني إسرائيلَ يومَ أن قتَلُوا قتيلًا، واختلفوا في قاتله، وكادت أن تقَعَ بينهم فِتْنة، فاختصموا إلى موسى عليه السلام، فقال لهم: إنَّ الله يأمُرُكم أن تَذبَحوا بقرةً، فكان الواجبُ عليهم المبادَرةَ بامتثالِ الأمرِ، وعدَمِ الاعتراض عليه، ولكنهم ظنوا أنها سخريةٌ منه، فقالوا: أتَهزَأُ وتَسخَرُ منا يا موسى؟!، فردَّ عليهم موسى قائلًا: أعوذُ بالله أن أكونَ مِن الجاهلين؛ فإنَّ الجاهلَ هو الذي يستهزئُ بالناس، ويَسخَرُ منهم، أما العقلاء، فلا يقع منهم ذلك؛ فكيف يقَعُ من الأنبياء والرسل المعصومين؟!

68

فقال بنو إسرائيل: يا موسى، ادع لنا ربَّك أن يبيِّنَ لنا أوصاف هذه البقرة، فقال لهم موسى: إنها بقرةٌ ليست كبيرةً ولا صغيرةً -أي: هي وسَطٌ بين ذلك- فبادِرُوا إلى ما أمَرْتُكم به، واترُكُوا التشدُّدَ والتعنُّتَ في كثرة الأوصاف؛ ولكنهم شدَّدوا؛ فشدَّد الله عليهم.

69

ثم قال بنو إسرائيل: يا موسى، ادع لنا ربَّك أن يبيِّنَ لنا ما لونُ هذه البقرة، فقال لهم: إنَّ الله يقول: إنها بقَرةٌ صفراءُ شديدةُ الصُّفْرة، تُبْهِجُ وتَسُرَّ من ينظُرُ إليها.

70

ثم قال بنو إسرائيل: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك يوضِّحْ لنا شأن هذه البقرة؛ لأن البقَرَ كثير، وقد اشتبَهَ علينا ما تريدُ منها، وإنا -إن شاء الله- لمهتدون إلى ما تريدُ؛ فنَذبَحُه.

71

فقال لهم موسى عليه السلام: إن الله يقول: إنها بقَرةٌ ليست مذلَّلةً للعمَلِ في حِرَاثةِ الأرضِ للزراعة، وليست مُعَدَّةً للسَّقْي، وهي خاليةٌ من العيوب، ولها لونٌ واحد فقطْ. وبعد أن سمعوا هذه المواصفات، قالوا: الآنَ جئتَ بالحق؛ فقد عرَفْنا هذه البقرة. وهذا يدُلُّ على مدى صَلَفهم وغَطْرَسَتهم؛ وإلا فهل أتى عليه السلام بغيرِ الحقِّ قبل ذلك؟! ثم بحَثوا عن هذه البقَرةِ بهذه الصفات حتى تحصَّلوا عليها وذبحوها، وكادوا ألَّا يجدوا بقرةً بهذه الصفات بسبَبِ تشدُّدهم وتعنُّتهم وعنادهم.

72

ثم ذكَّر جل وعلا بني إسرائيلَ يومَ أن قتلوا نفسًا معصومة، واختلفوا في القاتل، كلٌّ يَدفَعُ عن نفسه تُهَمةَ القتل، ولكنَّ الله سوف يكشف ما كتموا من أمر القاتل.

73

فقال موسى لبني إسرائيل: خذوا عضوًا من أعضاء هذه البقرة التي ذبَحْتُموها، واضرِبوا به القتيل؛ فضرَبُوه، فأحياه الله وأخبَرَ بمَن قتله، ثم أخبَرَ سبحانه أنه كما أحيا هذا الميِّت أمام أعينكم، فسوف يحيي الموتى يومَ القيامة؛ لترَوْا كمال قدرة الله تعالى؛ لعلكم تراجعون عقولكم؛ فتمتنعوا وتنزجروا عن معاصيه.

74

وبعد هذه الآيات الباهرة، والمعجزات الخارقة، التي حدَثَتْ معكم -يا بني إسرائيل- لم تنتفعوا ولم تمتثلوا أوامر الله، بل غَلُظَتْ قلوبُكم، واشتدَّت بعد كل هذه النِّعَمِ العظيمةِ الكثيرة؛ حتى صارت قاسيةً كالحجارة أو أشدَّ قسوةً، بل إن مِن الحجارة ما هو أليَنُ من قلوبكم؛ حيثُ إن منها: ما يتفجَّرُ، فتُصَبُّ منها الأنهار، ومنها: ما يتشقَّقُ فيخرُجُ منه الماء؛ كما هو مشاهَدٌ في كثير من البلدان، ومنها: ما يسقُطُ مِن أعالي الجبال خشيةً ورهبةً منه جل وعلا. واعلموا أن الله ليس بغافل عن أفعالكم؛ بل هو عالمٌ بها، حافظٌ لها، وسيجازيكم عنها يوم القيامة يوم الحساب والجزاء.

75

ثم خاطَبَ جل وعلا المؤمنين، فقال لهم: هل تطمعون -أيها المؤمنون- أن يؤمِنَ اليهودُ بكتابكم، ويتَّبعوا نبيَّكم؛ وقد علمتم كيف كان علماؤهم يسمعون كلام الله مِن التوراة، ثم يحرِّفونه بعد أن عرَفوه، وهم يعلمون أنهم يحرِّفون كلامَ الله على غير مراده؟!

76

ثم ذكَرَ جل وعلا حالَ المنافقينَ مِن اليهود الذين إذا لَقُوا المؤمنين، قالوا لهم بلسانهم دون أن تُؤمِنَ قلوبُهم: لقد آمَنَّا بدينِكم ورسولِكم المبشَّرِ به في التوراة، فإذا خلا هؤلاء المنافقون مِن اليهودِ بَعضُهم إلى البعضِ، قالوا لهم مستنكرين: أتُظهِرون لهم الإيمان، وتُخبِرُونهم بما بيَّن الله لكم في التوراةِ من أمر محمَّد؛ فيكونَ ذلك حُجَّةً علينا عند الله يوم القيامة؟! أليست لكم عقولٌ تبيِّنُ لكم خطورةَ ما تفعلون، وما يكون فيه ضرَرٌ عليكم، وتَمنَعُكم مِن أن تحدِّثوا المؤمنين بما يقيم لهم الحُجَّةَ عليكم يوم القيامة؟!

77

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاءِ اليهودَ على جَهْلهم بحقيقةِ علمه، فقال سبحانه: أَلَا يعلم هؤلاءِ اليهودُ المنافقون مِن بني إسرائيل: أن الله يعلم ما يُخْفُونه من الكفر والحقد على المؤمنين، وما يُظْهِرونه من الإيمان الكاذب الذي لا حقيقةَ له؟!

78

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مِن اليهودِ جماعةً عوامَّ مقلِّدين، وليسوا مِن أهل العلم، ولا يَعلَمونَ مِن التوراة إلا التلاوةَ فقطْ، ولا يفهمون شيئًا مما يتلونه، وما عندهم إلا ظنونٌ وتقاليدُ وأكاذيبُ فاسدة.

79

ثم توعَّد جل وعلا بالهلاكِ والعذابِ أولئك الذين يكتُبُونَ كلامًا من عند أنفسهم، ثم يقولون: هذا مِن عند الله؛ كذبًا وزورًا، وهدَفُهم من هذا الفعل المُشِين: أن يأخذوا مقابِلَ ذلك شيئًا مِن عرَضِ الدنيا الفاني. ولا شكَّ أن الأثمان مِن أولها إلى آخرها مهما كانت كبيرةً، فهي يسيرةٌ بالنسبة لما عند الله في الآخِرةِ مِن الثواب والعقاب. ثم عاد سبحانه وتوعَّدهم بالهلاكِ والعذابِ بسبَبِ ما كتَبَتْ أيديهم مِن الكذب والتزوير، وبسبب ما أكلوا مِن أموال الناس بالباطل.

80

ومع كل هذه الأفعال القبيحة، فإن اليهود -قبَّحهم الله- يزكُّون أنفسهم ويقولون: لن تَمَسَّنا النارُ إلا الأيَّامَ القليلةَ التي عبَدْنا فيها العجل، فأمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء اليهودِ على سبيل الإنكار: هل عندكم عهدٌ مِن الله بهذا؟! فإن كان عندكم عهدٌ بذلك، فإنَّ الله لا يُخلِفُ العهد، أم أنكم تتقوَّلون على الله؛ فتَكذِبونَ وتفترون عليه؟! وهذا هو الواقعُ والحالُ أنهم كاذبون وآثمون، وفي النار خالدون.

81

أخبَرَ جل وعلا أنَّ مَن ارتكب الآثام، وأحاطت به حتى أوصَلَتْهُ إلى الشرك، واستَوْلَتْ عليه الذنوبُ والمعاصي مِن جميع الجوانب، فأولئك هم المشركون والكفَّار، وهم أصحابُ النارِ خالدينَ مخلَّدينَ فيها، لا يَخْرُجون منها أبدًا؛ بسبَبِ ما اكتسبوا من الشرك والكبائر.

82

ثم أخبَرَ سبحانه أن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصالحاتِ بإخلاصٍ لوجهِ الله مُتَّبِعينَ فيها سُنَّةَ رسُلِ الله، فأولئك هم أصحابُ الجنة خالدينَ مخلَّدينَ فيها أبدًا بفضلِ الله ورحمته.

83

ثم ذكَّر سبحانه بني إسرائيلَ يومَ أن أخَذَ عليهم العهودَ والمواثيقَ ألَّا يعبُدُوا إلا الله وحده لا شريك له، وأمَرَهم ببِرِّ الوالدَيْنِ والإحسانِ إليهما، وبصِلَةِ الأرحام، والإحسانِ إلى اليتامى الذين فقَدوا آباءهم وهم دون سِنِّ البلوغ، والإحسانِ إلى المحتاجين من المساكين، وأن يقولوا للناسِ حُسْنًا؛ كبذلِ السلامِ، والابتسامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مِن أعمال الخير، وأمَرَهم أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ولكنَّهم أعرَضُوا ونقَضُوا العهودَ والمواثيق، واستمروا على إعراضِهم ونَقْضِهم للعهود، إلا قليلًا منهم عصَمَهم الله وثبَّتهم على الحق.

84

ثم ذكَّر سبحانه بني إسرائيلَ يومَ أن أخَذَ عليهم المواثيقَ والعهودَ الملزِمةَ ألَّا يقتُلَ بعضُهم بعضًا، ولا يُخْرِجَ بعضُهم بعضًا مِن ديارهم، ثم اعترفوا بهذه المواثيقِ، وشَهِدوا على أنفُسِهم بالالتزام والوفاء بها.

85

ثم وجَّه جل وعلا الخطابَ لبني إسرائيلَ الموجودينَ في عهد النبيِّ ﷺ؛ حيثُ أخبَرَ أنهم خالفوا العهودَ والمواثيقَ التي أقروا بها، وشهدوا عليها، وأنهم الآنَ يقتُلُ بعضُهم بعضًا، ويُخْرِجَ بعضُهم بعضًا مِن ديارهم. وهذا الأمر وقَعَ بين طوائف اليهود، وهم: بنو النَّضِير، وبنو قُرَيْظة، وبنو قَيْنُقَاع، وذلك قبل بِعْثةِ النبي ﷺ؛ حيثُ إنهم لما نزَلوا المدينةَ، وجدوا الأوسَ والخزرجَ يقتتلون، فقامت كلُّ فرقةٍ مِن فِرَقِ اليهودِ، وحالفت فرقةً مِن أهل المدينة، وكانوا إذا اقتتلوا، تظاهَرَتْ كلُّ فرقة من اليهود، وأعانت حليفها مِن أهل المدينة بالإثمِ والعدوان، فيقتُلُ اليهوديُّ اليهوديَّ، ويُخرِجُهُ مِن دياره، وبعد أن تضعَ الحربُ أوزارَها يَفدِي بعضُهم بعضًا، وهم يعلمون أصلًا أنَّ إخراجهم من ديارهم كان محرَّمًا. ثم وبَّخهم سبحانه، وأنكَرَ عليهم؛ فقال لهم: أفتؤمنون ببعض ما شرَعَهُ الله في التوراة، وهو فداءُ الأسير، وتكفُرُونَ ببعض، وهو: سفكُ الدماء، وإخراجُ بعضكم بعضًا. فاعلموا -يا بني إسرائيل- أن عقوبةَ مَن يخالِفُ أوامر الله، فإنَّ له الخزيَ والعارَ في الحياة الدنيا، ويومَ القيامة له أشدُّ العذاب وأعظمُه، وما الله بغافلٍ عن أعمالكم الشنيعة، وستَلْقَوْنَ جزاء ما كنتم تعملون.

86

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الذين كفَروا من بني إسرائيل وغيرهم، الذين استحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، لن يخفَّفَ عنهم العذابُ، وليس لهم ناصرٌ ينصُرُهم مِن عذاب الله يوم القيامة.

87

ثم امتنَّ جل وعلا على بني إسرائيلَ أن أعطى موسى عليه السلام التوراةَ، وأرسَلَ مِن بعده رسلًا يَتْبَعُ بعضهم بعضًا. وكذلك أعطى عيسى بنَ مريمَ عليه السلام المعجزاتِ الواضحات؛ كإحياءِ الموتى، وإبراءِ الأكمَهِ والأبرَصِ، وأيَّده بالرُّوحِ القُدُس، وهو جبريلُ عليه السلام. وسُمِّيَ رُوحًا؛ لأنه يَحمِلُ الرسالاتِ للأنبياء التي فيها حياةُ القلوب. ومع ذلك كلما جاءكم -يا بني إسرائيلَ- رسولٌ مِن عند الله لا يوافِقُ أهواءكم، استعليتم عليه، وكذَّبتم بما جاء به مِن الهدى عنادًا وتكبُّرًا؛ بل وصَلَ بكم الأمرُ أن قتَلْتم بعضَ الأنبياء ظلمًا وعدوانًا.

88

ثم قال بنو إسرائيلَ للرسولِ ﷺ، معتذرين له بأعذارٍ باطلةٍ كاذبة: يا نبيَّ الله، قلوبُنا مغطَّاةٌ بأغشية؛ فلا نَفهَمُ ما تقول؛ يظنُّون أن هذا -بزعمهم- عذرٌ لهم عن قَبُولِ الدعوةِ والإيمانِ بالله تعالى، ولكنَّ الله جل في علاه لعَنَهم؛ بأنْ طرَدَهم من رحمته؛ بسبب كِبْرهم وعنادهم، وكُفْرهم وضلالهم. وكان هذا اللعنُ سببًا في أنه لم يؤمِنْ منهم إلا نفرٌ قليلٌ؛ كعبدِ اللهِ بنِ سَلَام، وغيره.

89

ثم أخبَرَ سبحانه أنَّ بني إسرائيلَ لما جاءهم القرآنُ المنزَّلُ بحقٍّ على محمَّدٍ ﷺ، مصدِّقًا لما معهم مِن التوراة، وكانوا قبل رسالتِهِ يستنصِرُونَ ويفتخِرونَ به، ويتوعَّدون مشركي العرَبِ بخروجِه، وأنهم سوف يقاتلونهم معه، ولكنْ لما بُعِثَ ﷺ، وعرَفوا صفاتِهِ وصدقَه، كفروا به حسَدًا وبغضًا؛ لأنه لم يُبعَثْ مِن اليهود، ولهذا استحقُّوا لعنةَ الله؛ فلعنةُ الله على كلِّ مَن كفَرَ بمحمد ﷺ، وكفَرَ بما أُنزِلَ عليه من القرآن الكريم.

90

ثم وبَّخ جل وعلا بني إسرائيلَ؛ لأنهم باعوا أنفُسَهم بثمنٍ بَخْس؛ فبئس ما اختاروا لأنفسهم؛ حيث اختاروا الكفرَ على الإيمان ظلمًا وحسَدًا بأنَّ القرآنَ نزَلَ على محمد ﷺ، وقد كرهوا أن ينزِّلَ الله الوحي على غيرهم. ثم بيَّن سبحانه أنه يُنزِلُ فضلَهُ على مَن يشاء مِن عباده؛ فالأمرُ أَمْرُه، والخلقُ خَلْقُه، لكنَّ كبرياءهم حمَلَهم على أن يحسُدُوا الناسَ على ما آتاهم الله مِن فضله؛ ولذا استحقوا غضَبَ الله، بسبَبِ حَسَدهم وبُغْضهم للنبي ﷺ بعد غضَبِ الله عليهم، بسبَبِ تحريفهم التوراة، وكُفْرِهم بعيسى عليه السلام. ثم بيَّن سبحانه أنَّ للكافرين مِن بني إسرائيلَ خصوصًا، وكلِّ مَن كفَرَ بآيات الله عمومًا: عذابًا أليمًا يُذِلُّهم ويُخْزِيهم يوم القيامة.

91

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اليهود إذا أُمِرُوا بالإيمانِ بالقرآنِ الذي أُنزِلَ على محمد ﷺ، ردُّوا قائلين: نحنُ لا نؤمِنُ إلا بما أنزَلَ الله علينا في التوراة، ونكفُرُ بكل ما أنزَلَ اللهُ من الكتب السماوية، وخاصَّةً القرآن؛ مع أن القرآنَ حقٌّ، ومصدِّقٌ لما جاء في التوراة. ثم أمَرَ عز وجل نبيَّه ﷺ أن يقولَ لهم: إنْ كنتم صادِقِينَ في دَعْواكم أنكم لن تؤمنوا إلا بما أنزَلَ الله عليكم، فَلِمَ قتَلْتُم أنبياءَ الله مِن قبلُ وهم منكم؟!

92

ثم ذكَّرهم جل وعلا أنَّ موسى عليه السلام جاءهم بالمعجِزات، وبالأدلَّةِ البيِّناتِ الواضحات، ومع ذلك فقد عبَدُوا العجلَ بعد أنْ ذهَبَ موسى إلى ميقاتِ ربِّه؛ ولهذا كانوا ظالمين متجاوزين لحدود الله.

93

ثم ذكَّر سبحانه بني إسرائيل عندما أخَذَ عليهم العهودَ والمواثيق، ولكنهم نقَضُوها؛ فرفَعَ سبحانه فوقهم الطُّورَ كأنه سحابة؛ ليُسْقِطَهُ عليهم إن عصَوْهُ سبحانه، وليكونَ دليلًا على عظيم قدرته جل في علاه؛ لعلَّهم يخافون ويؤمنون. ثم قال لهم جل وعلا: خذوا التوراةَ بجِدٍّ وصدق، واسمعوا وأطيعوا، فكان جوابهم: سَمِعْنا بالآذان، وكذَّبنا بالجَنَانِ والأركان؛ لأن قلوبهم شُغِفَتْ بعبادة العجل؛ بسبب كفرهم وعنادهم. ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقولَ لهؤلاء المجرمين: قُبْحًا لهذا الإيمان الذي يأمُرُكم بالكفرِ والضلال؛ إنْ كنتم صادقين بما أنزَلَ الله عليكم. قال بعضُ المفسِّرين: إنهم قالوا: (سَمِعْنا وأطَعْنا)، ولكنهم لم يطيعوا، فحكى الله فِعْلَهم، وهو العصيان، وترَكَ قولهم: (أطَعْنا).

94

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقولَ لليهود: إن كانت الجَنَّةُ خالصةً لكم مِن دون الناس، فتَمَنُّوُا الموت؛ لتدخُلُوها إن كنتم صادقين في دعواكم؛ ولكنَّ الله بيَّن أنهم لن يتمَنَّوُا الموتَ أبدًا؛ بسبَبِ أفعالهم السيئة، ودعواهم الكاذبة. ولا شك أن الموتَ مكروه؛ بل هو مصيبةٌ؛ قال تعالى: ﴿فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ﴾ [المائدة:١٠٦]؛ فسماه اللهُ مصيبةً، بل إن آدم عليه السلام لم يستطِعْ إبليسُ إغواءه إلا لمَّا ذكَرَ له: أنه إذا أكَلَ مِن الشجرةِ التي نهاه الله عنها، فلن يأتيه الموت؛ قال تعالى: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ﴾ [طه:١٢٠]، أي: عدَمِ الموت. وقد نهى النبيُّ ﷺ عن تمنِّي الموتِ حتى لو كان المسلِمُ عالمًا أنه برحمةِ الله مِن أهل الجنة؛ بل إنَّ موسى كليمَ الله الذي اختاره الله واصطفاه لنفسه، أي: لحملِ رسالته، لمَّا جاءه ملَكُ الموت على هيئة إنسان، لَطَمَهُ، مع أنَّ موسى لا يشُكُّ في أنه برحمةِ الله مِن أهل الجنة؛ فهذه كلُّها أدلَّةٌ تؤيِّدُ نهي النبي ﷺ عن تمنِّي الموت. ولكنْ يُستثنى من النهيِ بعض الحالات: منها: تمنِّي الإنسانِ الشهادةَ في سبيل الله. ومنها: ما يسمَّى في عصرِنا بـ: (التحدِّي). وتسمَّى شرعًا: المباهَلةَ؛ سواءٌ كانت بين طرَفَيْن؛ كالتي طلَبَها الرسولُ ﷺ مِن وَفْدِ نصارى نَجْرانَ لمَّا خالفوه في القولِ بعيسىِ بنِ مريمَ عليه السلام، وهي المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، أو مِن طرَفٍ واحدٍ؛ كالتي طُلِبَتْ مِن اليهود في هذه الآية، أو في سورة الجُمُعة، وهي أن يدعُوَ الإنسان على نفسِهِ بالهلاك واللعنة إنْ كان كاذبًا في دعواه. وفي مسند أحمد، عن ابن عبَّاس مرفوعًا: «ولو أنَّ اليهودَ تمنَّوُا الموتَ، لماتوا، ورأَوْا مَقاعِدَهم من النار»[7]. أمَّا وَفْدُ نصارى نَجْرَانَ، فوافقوا على المباهَلةِ، ثم لم يفعلوا، ودفَعُوا الجِزْية. وأما اليهودُ، فلم يوافقوا؛ لأنهم يَعلَمونَ: أنهم كاذبون. ثم ختَمَ سبحانه الآيتَيْنِ، فأخبَرَ أنه عليمٌ بالظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك، وسينالون جزاءهم على ظلمهم وكفرهم.

95

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقولَ لليهود: إن كانت الجَنَّةُ خالصةً لكم مِن دون الناس، فتَمَنُّوُا الموت؛ لتدخُلُوها إن كنتم صادقين في دعواكم؛ ولكنَّ الله بيَّن أنهم لن يتمَنَّوُا الموتَ أبدًا؛ بسبَبِ أفعالهم السيئة، ودعواهم الكاذبة. ولا شك أن الموتَ مكروه؛ بل هو مصيبةٌ؛ قال تعالى: ﴿فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ﴾ [المائدة:١٠٦]؛ فسماه اللهُ مصيبةً، بل إن آدم عليه السلام لم يستطِعْ إبليسُ إغواءه إلا لمَّا ذكَرَ له: أنه إذا أكَلَ مِن الشجرةِ التي نهاه الله عنها، فلن يأتيه الموت؛ قال تعالى: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ﴾ [طه:١٢٠]، أي: عدَمِ الموت. وقد نهى النبيُّ ﷺ عن تمنِّي الموتِ حتى لو كان المسلِمُ عالمًا أنه برحمةِ الله مِن أهل الجنة؛ بل إنَّ موسى كليمَ الله الذي اختاره الله واصطفاه لنفسه، أي: لحملِ رسالته، لمَّا جاءه ملَكُ الموت على هيئة إنسان، لَطَمَهُ، مع أنَّ موسى لا يشُكُّ في أنه برحمةِ الله مِن أهل الجنة؛ فهذه كلُّها أدلَّةٌ تؤيِّدُ نهي النبي ﷺ عن تمنِّي الموت. ولكنْ يُستثنى من النهيِ بعض الحالات: منها: تمنِّي الإنسانِ الشهادةَ في سبيل الله. ومنها: ما يسمَّى في عصرِنا بـ: (التحدِّي). وتسمَّى شرعًا: المباهَلةَ؛ سواءٌ كانت بين طرَفَيْن؛ كالتي طلَبَها الرسولُ ﷺ مِن وَفْدِ نصارى نَجْرانَ لمَّا خالفوه في القولِ بعيسىِ بنِ مريمَ عليه السلام، وهي المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، أو مِن طرَفٍ واحدٍ؛ كالتي طُلِبَتْ مِن اليهود في هذه الآية، أو في سورة الجُمُعة، وهي أن يدعُوَ الإنسان على نفسِهِ بالهلاك واللعنة إنْ كان كاذبًا في دعواه. وفي مسند أحمد، عن ابن عبَّاس مرفوعًا: «ولو أنَّ اليهودَ تمنَّوُا الموتَ، لماتوا، ورأَوْا مَقاعِدَهم من النار»[7]. أمَّا وَفْدُ نصارى نَجْرَانَ، فوافقوا على المباهَلةِ، ثم لم يفعلوا، ودفَعُوا الجِزْية. وأما اليهودُ، فلم يوافقوا؛ لأنهم يَعلَمونَ: أنهم كاذبون. ثم ختَمَ سبحانه الآيتَيْنِ، فأخبَرَ أنه عليمٌ بالظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك، وسينالون جزاءهم على ظلمهم وكفرهم.

96

واعلم -أيها النبي- أن اليهود مِن أشدِّ الناس حبًّا وتعلُّقًا بالبقاء في الحياة الدنيا، بل أشدُّ حرصًا على الحياةِ مِن المشركين، وأنَّ أحدَهم يتمنَّى لو يعيش ألفَ سَنَة؛ لشدَّة حرصه على الحياة، أو لِشَكِّهِ في الآخرة، ثم بيَّن سبحانه أنهم لو عُمِّرُوا هذه السنينَ الطويلة، فإن ذلك لن يُنجِيَهم مِن عذاب الله، ثم أخبرَهم أنه مطَّلِعٌ على أعمال عباده لا تخفى عليه خافيةٌ أبدًا.

97

ثم أمَرَ جل وعلا نبيَّه ﷺ أن يقولَ لليهود: اعلموا -أيها اليهودُ- أنَّ مَن كان عدوًّا لجبريل، فإنه عدُوٌّ لله؛ لأن جبريل هو الأمينُ على وحي الله يبلِّغه لجميعِ رسله، وهو الذي نزَلَ بالقرآن على قلب محمَّد ﷺ، وهذا القرآنُ: مصدِّقٌ لما قبله من الكتب، ومبشِّرٌ بالجنة للمؤمنين المصدِّقينَ المذعِنين.

98

ثم بيَّن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنَّ مَن عادى اللهَ وملائكتَهُ ورُسُلَهُ وجبريلَ وميكال، فإن الله عدوٌّ للكافرين الجاحدين للحق، وما أُنزِلَ على محمد ﷺ.

99

واعلم -أيها النبي- أن الله جل وعلا أنزَلَ إليك آياتٍ بيِّناتٍ واضحاتِ الدَّلَالة، وما يكفُرُ بهذه الآيات ويُنكِرها إلا من فسَقَ عن أمرِ ربِّه، وخرَجَ عن طاعته.

100

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء اليهود كلما عاهدوا عهدًا، نقَضَهُ فريق منهم؛ فهم قومٌ ليست لهم عهود، ثم بيَّن سبحانه أن أكثر هؤلاء اليهود لا يؤمنون بالتوراة التي أنزَلَها سبحانه على رسولهم، والسببُ: أنهم قومٌ بُهْتٌ طبيعتُهم الكذب، كما قال ذلك عنهم حَبْرُهم عبد الله بن سَلَامٍ رضي الله عنه لرسول الله ﷺ [8]؛ فهم يَعرِفونَ أنَّ محمدًا ﷺ صادقٌ كما يَعرِفونَ أبناءهم؛ ولكنْ حيثُ إن الوحي لم يَنزِلْ عليهم، فإنَّ الحسد أعمى قلوبهم.

101

وأخبَرَ جل وعلا أن هؤلاءِ اليهودَ لما جاءهم النبي ﷺ مِن عند الله مصدِّقًا للتوراةِ في أصولِ الدين، ومُقِرًّا لنبوَّةِ موسى عليه السلام، كذَّب علماؤهم التوراة، وطَرَحوها وراء ظهورهم عنادًا وتكبُّرًا؛ لأنها أخبَرَتْ بنبوَّة محمد ﷺ، ثم بيَّن سبحانه أنهم تركوا التوراةَ وأعرَضوا عنها، وكأنهم لا يَعلَمونَ ما فيها مِن الأمرِ باتِّباعِ محمد ﷺ وتصديقه.

102

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود نبَذُوا التوراة وراء ظهورهم، واتَّبعوا ما تقوله الشياطينُ مِن السحر؛ حيث زعموا أن سليمانَ عليه السلام ساد أهلَ زمانِهِ به، ولكنْ بيَّن سبحانه أن سليمان لم يكفُرْ؛ لأنه لم يتعلَّمِ السحرَ، ولم يستخدِمْه. أمَّا الشياطينُ، فقد كفَرُوا؛ لأنهم علَّموا الناسَ السحر؛ لإضلالهم وإفسادِهم، وكذلك اتَّبعوا السحرَ الذي أُنزِلَ على الملَكَيْنِ هاروتَ وماروتَ بأرض بابِلَ بالعراق. والملَكانِ أُنزِلَا ابتلاءً مِن الله ولحكمةٍ بالغة، وقد صرَّحا أنهما أُنزِلَا ابتلاءً، وحذَّرا كلَّ مَن يأخذ علم السحر منهما مِن الوقوع في الكفر، ومع ذلك استمرَّ الناسُ في تعلُّم السحر منهما، بل في تعلُّمِ أقبحِ أنواعه، وهو التفريقُ بين الرجل وزوجه، مع أن السَّحَرة لا يستطيعون الإضرارَ بأحدٍ إلا بإذن الله وقضائه، ومعلومٌ أن السَّحَرة إنما يتعلَّمون ما يضُرُّهم ولا ينفعهم. ولقد عَلِمَ اليهودُ أن مَن تعلَّم السحر، وترَكَ الحقَّ -وهو الإيمانُ بالله ورُسُلِهِ واليومِ الآخر- ليس له في الآخرة نصيبٌ مِن الرحمة والثواب، ويالَخَسَارةِ ما استعاضوا به مِن تركهم الإيمانَ واتِّباعَ الرسل، وتعلُّقهم بالسِّحْرِ والدَّجَل؛ لو كان عندهم علم أو عقل يَحمِلهم على التمييز بين الحق والباطل، والنافع والضارّ. وقد اختلَفَ أهلُ العلم في السحر: هل هو ثابتٌ، وله حقيقة؟ أو أنَّه مجرَّدُ تخييلات؟ والجوابُ: أن مذهب الجمهور ثبوتُ السِّحْر، وأنَّ له حقيقةً، أما المعتزلة، فقالوا: لا حقيقةَ له، بل هو تخييلٌ. والحقُّ: أن السحرَ نوعان: الأوَّل: حقيقةٌ، أي: ينفُذُ في الجسم، ويُمرِضُ، ويفرِّقُ بين المرء وزوجه. والثاني: تخييلٌ، أي: يخيِّلُ لك أن الحَبْلَ حَيَّة، ونحوَ ذلك، دليله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ﴾ [طه:66].

103

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ هؤلاءِ اليهودَ لو آمنوا بالنبيِّ ﷺ، وما أُنزِلَ عليه مِن القرآن، واجتنبوا ما وقَعوا فيه مِن السحر والكفر، لحصلوا على منافعَ كثيرةٍ، ومِن ذلك: ثوابُ الله الذي هو خيرٌ لهم مما اختاروا لأنفسهم لو كانوا يعلمون أن ثواب الله خيرٌ لهم مِن السِّحْر، وخيرٌ لهم مما اكتسبوا به، بل وخيرٌ لهم من الدنيا وما فيها.

104

ثم أمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عباده المؤمنين أن يراعوا الأدَبَ في مخاطَبةِ الرسول ﷺ؛ تجنُّبًا لبعض الكلمات التي تَحمِلُ أكثرَ مِن معنًى؛ مثلُ كلمة: ﴿رَٰعِنَا﴾؛ حيثُ إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون للرسول ﷺ: ﴿رَٰعِنَا﴾، أي: رَاعِ أحوالَنا وأَمهِلْنا. ولكنَّ اليهودَ بعد أن سَمِعوها، أخذوا يقولونها على سبيلِ السبِّ، أي: مِن الرُّعُونة، وهو الحُمْق، فنهى الله المؤمنين أن يقولوها، وأمَرَهم أن يقولوا بدلًا منها: ﴿ٱنظُرۡنَا﴾، أي: أَمهِلْنا وترفَّقْ بنا، فعليكم -أيها المؤمنون- أن تسمعوا لما تُؤْمَرون به مِن طاعة الله ورسوله ﷺ. ثم توعَّد جل وعلا الكافرين مِن اليهود وغيرهم بالعذابِ الأليمِ المُوجِع.

105

أخبَرَ جل وعلا أنَّ الكفَّار من اليهود والنصارى ومُشرِكي العرَبِ لا يريدون أن ينزِّلَ اللهُ على رسوله وعلى المؤمنين منكم أدنى خيرٍ مِن قرآنٍ أو علمٍ أو نَصْرٍ أو بِشَارة؛ حسدًا منهم وبغضًا لكم. ولكنِ اعلموا -أيها الكفار- أن الله يختصُّ برحمته مَن يشاء مِن عباده بالنبوَّة أو الرسالة، وقد اختصَّ محمدًا ﷺ بأنْ جعَلَهُ خاتَمَ الأنبياء والمرسلين؛ ولذا فلن يضُرَّهُ حسَدُ الحاسدين، ولا جحودُهم. ثم بيَّن جل في علاه أنه صاحبُ الفضلِ العظيمِ والمِنَّةِ الكبرى على عبادِهِ المؤمنين، وهو أعلمُ حيثُ يَجعَلُ رسالته.

106

أخبَرَ جل وعلا أنه ما يبدِّلُ مِن آيةٍ مِن حكمٍ إلى حكم، أو يمحُوهَا من القلوب؛ إلا ويأتي بأفضلَ وأنفعَ منها، أو بمِثْلِها في النفعِ والفضل؛ لحكمةٍ يَعلَمُها سبحانه. والنسخُ خاصٌّ بالأوامرِ والنواهي، أمَّا الأخبارُ المحضة، فلا يدخُلُها النسخ، وقد كان اليهودُ يُنكِرونَ النسخَ مع أنه مذكورٌ عندهم في التوراة. ثم ختَمَ سبحانه الآيةَ قائلًا على سبيل التقرير: ألم تَعلَمْ -أيها النبي- أن الله قادرٌ على كل شيء، وأنه لا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء؟!

107

ثم أقام جل وعلا دليلًا واضحًا بيِّنًا على قدرته، فقال سبحانه على سبيل التقرير: ألم تَعلَمْ -أيها النبي- أن الله يَملِكُ كلَّ ما في السموات والأرض، وهو المتصرِّفُ فيهما، يَفعَلُ فيهما ما يشاء؟! ثم بيَّن سبحانه أنه ليس للناسِ مِن وليٍّ غيرُ اللهِ يتولَّى أمورَهم، ويرعى شؤونَهم ومصالحَهم، وليس لهم نصيرٌ ينصُرُهم إلا اللهُ وحده، ومَن كان اللهُ وليَّه ونصيرَهُ، فنِعْمَ المولى ونِعْمَ النصير.

108

ثم أنكَرَ عز وجل على الذين يُكثِرونَ من سؤال النبي ﷺ، فقال سبحانه: أتريدون أن تُكثِروا على نبيِّكم محمَّدٍ ﷺ أسئلةَ التعنُّت والعناد والمكابَرة؛ كما فعَلَ بنو إسرائيل مع موسى؛ حيث كانوا يُكثِرون من أسئلة التعنُّت والعناد؛ كقولهم: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥]، وقولِهم: ﴿ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، وغيرِ ذلك. أمَّا سؤالُ التعلُّم والتفقُّه والاسترشاد، فهذا مطلوبٌ وممدوح، واعلموا -أيها الناس- أن مَن اختار الكفرَ على الإيمان، فقد ضلَّ صراطَ اللهِ المستقيمَ.

109

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أكثر أهل الكتاب يتمنَّوْنَ أن تَرجِعوا -أيها المؤمنون- بعد إيمانكم كفَّارًا؛ حسَدًا مِن عند أنفسهم، بعد أن تبيَّن لهم أنكم على الحق؛ فاعفُوا واصفَحُوا وتجاوزوا عمَّا كان منهم؛ مِن إساءةٍ وخطأٍ وجهلٍ؛ حتى يأذنَ الله بقتالهم. واعلموا أن الله على كلِّ شيء قدير، لا يُعجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.

110

ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين بإقامةِ الصلاةِ على الوجهِ الأكملِ كما شرَعَ الله، وبإخراجِ زكاةِ أموالهم لمستحِقِّيها طيِّبةً بها نفوسُهم، واعلموا -أيها الناس- أنَّ ما تقدِّمونه مِن خيرٍ وعمَلٍ صالحٍ سيعودُ نفعُهُ عليكم، وستجدونه عند الله يوم القيامة؛ فإنه مطَّلِعٌ على أعمالكم، وسيجازيكم عليها؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

111

أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنَّ اليهودَ يدَّعون أنه لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان يهوديًّا، وأنَّ النصارى يدَّعون أنه لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان نصرانيًّا، ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذه الدعاوى باطلة، وما هي إلا أمانيُّ وأوهامٌ وافتراءاتٌ فاسدة. ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: أَعْطُوني دليلَكم على هذه الدعاوى إن كنتم صادقين؟!

112

ثم إن الله جل وعلا كذَّبهما بقوله: ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ﴾، أي: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن أخلَصَ أقواله وأعماله لله وحده لا شريكَ له، واتَّبَعَ الهدى الذي جاءت به الرسُل، ثم أخبَرَ سبحانه أن مَن كانت هذه صفاتِهم، فإنَّ لهم أجرًا وثوابًا عظيمًا عند الله، وهو دخولُ الجنةِ مطمئنِّينَ لا يخافونَ مِن عذابِ النارِ في الآخرة، ولا يَحزَنُونَ على ما فاتهم مِن نعيمِ الدنيا؛ لأنَّ الله سوف يعوِّضهم بالأجملِ والأكملِ في الجنة.

113

أخبَرَ جل وعلا أن كلًّا من اليهود والنصارى لا يعترِفُ بالآخر؛ مع أنهم يقرؤون التوراة والإنجيل، ويعلمون ما فيهما مِن وجوب الإيمان بجميع الرسل، بل قال اليهودُ أشنعَ من هذا؛ قالوا: إن عيسى عليه السلام وَلَدُ بَغِيٍّ، أي: ولدُ زِنًى؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، والعياذُ بالله مِن قذف المحصَناتِ الطاهرات. ثم قال سبحانه: وكما أن اليهودَ والنصارى يكفِّرُ كلٌّ منهما الآخَرَ، فإن مشركي العرب وغيرَهم كلٌّ منهم يضلِّلُ الآخر ويكفِّره، واعلموا -أيها الناس- أن الله سوف يحكُمُ بينكم يوم القيامة بحُكْمِهِ العدلِ فيما كنتم فيه تختلفون.

114

ثم بيَّن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا مِن الذين منَعوا ذِكْرَ الله في المساجد، واجتهدوا في تخريبِها بالهَدْمِ أو الإغلاقِ ونحو ذلك، وكان الأَوْلى بهم أن يدخُلُوا هذه المساجدَ وهم على وَجَلٍ وخوفٍ مِن الله؛ ولذا كانت عقوبةُ الذين سعَوْا في تخريبِ المساجدِ الخزيَ والعارَ والفضيحةَ في الدنيا، والعذابَ الأليمَ الشديدَ في الآخرة؛ نسألُ اللهُ العفوَ والعافية.

115

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه يَملِكُ مشارقَ الأرض ومغاربَها وما بينهما، فأينما توجَّهتم -أيها الناس- في أرض الله الواسعة، وأرَدتُّم الصلاة، فتوجَّهوا إلى الجهةِ التي يَغلِبُ على ظنِّكم أنها القِبْلة، وهي البيتُ العتيق؛ وبهذا تكونون قد أدَّيْتُم ما أمَرَكم الله به، واعلموا أن الله واسعٌ عليمٌ يسَعُ علمُهُ كل شيء. وهذه الآيةُ دليلٌ على وجوب أداء الصلاة في أي مكان مِن الأرض إذا حضَرَ وقتها. وقد سُئِلَ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن هذه الآية، فقال السائلُ: هذه الآيةُ يُفهَمُ منها أنَّ اللهَ في كلِّ مكان، ومثلُها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ﴾ [الزخرف:٨٤]؟ فأجاب: إنَّ مَن يقول: إنَّ الله في كلِّ مكان، كافر. ثم قال: هذه آياتٌ متشابِهةٌ قد يُفهَمُ منها ما ذكَرَهُ السائل. وقال: إن المُجمَلَ يُحمَلُ على المفصَّل، والمتشابِهَ يُحمَلُ على المُحكَمِ المصرَّحِ الموضَّحِ. ثم ذكَرَ الآياتِ التي تُثبِتُ استواءَهُ على العرش، وحديثَ الجاريةِ التي سألها الرسولُ ﷺ: «أَيْنَ اللهُ؟»، فقالت: في السماء، قال: «مَنْ أَنَا؟»، قالت: أنتَ رسولُ الله، قال: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[9]. ثم قال: إن هذه الجاريةَ -على مذهبِ هؤلاءِ الذين يتتبَّعون المتشابِهَ- كافرةٌ. وقال أيضًا: ومِن الآيات التي تدُلُّ على أنه في السماء: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ [الأعلى:١]، ولم يقل: الأسفلِ، ولا الذي في كلِّ مكان. وهناك أدلَّةٌ كثيرةٌ لا يسَعُ المقامُ لذكرها تصرِّحُ أنَّ الله فوق عرشه، وأنَّ العرش أعلى المخلوقاتِ فوق السماء السابعة، وهو سقفُ العالم.

116

ثم أخبَرَ جل وعلا بمقولةِ اليهود: إن عزيرًا ابنُ الله، ومقولةِ النصارى: إن المسيحَ ابنُ الله، ومقولةِ مشركي مكة: إن الملائكةَ بناتُ الله، فكذَّبهم الله جميعًا، وأخبَرَ أنه تنزَّه وتقدَّس عن هذا القولِ الآثِمِ الذي نسبوه له جل وعلا، وأخبَرَ أن جميع مَن في السموات والأرض عبدٌ خاضعٌ له، وتحت تصرُّفه وحُكْمه وتدبيره.

117

ثم بيَّن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه خالقُ السموات والأرض ومُبدِعُهما على غير مثال سابق، وإذا أراد سبحانه أن يخلُقَ شيئًا، فإنما يقول له: (كُنْ)؛ فيكون. وأنبِّهُ هنا إلى مقولة بعض الناس: إنما أمرُهُ بين الكاف والنون؛ وهذا القول خطأ، والصوابُ أن يقال: إنما أمره بعد الكاف والنون.

118

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المشركين قالوا للرسول ﷺ: لن نؤمن -يا محمَّد- حتى يكلِّمَنا اللهُ مباشرة، ويُخبِرَنا أنك رسول، أو تأتِيَنا علامةٌ تدُلُّ على نبوَّتك وصِدْقك، ومثلُ هذا القولِ قالت به اليهودُ والنصارى مِن قبل؛ وهذا دليلٌ على أن قلوبهم قد تشابهت في الكفر والضلال. ثم أخبَرَ سبحانه أنه بيَّن الآياتِ ووضَّحها لمن يعترفون بالحق، ويصدِّقون به تصديقًا جازمًا.

119

ثم أخبَرَ المولى عز وجل أنه أرسَلَ نبيه محمدًا ﷺ بهذا الدين الحقِّ المؤيَّدِ بالأدلَّة والبراهين، وأنه أرسله مبشِّرًا للمؤمنين بخيري الدنيا والآخرة، ومخوِّفًا الكافرين مِن عذاب الله، وأخبَرَهُ أنه ليس مسؤولًا عن كفر وضلال هؤلاء المشركين الكفَّار بعد البلاغ؛ فإنهم وحدهم المسؤولون عن مصيرهم، وهو دخولُ النار، وبئس المصير.

120

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود والنصارى لن يَرضَوْا عن النبي ﷺ حتى يترُكَ دِينه، ويتَّبِعَ دينهم؛ لذا أمَرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يقول لهم: اعلموا -يا أهل الكتاب- أن الدِّينَ الصحيحَ الذي هداني الله إليه هو دينُ الإسلام، ثم بيَّن له جل في علاه أنه إذا اتَّبع أهواءهم، وتشبَّه بهم، بعد الحق الذي جاءه مِن عند الله، فليس له مِن الله وليٌّ يتولَّاه وينفعه، ولا نصيرٌ ينصُرُه. وهذا الخطابُ -وإن كان موجَّهًا للرسول ﷺ - فإن المقصودَ به أن يبلِّغَ أمَّته ذلك؛ لأنه معصوم مما هو أقلُّ من ذلك.

121

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين أُنزِلَ عليهم الكتابُ مِن اليهودِ والنصارى، وقرؤوه قراءةً صحيحة، واتَّبعوه حقَّ الاتِّباع، فأولئك هم المؤمنون بالله، وبمحمد ﷺ، وبما أُنزِلَ عليه؛ كعبد الله بن سَلَام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود والنصارى، أما الذين بدَّلوا وحرَّفوا، فأولئك كفروا بمحمد ﷺ، وبما أُنزِلَ عليه، وهؤلاء هم أشدُّ الناس خُسْرانًا عند الله يوم القيامة.

122

ثم كرَّر المولى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النداءَ لبني إسرائيل، وأمَرَهم أن يتذكَّروا نِعَمَ الله الكثيرةَ عليهم؛ وذلك بأن يتذكَّروها بقلوبهم، ويتذكَّروها بألسنتهم، ويتذكَّروها بجوارحهم؛ لأن شُكْرَ النعم يكون بهذه الأمور الثلاثة: القلبِ، واللسانِ، والجوارح، ثم بيَّن سبحانه أن مِن النِّعَمِ التي أنعم الله بها عليهم: أنه فضَّل آباءهم أتباعَ موسى عليه السلام على عالَمِي زمانهم؛ لأن أتباعَ كلِّ نبيٍّ مفضَّلون على عالَمِي زمانهم. ولا شك أنَّ تفضيلَ الآباء شرَفٌ للأبناء، وتفضيلُ الله لهم كان بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وأنه جعَلَ منهم سادةً وملوكًا؛ لاتِّبَاعِهم هُدى الله.

123

ثم أمَرَ جل وعلا بني إسرائيلَ أن يخافوا يومَ القيامة، ذلك اليومَ الذي لا يُغنِي فيه أحدٌ عن أحدٍ شيئًا، ولا يَقبَلُ الله في ذلك اليوم مِن كافرٍ فِدْيةً، ولا تَنفَعُ الشفاعةُ أحدًا كفَرَ بالله ورسوله ﷺ، ولا يملك أحدٌ في ذلك اليوم أن يُعِينَ كافرًا، أو ينصُرَهُ، أو ينجِّيَه من عذاب الله الشديد.

124

ثم أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نبيه ﷺ أنه امتحَنَ عبده وخليله إبراهيم عليه السلام بجملةٍ مِن التكاليف الشرعية، وبيَّن جل وعلا أن إبراهيم عليه السلام أتمَّها وقام بها أحسَنَ قيام؛ ولذا فإن الله شكَرَهُ وكافأه بأن جعَلَهُ إمامًا للناس في الدِّين. ثم إن إبراهيم عليه السلام طلَبَ مِن ربه أن تُمنَحَ الإمامةُ أيضًا لذُرِّيَّته مِن بعده؛ فقال سبحانه: اعلم -يا إبراهيم- أن الإمامةَ في الدِّينِ أمرُها عظيم؛ ولذا لن ينالها أحدٌ ظلَمَ نفسَهُ بالكفر والمعاصي.

125

ثم أخبَرَ المولى عز وجل نبيه ﷺ أنه جعَلَ هذا البيت -وهو الكعبةُ- قِبْلةً للناس يستقبلونها ويتوجَّهون إليها، ومرجعًا يَرجِعونَ إليه، ومَجْمَعًا لهم في الحجِّ والعمرة، وجعله أيضًا بيتًا آمِنًا لا يخافُ فيه أحد، وهذا الجَعْلُ شرعيٌّ تكليفي. ثم أمَرَ سبحانه الناس أن يتَّخذوا مِن مكانِ إبراهيمَ عليه السلام مكانًا للصلاة فيه، ثم أوحى عز وجل إلى إبراهيمَ وابنِهِ إسماعيلَ بتطهير البيت مِن الأوثان والكفار والنجاسات؛ لكي يكونَ مهيَّأً لمن أراد أن يطوفَ أو يعتكِفَ أو يصلِّيَ فيه. ولاحِظْ أن الله جل في علاه قال في هذه الآية: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ﴾، ولم يقل: (البلَدَ)، كما قال في سورة إبراهيم: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ﴾ [إبراهيم:٣٥]؛ لأن البيتَ لم يكنْ وقتَ مجيءِ هاجَرَ وابنِها قائمًا معمورًا، وإنما عُمِرَ واستُوطِنَ بعد أن كَبِرَ إسماعيلُ وساعَدَ أباه في بناء الكعبة.

126

ثم أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نبيه ﷺ أنَّ إبراهيمَ عليه السلام دعا ربه أن يَجعَلَ مكَّةَ بلدًا آمنًا، وأن يرزُقَ أهلَها من كلِّ أنواعِ الثمرات، ثم إن إبراهيمَ قيَّد هذا الرزقَ بالمؤمنين الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، فقال له جل في علاه: ومَن كفَرَ منهم -يا إبراهيم- سوف نرزُقُهُ أيضًا في الدنيا، كسائر الناس، ونمتِّعُهُ متاعًا قليلًا، ثم يُرَدُّ إلينا يوم القيامة مُرغَمًا ومُكرَهًا لنذيقه عذاب النار؛ فبئست النهاية، وبئس المصيرُ للكافرين.

127

ثم بيَّن جل وعلا لنبيه ﷺ حال إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام عندما كانا يَبنِيَانِ الكعبة، ويرفعان قواعدها؛ حيثُ كانا يدعُوَانِ الله بهذه الأدعيةِ المبارَكةِ قائلين: يا ربَّنا، تَقَبَّلْ منا هذا العملَ المبارَك، واجعَلْهُ خالصًا لوجهك الكريم؛ فإنك -يا ربِّ- أنت السميعُ لأقوال عبادك، العليمُ بأعمالهم وأحوالهم.

128

ثم إنَّ إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام دَعَوَا لأنفسِهما وذُرِّيَّتهما بالبقاء على دِينِ الإسلام؛ فهو أعظمُ نعمةٍ يمُنُّ الله بها على عباده، ثم سألا الله جل في علاه أن يعلِّمهما أمورَ دينِهما وعبادتِهما عمومًا، وما يتعلَّقُ بأعمال الحج خصوصًا؛ كالطواف والسَّعْي والوقوف وغير ذلك، ثم سألاه سبحانه أن يمُنَّ عليهما بالتوبةِ النصوح؛ لأن العبدَ عُرْضةٌ للذنب والتقصير؛ فإنك -يا ربِّ- كثيرُ التوبة لعبادك، واسعُ الرحمة بهم.

129

ثم إنَّ إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام سَألا اللهَ جل في علاه: أن يَبعَثَ في هذه الأمة رسولًا من ذُرِّيَّتهم، يتلو عليهم آياتِ الله، ويعلِّمهم القرآن والفقه، وأمورَ دينهم، ويطهِّرَهم من الكفر والشرك وسائر الذنوب والمعاصي؛ فاستجاب سبحانه لدعائهم؛ فبعَثَ فيهم رسولَهُ محمدًا ﷺ. وقد رُوِيَ أنه ﷺ كان يقول: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ»[10]. ثم ختَمَ سبحانه الآيةَ بقولِ إبراهيمَ عليه السلام: إنك -يا ربِّ- أنت العزيزُ الذي لا يَغلِبُكَ أمر، ولا يمتنِعُ عليك أحد، والحكيمُ الذي يضع الأشياء في مواضعها.

130

ثم بيَّن جل في علاه أنَّ مَن يختارُ دينًا غيرَ دِينِ إبراهيم عليه السلام، فهو سفيهٌ جاهل؛ لأن الله اصطفى إبراهيمَ في الدنيا، وجعله نبيًّا ورسولًا، وإنه في الآخرةِ لمن الصالحين الذين لهم أعلى الدرَجات.

131

ثم بيَّن جل وعلا أن سبب هذا الاصطفاء: أن إبراهيم عليه السلام انقاد لأمر الله قولًا وعملًا دون تردُّد؛ عندما أمَرَهُ بالإسلامِ والتوحيدِ لله ربِّ العالمين.

132

ثم أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن إبراهيمَ ويعقوبَ عليهما السلام حثَّا أبناءَهما على الثباتِ على الإسلام، فقالا: إن الله اختار لكم هذا الدِّينَ، وهو الإسلام؛ فلا تترُكُوهُ ولا تفارِقوه، ولا تموتوا إلا وأنتم على مِلَّةِ الإسلام.

133

ثم خاطَبَ جل وعلا اليهودَ، فقال لهم مستنكِرًا: هل كنتم حاضرين حين جاء يعقوبَ الموتُ؛ حيث جمَعَ أبناءه وسألهم على وجهِ الاختبار: ما تعبُدُونَ مِن بعد موتي؟، فقالوا: نعبُدُ إلهك وإلهَ آبائك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهًا واحدًا لا شريكَ له، ونحن منقادون وخاضعون له؛ فجمَعُوا بين التوحيد والعمل.

134

ثم أخبَرَ جل شأنه أنَّ تلك الجماعةَ مِن الأنبياء والرسل، وأتباعِهم مِن المؤمنين الذين قصَصْنا عليكم شيئًا من سِيرَتهم مع أقوامهم، قد مضَوْا وانتهَوْا، وأنَّ لهم أعمالَهم، ولكم أعمالُكم، وكلٌّ سيجازى بما قدَّم، ولن يُؤاخَذَ أحدٌ بذنبِ غيره، ولن يَنفَعَ العبدَ يومَ القيامةِ إلا إيمانُهُ وتقواه، وما نشَرَهُ مِن الأعمال الصالحة المتعدِّي نفعُها، والذُّرِّيَّةِ المؤمنة.

135

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اليهود قالوا لأَتْباع النبي ﷺ: كونوا يهودًا؛ لأن الهُدَى معنا، وأنَّ النصارى قالوا لهم: كونوا نصارى؛ لأنَّ الهدى معنا؛ فأمَرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يقول لهم: بل الواجبُ أن نتَّبِعَ جميعًا دِينَ إبراهيم عليه السلام، دينَ الحنيفيَّةِ السَّمْحاءِ التي مالت عن كلِّ دين باطل. ثم بيَّن جل وعلا أن إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ مِن المشرِكِينَ الضالِّين.

136

ثم وجَّه جل وعلا الخطابَ للمؤمنين آمِرًا لهم أن يقولوا لليهودِ والنصارى: لقد آمَنَّا بالله وحده لا شريكَ له، وآمنَّا بما أُنزِلَ إلينا مِن القرآن، وما سنَّه لنا نبيُّنا محمد ﷺ، وآمنَّا بالصحفِ التي أُنزِلَتْ على إبراهيمَ وابنَيْهِ إسماعيلَ وإسحاق، ويعقوبَ، والأسباطِ، وهم: الأنبياءُ مِن ولد يعقوب، وهم اثنا عشَرَ سِبْطًا، وآمنَّا بالتوراة التي أُعطِيَتْ لموسى عليه السلام، وبالإنجيلِ الذي أُعطِيَ لعيسى عليه السلام، وآمنَّا بكلِّ ما أُعطِيَ النبيُّونَ مِن وحيِ ربِّهم، لا نفرِّقُ بينهم؛ فنؤمِنُ ببعض، ونكفُرُ ببعض! بل نؤمِنُ بجميع الرسل، ونحن منقادون إلى ربِّنا، خاضعون له بالطاعة والعبادة، ونحن أيضًا معلنون هذا المعتقدَ وهذا المبدأَ على الملإ، لا نخافُ في الله لَوْمةَ لائم.

137

ثم بيَّن جل وعلا أن أهل الكتاب إذا آمنوا بالله إيمانًا كإيمانكم مماثِلًا له مِن كلِّ الوجوه، فقد اهتدَوْا إلى الحق، وإلى الصراطِ المستقيم، وإن أعرَضُوا وجانبوا الحق، فإنَّهم في خلافٍ وتفرُّقٍ وفِتْنة، واعلم -أيها النبي- أن الله سوف يكفيك شرَّهم ومَكْرَهم، وينصُرَك عليهم؛ فإنه سبحانه هو السميعُ لأقوالكم جميعًا؛ فلا تختلِفُ عليه اللهَجاتُ، وتعدُّدُ اللغات، والعليمُ بالظواهر والبواطن؛ فلا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء.

138

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا دِينُ الله؛ فالتزِمُوهُ وتمسَّكوا به، وقوموا به قيامًا تامًّا؛ فليس هناك دِينٌ أحسَنَ مِن دين الله، ولا هَدْيٌ أحسَنَ من هَدْيِ الله، وعبَّر بالصِّبغةِ ردًّا على النصارى، وقولوا لكلِّ الناس: نحن طائعون لربِّنا، منقادون لأوامره، مخلِصونَ له وحده.

139

ثم أمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نبيه ﷺ أن يقولَ لأهل الكتاب: أتجادِلُوننا في دِينِ الله، وهو ربُّنا وربُّكم، وخالِقُنا وخالِقُكم، ورازِقُنا ورازِقُكم، وكلٌّ منا ومنكم له عمَلُه؛ فكيف بعد ذلك تدَّعون أنكم أَوْلى بالله منَّا، وأنَّكم أحقُّ بألَّا يختارَ رسولًا إلَّا منكم؟! وإنما يحصُلُ التفضيل بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده؛ ولذا تعيَّن أن يكون المؤمنون هم أَوْلى بالله من غيرهم؛ لأنهم أخلَصوا لله وحده لا شريكَ له.

140

ثم أخبَرَ المولى عز وجل عما يزعُمُهُ اليهودُ: أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباطَ الاثنَيْ عشَرَ الذين هم مِن ولد يعقوب، كانوا يهودًا، وما يزعُمُ النصارى: أنهم كانوا نصارى، وهذا كذبٌ وافتراءٌ على أنبياء الله؛ ولذا أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: أأنتم أعلَمُ أم الله؟! فاللهُ سبحانه أخبَرَنا أنهم مسلمون. ثم بيَّن جل وعلا: أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا ممن أخفى الحقيقةَ التي بيَّنها ووضَّحها سبحانه في التوراةِ والإنجيل، وهي أن الأنبياء كانوا على الإسلام، ثم بيَّن سبحانه أنه ليس بغافلٍ عن شيءٍ مِن أعمالِكُمُ القبيحةِ يا أهل الكتاب، بل إنه جل في علاه مُحصِيها لكم، وسيجازيكم عليها.

141

ثم كرَّر جل وعلا هذه الآية؛ فأخبَرَ أنَّ تلك الجماعةَ مِن الأنبياء والرسل، وأتباعِهم مِن المؤمنين الذين قصَصْنا عليكم شيئًا من سِيرَتهم مع أقوامهم، قد مضَوْا وانتهَوْا، وأنَّ لهم أعمالَهم، ولكم أعمالُكم، وكلٌّ سيجازى بما قدَّم، ولن يُؤاخَذَ أحدٌ بذنبِ غيره، ولن يَنفَعَ العبدَ يومَ القيامةِ إلا إيمانُهُ وتقواه، وما نشَرَهُ مِن الأعمال الصالحة المتعدِّي نفعُها، والذُّرِّيَّةِ المؤمنة.

142

أخبَرَ جل وعلا أن السفهاء والجهلاء من اليهود وأمثالهم سيقولون: لماذا ترَكَ محمَّدٌ وأصحابُه قِبْلتَهم التي كانوا يتوجَّهون إليها، وهي بيت المقدس، وتوجَّهوا إلى الكعبة؟!، وفي حديثِ البراءِ الذي أخرجه البخاريُّ؛ أن النبيَّ ﷺ صلَّى نحو بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، ثم صرفَه اللهُ نحو الكعبة[11]؛ فأمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا أن المشرق والمغرب وما بينهما مِلْكٌ لله وحده، لا يشاركه فيه أحد من خَلْقه، وأنه سبحانه يَهْدِي من يشاء من عباده إلى طريق الهداية والاستقامة.

143

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه كما هداكم -أيها المسلمون- إلى دين الإسلام، وإلى قِبْلةِ أبيكم إبراهيم عليه السلام، فكذلك جعلكم عدولًا خيارًا وسَطًا لا إفراطَ ولا تفريط؛ لتشهدوا على الأمم يوم القيامة أن الرسل بلَّغتهم رسالةَ ربهم، ويكونَ الرسول ﷺ شهيدًا عليكم؛ فيزكِّيكم ويَشهَد بصدقكم. ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ أنه ما جعل القِبْلةَ التي كان يصلِّي لجهتها، وهي بيت المقدس، ثم حوَّله إلى الكعبة، إلا امتحانًا واختبارًا للناس؛ ليتبيَّن مَن يتَّبعه ويؤمن به، ومن يرفض ويرتد عن دينه، وبيَّن سبحانه أنه يعلم أن تحويل القبلة أمرٌ عظيمٌ وشاقٌّ، إلا على الذين هداهم الله، ومَنَّ عليهم بالإيمان والتقوى. واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله ما كان ليُضِيعَ إيمانَكم -أي: صلاتَكم- قبل تحويل القبلة، وسمَّى سبحانه الصلاةَ: إيمانًا؛ تعظيمًا لشأنها، وفيه دلالة أن العمل من الإيمان. ثم ختَمَ جل شأنه الآيةَ مخبِرًا أنه رؤوفٌ بعباده المؤمنين، وأنه رحيمٌ بهم، والرأفةُ أشدُّ الرحمةِ، ومِن رحمته: أنه لن يُضِيعَ سبحانه صلاة من مات قبل تحويل القِبْلة؛ وذلك أن بعضهم سأل رسول الله ﷺ عن صلاة أولئك الذين ماتوا قبل تغيير القبلة: هل هي باطلة أو لا؟ وقد أخبر سبحانه في مواضع من كتابه: أنه لا يُضِيعُ عمل عامل من المؤمنين من ذكر أو أنثى؛ قال تعالى: ﴿أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ﴾ [آل عمران:١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا﴾ [النساء:١٢٤]، وغيرها من الآيات.

144

ثم قال جل وعلا لنبيِّه ﷺ: إنَّنا نرى كثرةَ نظَرِك إلى السماء -أيها النبي- شوقًا وانتظارًا لنزول الوحي في شأن القِبْلة؛ فالآن سوف نوجِّهك إلى قِبْلةٍ تحبُّها وترضاها. ثم أمَرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يتوجَّه في صلاته إلى جهة الكعبة، وأمَرَ المسلمين إذا أرادوا الصلاة في أي مكان كانوا، أن يتوجَّهوا إلى الكعبة. واعلم -أيها النبي- أن الذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يعلمون أنك على حقٍّ في استقبال الكعبة، وأنها فرضُ الله تعالى على إبراهيمَ وذريتِه، وأنَّ ذلك في كتُبِهم، ولكنهم يعاندون ويكابرون بغيًا وحسدًا، وما الله بغافل عن أعمالهم؛ فإنه مُحصِيها لهم، وسيجازيهم عليها.

145

ثم أخبَرَ جل شأنه نبيَّه ﷺ أنَّك لو جئتَ لهؤلاء اليهود والنصارى بكل برهان ودليل على أن توجُّهك إلى الكعبة هو الحق، فإنهم لن يتَّبعوا قِبْلتك عنادًا واستكبارًا، وأيضًا: فإنه لا يجوز لك أن تعود مرَّة أخرى، فتستقبِلَ قِبْلتهم، كما أن اليهود والنصارى لن يتَّبع بعضهم قِبْلة بعض. واعلم -أيها النبي- أنك إذا اتَّبَعْتَ أهواء اليهود والنصارى الباطلةَ بعد أن عرَفْتَ الحقَّ، فإنك حينئذ ظالمٌ لنفسك. وهذا الخطاب -وإن كان موجَّهًا للنبي ﷺ - فإن أمته هي المقصودة بذلك؛ لأنه ﷺ معصومٌ مما هو أقلُّ من ذلك، ولأن الله حقَّق رغبته في الاتجاه إلى الكعبة.

146

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود والنصارى يعرفون محمَّدًا ﷺ، ويعرفون أنه مرسَلٌ من عند الله، كما يعرفون أبناءهم، ولكنَّ طائفةً منهم يكتمون الحق بغيًا وحسدًا؛ مع أنهم يعلمون أنه مرسَلٌ من عند رب العالمين، لأنَّ الله أوضح ذلك في كتابِهم.

147

واعلم -أيها النبي- أن هذا الذي أُنزِلَ عليك -وهو القرآن الكريم- هو الحق من ربِّك؛ فلا تكونَنَّ من الشاكِّين فيه. وهذا الخطاب -وإن كان موجَّهًا للنبي ﷺ - فإنَّ المقصود: إبلاغُ أمَّته؛ لأنه معصوم ﷺ من الشك، ومما هو أقل من ذلك.

148

ثم أخبَرَ جل وعلا أن لكل أهل ديانةٍ: شريعةً وقِبْلةً يتوجَّهون إليها، ولا يعني هذا إقرار الكفَّار على كُفْرهم، وإنما المقصودُ: تسليةُ المؤمنين، وتثبيتُهم على الحق الذي هم عليه؛ ولهذا أمَرَ سبحانه المؤمنين بالمبادرة إلى ما أمَرَهم به من فعل الخيرات؛ وذلك باستقبال الكعبة التي وجَّههم إليها، فإنَّكم أينما تكونوا؛ سواءٌ كنتم في بَرٍّ أمْ بحرٍ أمْ جَوّ؛ فإن الله سوف يبعثُكم ويَجمَعُكم يوم القيامة جميعًا، ثم يُجازِيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرَّا فشرٌّ؛ فإنه سبحانه على كل شيء قدير، لا يُعجِزُهُ شيء في الأرض، ولا في السماء.

149

ثم خاطب جل وعلا نبيَّه ﷺ لإبلاغ أمَّته، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ومِن أي مكان خرَجْتَ -أيها النبي- قاصدًا السفر، شرقًا أو غربًا، جنوبًا أو شمالًا، فتوجَّه في صلاتك إلى المسجد الحرام. واعلم -أيها النبي- أن هذا هو الحق من ربك، وما الله بغافل عما تعملون -أيها الناس- من الأعمال، وسوف يجازيكم علىها.

150

ثم كرَّر جل وعلا الأمر لنبيِّه ﷺ بالتوجُّه إلى المسجد الحرام، فقال له: ومِن أي مكان خرَجْتَ -أيها النبي- فتوجَّهْ في صلاتك إلى المسجد الحرام. ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين في أي موضع من الأرض كانوا: أن يتوجَّهوا في صلاتهم إلى المسجد الحرام؛ حتى لا يكون للمخالفين من أهل الكتاب احتجاج عليهم بالمخاصمة والمجادلة، إلا أهلَ الظُّلْم والعناد منهم؛ فهؤلاء لا سبيل لإقناعهم. ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين ألَّا يخافوا من هؤلاء المجرمين من أهل الكتاب، وعليهم أن يخافوا من الله وحده؛ وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله أمَرَكم بالتوجُّه للمسجد الحرام؛ لكي يُتِمَّ نعمته عليكم، وهو التوجُّه لأفضل بيت بناه؛ لعلكم تهتدون إلى ما ضلَّت عنه الأمم السابقة.

151

ثم بيَّن سبحانه أنه كما أنعم عليكم -أيها الناس- باستقبال الكعبة، فقد أنعم عليكم مِن قبلُ بإرسالِ رسولٍ منكم تَعرِفونَ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأمانته، يتلو عليكم القرآن الكريم، ويطهِّركم من كل رِجْسٍ ودَنَس، ويعلِّمكم أحكامَ القرآن والسُّنَّة النبوية، وأحكامَ الشريعة، ويعلِّمكم ما لم تكونوا تَعرِفونَهُ مِن علوم الدين والدنيا.

152

ثم أمَرَ جل وعلا عباده بالإكثار من ذِكْره؛ فإن مَن أكثر من ذكر الله، فسوف يجازيه الله بأفضل الجزاء، وهو ذِكْرُ الله له في الملأ الأعلى. وقد قيل: (مَن أكثَرَ مِن ذِكْرِ الله، أحبَّه الله وذكَرَه). ثم أمَرَ سبحانه عباده أن يُكثِروا من شكره على ما أنعَمَ عليهم من النِّعَم، وحذَّرهم من إنكار هذه النِّعَمِ وجحودها، وفي الحديث: «اللَّهُمَّ، أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»[12].

153

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يستعينوا في جميع أمورهم الدينيَّة والدنيويَّة بالصبر والصلاة، وأخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه مع الصابرين المؤمنين؛ يُعِينُهم ويوفِّقهم ويسدِّدهم. والاستعانة بالصبر تكون على ثلاثة أقسام: 1-   صبرٌ على طاعة الله. 2-   وصبرٌ عن معصية الله. 3-   وصبرٌ على أقدار الله المؤلِمة. أما الاستعانةُ بالصلاة: فيكون ذلك بأدائها في أوقاتها المحدَّدة، بكامل أركانها وواجباتها وسُنَنها، بخشوع وخضوع، وأن يستحضِرَ المصلِّي أنه واقف بين يدَيْ ربه، ويَعلَمَ أن الصلاة يجب أن تنهى عن الفحشاء والمنكر. وفي هذه الآية: إثباتُ معيَّة الله الخاصَّة بالمؤمنين، التي تقتضي محبتَهُ ومعونتَهُ ونَصْرَه. أما معيَّةُ اللهِ العامَّةُ المقتضيةُ للعلم والقدرة والإحاطة، فهي لجميع الخلق.

154

ثم طلب جل وعلا من المؤمنين ألَّا يقولوا لمن يُقتَلُ في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا: إنهم أموات، بل هم أحياءٌ عند ربهم حياةً خاصَّةً لا يعلم كيفيَّتَها إلا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولكنكم لا تُحِسُّون -أيها الناس- بهذه الحياة. وفي هذه الآية: أعظمُ حثٍّ على الجهاد في سبيل الله، وملازمةِ الصبر عليه، وفيها إثباتُ نعيمِ البرزخ وعذابِه.

155

ثم بيَّن -جلَّ في علاه- أنه سوف يختبِرُكم -أيها الناس- بشيء من المصائب والشدائد، ومن ذلك: الخوفُ من الأعداء، والجوعُ بقلَّة الغذاء، ونقصُ الأموالِ بفَقْدِها، أو صعوبةِ الحصولِ عليها، وفِقْدانُ الأبناء والأحباب بالموت، وهلاكُ الثمار، ثم أمَرَ سبحانه نبيَّه أن يبشِّر الصابرين الذين صبروا على أقدار الله المؤلِمة بالفوزِ بالجنةِ والمغفرةِ والرحمة.

156

ثم بيَّن سبحانه أن أولئك الصابرين هم الذين إذا أصابَتْهم مصيبة، صبروا واحتسبوا، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أي: إنا عبيدٌ لله، وإنا صائرون إليه بعد الموتِ.

157

ثم أخبَرَ سبحانه أن أولئك الصابرين المحتسبين لهم ثناءٌ وتمجيدٌ ورحمةٌ عظيمةٌ من ربهم، وأنهم موفَّقون للخلاصِ من الابتلاءات، والهدايةِ إلى طريق الرشاد والسعادة والفلاح.

158

أخبَرَ جل وعلا أن الصفا والمروة من أعلام دِينِهِ الظاهرة التي تعبَّد بها عباده؛ فمَن أراد الحج أو العمرة، فلا إثم عليه أن يطَّوَّف بينهما سبعة أشواط؛ بل يجبُ عليه فعل ذلك؛ وذلك أن الصحابة -رضوان الله عليهم- بعد أن منَّ الله عليهم بالإسلام، تحرَّجوا من الطواف بين الصفا والمروة في وجود الأصنام، وخافوا أن يكونوا مشابِهينَ للكفَّار؛ فبيَّن سبحانه أنهما من شعائر الله، وأنه لا إثم عليهم في ذلك؛ لأنه أمر خارج عن إرادتهم. وبعد فتح مكة: تَمَّ -ولله الحمد- تطهيرُ الكعبةِ وجميعِ المسجد الحرام من مظاهر الشرك والكفر. واعلموا -أيها الناس- أن مَن فعَلَ الطاعة مخلصًا بها لله وحده لا شريك له، فإن الله شاكرٌ يُثِيبُ على القليل بالكثير، وهو عليمٌ بمَن يستحِقُّ الثواب بحسَبِ نيَّته وإيمانه وتقواه، وعليمٌ بمَن لا يستحِقّ.

159

أخبَرَ جل وعلا أن كل من كتَمَ الحق -من أهل الكتاب، أو من هذه الأمَّة- بعد أن بيَّنه الله وأظهره للناس في التوراة والإنجيل والقرآن، فإن الله يَلعَنُهُ فيطرُدُهُ من رحمته، ويلعنه جميع الخلق من أهل السموات والأرض.

160

ثم بيَّن سبحانه أن مَن تاب وأناب ورجع، واعترف بخطئه، وأصلح ما أفسده، وبيَّن ما كتمه، فأولئك يَقبَلُ الله توبتهم ورجوعهم؛ لأنه التوَّابُ على من تاب، والرحيمُ الذي وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

161

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا، ولم يتوبوا، بل استمرُّوا على ذلك حتى ماتوا وهم كفَّار، فأولئك عليهم لعنة الله؛ فيطرُدُهم من رحمته، وتَدْعُو عليهم الملائكة وجميع الناس باللعنة.

162

ثم بيَّن سبحانه أنهم خالدون في نار جهنَّم، لا يخفَّف عنهم العذاب، ولا يُمهَلون، أو يُعذَرون.

163

واعلموا -أيها الناس- أن إلهكم إله واحدٌ أحد، فردٌ صَمَد، متفرِّدٌ في ذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله؛ لا شبيه له ولا مثيل، ولا نِدَّ ولا نظير، ولا معبودَ بحقٍّ إلا هو، الرحمن الرحيم؛ المتصِفُ بالرحمة العظيمة التي لا تماثلها رحمةُ أحدٍ من الخلق.

164

أخبَرَ جل وعلا أن في خَلْق السموات بارتفاعها وعظَمَتها، وفي خَلْق الأرض وما فيها من الجبال والسهول والبحار، وفي خَلْق الليل والنهار وتعاقُبهما على الدوام، وفي خَلْق السُّفُن والمراكب التي تجري في البحار لِنَفْعِ الناس، وما أنزَلَ الله من السماء من المطر لإحياء الأرض المَيْتة، وما نشَرَ سبحانه في الأرض من الدوابِّ على اختلافِ أنواعها وأشكالها، وما أنعَمَ الله به من تقلُّب الرياحِ والسحابِ المسيَّرِ بين السماء والأرض-: أدلَّةً وبراهينَ عظيمةً على قدرة الله ووحدانيَّته، وعظيمِ سُلْطانِهِ ورحمته؛ لكلِّ مَن كان له عقل يتدبَّر به، ولمن يَفهَمُ أدلَّتَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويَعرِفُ معناها ومقصودها.

165

ثم قال -جلَّ في علاه-: ومع هذه الأدلة القاطعة البيِّنة، الواضحة الدَّلَالةِ على عظيم سُلْطانه وقدرته وحكمته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يُوجَدُ من الناس -بسبب جهلهم وعنادهم وتكبُّرهم- مَن يتَّخذون من دون الله أصنامًا وأوثانًا يجعلونهم شركاء لله؛ يحبُّونهم كحب المؤمن لله، وهناك مِن المسلمين مَن يلتجئ إلى الصالحين ويُعطُونهم من المحبَّة والتعظيم في قبورهم ما لا يليق إلا بالله وحده. ثم بيَّن سبحانه أن الذين آمنوا بالله أشدُّ وأعظمُ حبًّا لله مِن حبِّ الكفار لآلهتهم؛ لأنهم أخلصوا المحبَّة لله وحده، ولو يَعلَمُ الذين أشركوا بالله، كيف تكون حالهم يوم يَرَوْنَ العذاب يوم القيامة، ويعلمون أن القدرة لله وحده، وأنه سبحانه شديدُ العذاب-: لَمَا اتَّخَذوا من دون الله آلهة يعبُدُونها ويتقرَّبون إليها من دونه جل شأنه؛ فهم لا يُعذَرونَ بجَهْلِهم في هذا؛ لأن الدعوة وصَلَتْهم، والرسالة بلَغَتْهم.

166

أخبَرَ جل وعلا أن أئمة الكفر والضلال يتبرَّؤون يوم القيامة ممن اتَّبعوهم على الكفر والشرك، بعد أن رأَوُا العذاب الذي لا طاقة لهم به، بل وتنقطِعُ بينهم المودَّة والصِّلات والمصالح التي ارتبطوا بها في الدنيا، وتَظهَرُ بينهم العداوة والبغضاء.

167

ثم أخبَرَ جل وعلا أن التابعين يَتَمَنَّوْنَ لو أنهم يُرَدُّونَ إلى الدنيا، فيتبرَّؤوا من متبوعيهم، كما تبرَّأ المتبوعون منهم، ثم يُقبِلوا على عبادة الله وحده لا شريك له، ولكنْ هَيْهَاتَ! لقد فات الأمر؛ فكما رأوا شدَّة العذاب، فإنهم سوف يَرَوْنَ أعمالهم الباطلة حسَراتٍ عليهم، ثم يكونُ مآلهم إلى نار جهنَّم يدخُلُونها، ولن يخرُجُوا منها أبدًا.

168

ثم خاطَبَ جل وعلا الناسَ جميعًا مؤمِنَهم وكافِرَهم، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: كُلُوا -أيها الناس- مما أباحه الله لكم في الأرض، واحذروا أن تسلكوا طرائق الشيطان في التحليل والتحريم؛ لأن الشيطان يتدرَّج بكم في إخراجكم من الصلاح شيئًا فشيئًا؛ فإن الشيطان عدُوٌّ ظاهرُ العداوةِ لكم جميعًا.

169

ثم يقولُ جل وعلا: إن الشيطان يأمُرُكم -أيها الناس- بكل الذنوب والمعاصي، وأن تَفْتَرُوا على الله الكذب بالتحليل والتحريم بلا علم، وأن تبدِّلوا وتغيِّروا في شرع الله كذبًا وافتراءً.

170

أخبَرَ جل وعلا عن حال الكفار: أنهم إذا أُمِروا باتِّباع ما أُنزِلَ على رسول الله ﷺ، ردُّوا قائلين: بل نتَّبِع ما وجدنا عليه آباءنا، فقال سبحانه منكِرًا عليهم: أتتَّبِعون آباءكم حتى لو كانوا سفهاء؛ لا عَقْلَ يَرْدَعُهم، ولا هُدَى يدُلُّهم على طريق الحق؟! وقال تعالى في آية أخرى شبيهة بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ [المائدة:104]، وفي هذا تبكيتٌ ولَوْمٌ لهم.

171

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الكفار عند دعوتهم إلى الهدى والحق والإيمان، مثلُ الراعي الذي يَصِيحُ بغَنَمه؛ فهي تسمع صوته، ولا تفهم مراده، واعلموا: أن هؤلاء الكفار صُمٌّ عن سماع الحق، خُرْسٌ عن النطق به، عُمْيٌ عن مشاهدة آيات الله الباهرة في السموات والأرض، وأنهم كمَن فقَدَ عقله، وصار كالأنعام التي لا عَقْلَ لها.

172

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يأكلوا من كل ما لَذَّ وطاب من الأطعمة التي رزَقَهم وأحلَّها لهم، وعليهم أن يشكروا هذه النِّعَم؛ إنْ كانوا يعبدون الله بحق.

173

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله سبحانه لم يحرِّمْ عليكم إلا أكلَ ما يضُرُّكم؛ كالمَيْتة التي ماتت من غير تذكية شرعية، والدمِ المسفوح، أما الدمُ الذي يبقى في العروق واللحم والعظام والكبد والقلب ونحو ذلك، فلا شيء فيه، وكذلك مما حرَّم الله عليكم: لحمَ الخنزير، وكلُّ ما ذُبِحَ لغير الله؛ كالذي يُذبَحُ للأصنام وللأضرحة وغيرها، ولكنْ مَن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرَّمات، فإن الله أباح له ذلك، ولا إثم عليه؛ بشرط أن يأكُلَ بقَدْرِ ما يَحفَظُ حياته؛ فلا يأكُلُ من غير ضرورة، ولا يتجاوَزُ في أكله قَدْرَ الضرورة؛ فلئنْ كانت الضرورات تُبِيحُ تلك المحظورات، فإن الضرورة تقدَّر بقَدْرها. ثم ختم سبحانه الآية مبيِّنًا أنه كثيرُ المغفرة لعباده المؤمنين، وأنه رحيمٌ بهم، ومن رحمته: أنه أباح لهم ما حُرِّمَ عليهم؛ إذا ألجأتهم الضرورة لذلك.

174

أخبَرَ جل وعلا أن الذين يُخفُونَ ما أنزل الله من الحق، كاليهود وغيرهم، ويأخذون مقابل ذلك ثمنًا قليلًا، سوف يَجعَلُ الله في بطونهم نارًا؛ بسببِ ما أكلوه من المال الحرام، ولن يكلِّمهم سبحانه يوم القيامة؛ بسببِ غضَبِهِ وسخَطِهِ عليهم، ولن يطهِّرهم من دنَسِ الكفر والمعاصي، ولهم يوم القيامة عذابٌ أليمٌ مُوجِعٌ لا يطاق. ولا شك أن الثمن الذي يؤخذ مقابل كتمان آيات الله أو تحريفها -مهما كان كثيرًا- فإنه قليلٌ بالنسبة لعقوبة الله، وبالنسبة لما أعدَّه سبحانه للمتقين.

175

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الكفار الذين كتموا آيات الله، قد اختاروا الضلالة على الهدى، واختاروا العذاب في النار، على مغفرة العزيز الغفَّار؛ فما أشَدَّ جرأتَهم على النار التي لا تطاق لما فيها من العذاب الأليم. والاشتراءُ: هو بَذْلُ الثمَنِ لامتلاك السِّلْعة المطلوبة، ثم تُوُسِّعَ فيه؛ فاستُعمِلَ في الرغبة عن الشيء طمعًا في غيره.

176

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا العذاب الذي استحقُّوه إنما هو بسبب كفرهم بما أنزل الله على رُسُلِهِ من الحق، وبيَّن أن الذين اختلفوا في الكتاب؛ فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، في محادَّةٍ لله، ونزاعٍ بينهم، وبُعْدٍ عن الرشدِ والصواب.

177

واعلموا -أيها الناس- أن الخير ليس محصورًا في توجُّه الإنسان في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب فقطْ، ولكنْ هناك أنواعٌ من الخير يجب الحرص عليها، ومن ذلك: الإيمان بالله؛ باتِّباعِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهيه، والإيمانُ باليوم الآخر، والإيمانُ بالملائكة، والإيمانُ بجميع الكتب السماوية، والإيمانُ بجميع الرسل دون تفريق بينهم. وكذلك: الخيرُ في التصدُّقِ بالمال -مع شدَّة حبِّه له- على ذوي القربى، وعلى اليتامى المحتاجين، وعلى المساكين الذين لا يملكون ما يَكْفِيهم ويسُدُّ حاجتهم، وعلى ابن السبيل الذي انقطَعَتْ به السبل، وعلى السائلين الذين اضطروا للسؤال لشدة حاجتهم، وفي تحرير الرقيق والأسرى. وكذلك: الخيرُ في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود والمواثيق، والصبر على الفقر والمرض، والصبر في شدة القتال. ثم بيَّن سبحانه أن كل من اتَّصَفَ بهذه الصفات، فقد صدَقَ في إيمانه وإخلاصه، وأنه من أصحاب التقوى حقًّا؛ لأنهم اتَّقَوْا عذاب الله بالبعد عن الذنوب والمعاصي. وقوله: ﴿وَٱلۡمُوفُونَ﴾، جاءت مرفوعةً للاختصاص، وبيانِ أهمِّيَّةِ الوفاء بالعهود.

178

هذا نداءٌ من الله لعباده المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله، وعَمِلوا بشرعه؛ بيَّن فيه أنه فرَضَ عليهم القصاص مِن كلِّ مَن وقَعَ في جريمة القتل عمدًا؛ وذلك بقتله. ثم فصَّل سبحانه؛ فأخبر أن الحُرَّ يُقتَلُ بالحُرّ، والعبدَ يُقتَلُ بالعبد، والأنثى تُقتَلُ بالأنثى. ثم بيَّن سبحانه أن مَن عفا وأسقط حقَّه في القصاص ورَضِيَ بالدِّيَة، فعلى صاحب الحق أن يَقبَلَ بالدِّيَةِ مِن غير أن يشُقَّ على خصمه، وعلى القاتل أن يَدفَعَ الدِّيَةَ مِن غير تسويفٍ أو مماطلة. ولا شك أن إسقاطَ القصاصِ والقَبُولَ بالدِّيَة هو تخفيفٌ ورحمةٌ مِن الله تعالى؛ فمَن اعتدى بعد ذلك وقام بقتل القاتل بعد العفو عنه وأخذ الدية، فله مِن الله عذابٌ أليمٌ شديدٌ مُوجِع؛ وذلك بالاقتصاص منه في الدنيا، وبالعذابِ في النار في الآخرة. قال المفسِّرون: (المقصودُ من هذه الآية: منعُ التعدِّي على غير الجاني، وكذا بيانُ شرعيَّةِ القصاص الذي يجبُ أن ينفِّذه الحكام وأمراء المؤمنين). وقد ورد أن الإمام الثوري وأبا حنيفة يقولان بقتلِ الحُرِّ بالعبد، والمؤمنِ بالكافر، وأن التفاضل في النَّفْسِ غيرُ معتبر؛ بدليل قتل الجماعة بالواحد. وأما الجمهور: فلا يقولان بقتلِ الحُرِّ بالعبد، ولا المؤمنِ بالكافر.

179

واعلموا -يا أصحاب العقول السليمةِ، والأفكار القويمةِ- أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شرَعَ لكم القصاص؛ لكي تُحقَنَ الدماء، وتتحقَّق الحياة الآمنة، ولكي تتَّقوا الله، فتكُفُّوا عن البغي والعدوان والظلم. ولا شك أن من فكَّر في اقتراف جريمة القتل، وعرَفَ أنه سيُقتَلُ جزاءً، عدَلَ عن هذه الجريمة؛ فكان في تركه القتلَ حياةٌ للطرفَيْن.

180

أخبَرَ جل وعلا أنه فرَضَ على كل مؤمن مَنَّ الله عليه بمال، وعليه التزاماتٌ وديونٌ، وشعَرَ بقرب الأجلِ وعلامات الموت: أن يكتُبَ وصيَّته للوالدَيْنِ والأقربين بالعدل؛ بشرط ألَّا تزيد الوصيَّة لهم عن الثلث، ثم أخبر سبحانه أن هذه الوصية حق واجب على المتقين الذين يخافون الله في السر والعلن، أما إذا لم يكن عليه ديون أو التزامات، فإنه يُستحَبُّ له الوصيَّةُ، وليست فرضًا. وقد ورَدَ في هذه الآية قولان: القول الأول: أنها نُسِخَتْ بآية المواريث. والقول الثاني -وهو الأحسَنُ-: أنها للوالدَيْنِ المحجوبَيْنِ اللذَيْنِ لا يستحِقَّانِ من الفروض الإِرْثية شيئًا؛ كالجَدِّ المحجوب بأبِ الميت، والجَدَّةِ المحجوبة بالأم المباشِرة، ونحوِهم من الأقارب الذين ليس لهم فروض إِرْثية؛ فلا يُحرَمونَ من الوصيَّة؛ إذا أوصى لهم الوارث.

181

ثم أخبَرَ سبحانه أن مَن غيَّر هذه الوصيَّة، أو حرَّف فيها، أو كتمها، فإن إثمها على مَن ارتكب ذلك. واعلموا -أيها الناس- أن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأحوالكم؛ فهو يَسمَعُ ويرى كل ما كان في هذه الوصية، ويَعلَمُ عمل المُوصِي ونيَّته.

182

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من تخوَّف من مَيْل الموصي أو جَوْره في الوصيَّة؛ على سبيل الخطأ أو العمد، فأضَرَّ بالورثة؛ كأن يوصيَ بأكثر من الثلث، أو يوصيَ بحِرْمانِ بعض الورثة، فإنه لا يجوز تنفيذ مثل هذه الوصيَّة، وعلى مَن حضَرَ الوصيَّة أن يَنصَحَ الموصيَ بأن يَعدِلَ في الوصية؛ فإذا لم يَرْضَ، فعليه أن يسعى في الإصلاح بين الورثة: بأن يغيِّروا الوصية؛ لتصبح كما شرع الله، وليس على المُصلِح ذنبٌ بهذا التغيير؛ لأن المقصود من هذا التغيير هو الوصول إلى الحق، واللهُ عظيمُ المغفرة؛ يَغفِرُ لمن تاب من عباده، رحيمٌ بهم، وقد وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

183

هذا نداءٌ من المولى عز وجل لعباده الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشَرْعه؛ بيَّن فيه أنه فرَضَ عليهم الصيام، كما فرَضَهُ على الذين مِن قبلهم؛ لعلهم بهذا الصوم أن يكونوا من المتقين، الذين يتَّقون الله؛ باتِّباعِ أوامره، واجتنابِ نواهيه. ومعلوم أن صوم رمضان يجبُ برؤية هلال رمضان، واختلف أهل العلم: إذا رُئِيَ الهلال في بلد، فهل يجب الصوم على جميع أهل البلدان، أو لكل أهل بلد رؤيته؟: قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: إذا رُئِيَ الهلال في بلد، وجب الصوم على كل المسلمين. أما الشافعي: فقد فصَّل؛ حيثُ قال: إذا رُئِيَ الهلال في بلد، لزم الصومُ أهلَ البلاد القريبة دون البعيدة، وأما البلاد البعيدة، فلكل بلد رؤيته، أي: حسَبَ تعدُّد المطالع؛ وعمَلُ المسلمين اليوم على هذا القول.

184

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّه فرَضَ عليكم -أيها الناس- الصيام أيَّامًا معدودة؛ فمَن كان منكم مريضًا لا يُطِيقُ الصيام، أو كان مسافرًا يشُقُّ عليه الصيام، فقد رخَّص الله له في الفطر، وعليه أن يَقضِيَ الأيام التي أفطرها بعد رمضان، أما الذين يشُقُّ عليهم الصيام، ولا يَقدِرونَ عليه؛ كالشيخ الكبير، والمريض الذي لا يُرجَى شفاؤه، فعليهم فِدْيةٌ عن كل يوم يُفطِرونه، وهي إطعامُ مسكين، ومَن زاد في الفدية، فهو فضلٌ وخيرٌ له. ثم بيَّن سبحانه أن الصيام مع تحمُّل المشقة، أفضلُ لكم مِن الفطر وإعطاء الفِدْية؛ إن كنتم تعلمون -أيها الناس- فضل الصيام ومنافعه وفوائده. وأكثر المفسِّرين على أنَّ: الرخصةُ الواردةُ في قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ﴾، منسوخةٌ بالآيةِ التي بعدها، وهي قوله: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾. وقال آخرون: (إنها نُسِخَتْ بالنسبة للقادر، أما الشيخُ الكبير العاجز، والمرأةُ الكبيرة العاجزة، أو المصابُ بمرض لا يُرجَى زواله، وقد قرَّر الطبيبُ المختصُّ أن الصوم يضُرُّه، ومَن كانت ظروفه شبيهة بهذه الحالات-: فإنها غير منسوخة في حقِّه؛ وهذا هو الذي عليه عمَلُ المسلمين اليوم).

185

ثم أخبَرَ جل وعلا أن شهر رمضان هو الشهر الذي أُنزِلَ فيه القرآن الكريم، وهذا القرآن جعَلَ اللهُ فيه الهدى والنور للناس، وهو كتاب واضح في أحكامه ودلائله، لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خَلْفه، وقد فرَّق الله به بين الهدى والضلال، والحق والباطل؛ ولذا يجب على مَن حضَرَ منكم شهر رمضان: أن يصومه، وأما مَن كان مريضًا لا يُطِيقُ الصيام، أو كان مسافرًا، فيرخَّص له بالفطر، ولكنْ عليه أن يقضي ما أفطره بعد انتهاء الشهر. واعلموا -أيها الناس- أن الله يريد لكم التسهيلَ واليُسْر، ولا يريد لكم المشقة والعُسْر، وعليكم أن تتموا صيام الشهر بقضاء ما أفطرتم، وأن تختموا شهركم بتكبير الله، من رؤيةِ الهلالِ إلى صلاة العيدِ؛ تعظيمًا له على أنْ هداكم، ووفَّقكم، ويسَّر أموركم، وأن تشكروه سبحانه على نِعَمِهِ التي أنعم بها عليكم، ومن ذلك إخراج زكاة الفطر، ودفعُها إلى مستحقِّيها؛ فهذا من شكر الله على إتمام صيام شهر رمضان.

186

ثم أمَرَ سبحانه نبيَّه ﷺ إذا سأله الناس: هل ربُّنا قريبٌ فنُنَاجيه، أو بعيدٌ فنُنَاديه؟ أن يجيبهم: بأنه قريبٌ من عباده، وأنه يجيبُ دعوة الداعي إذا دعاه؛ مع أنه فوق عرشه، وعليهم إذا أرادوا إجابة دعائهم: أن يستجيبوا لأوامر الله، وأن يثبُتُوا على الإيمان الصحيح؛ لعلهم يهتدون إلى طريق الفلاح والإيمان والعمل الصالح.

187

أخبَرَ جل وعلا أنه أباح للناس في ليالي رمضان جِمَاعَ نسائهم؛ لأنهنَّ سِتْرٌ وحفظٌ لهم، وهم سِتْرٌ وحفظٌ لهنَّ؛ وذلك أنه كان في أول فرض الصيام يحرُمُ الأكل والشرب والجماع في الليل بعد النوم؛ فشَقَّ ذلك عليهم، وكان بعضهم يحدِّثُ نفسه بالجماع وبالأكل والشرب، وربما وقع فيه، ورحمةً بكم وشفقةً عليكم -أيها الناس- فإن الله سبحانه تاب علىكم، وعفا عمَّا وقَعْتم فيه من خطأ، ورخَّص لكم أن تجامعوا نساءكم في ليالي رمضان، ولتكُنْ نيَّتكم من هذا الجماع هو التمتُّعَ بالنساء للإعفاف، والحصولَ على الولد. واعلموا -أيها الناس- أن الله أباح لكم الجماع والأكل والشرب من غروب الشمس حتى يظهر نورُ الفجْر مِن سواد الليل، فإذا طلَعَ الفجرُ، وجب عليكم أن تُمسِكوا عن الجماع والأكل والشرب، وعليكم أن تستمِرُّوا في صيامكم حتى غروب الشمس. ثم نهى سبحانه أن يجامع أحدكم زوجته ليلًا، وهو معتكف في المسجد؛ لأن ذلك يُفسِدُ الاعتكاف. ثم أخبَرَ سبحانه أن هذه الأحكام التي بيَّنها ووضَّحها هي حدودُهُ التي حدَّها لكم؛ فلا تتجاوزوها وتنتهكوها. وبمثل هذا التوضيح والتبيين، الذي بيَّنه الله لكم في هذه الأحكام، يبيِّنُ سبحانه أدلَّته وحُجَجه للناس؛ لكي يحفظوا أنفسهم من الوقوع في الآثام والمعاصي، وأن يَحذَروا عقاب الله وعذابه الأليم.

188

واحذروا -أيها الناس- أن تتعدَّوْا في معاملاتكم الشرعية؛ فيأكُلَ بعضكم مال بعض بالباطل بكل أنواعه؛ كالربا والسرقة والنَّصْب والاحتيال وغير ذلك، ولا تقدِّموا للحكَّام رِشْوةً أو حُجَجًا باطلة، تكون سببًا في أكل أموال بعض الناس بالباطل، وأنتم تَعلَمونَ حُرْمةَ ذلك، وتعلمون أنكم على باطل، فحكمُ الحاكم لا يحلُّ الحرامَ ولا يحرِّمُ الحلالَ، وجاء التعبير بالأكل؛ لأن المقصود بالأموال: الأكل والاستمتاع.

189

ثم بيَّن سبحانه أن الصحابة رضي الله عنه سألوا النبي ﷺ عن الحِكْمة من هذه الأهلَّة، فأمَرَهُ أن يقول لهم: لقد جعَلَ الله هذه الأهلَّة علاماتٍ للناس يَعرِفونَ بها أوقاتَ عباداتهم؛ كالصيام والحج والعمرة، ويعرفون أمورهم التي تحتاج إلى توقيت؛ كعِدَّةِ الوفاة، وعِدَّةِ الطلاق، وغير ذلك. واعلموا -أيها الناس- أنه ليس من الخير أن تأتوا البيوت مِن ظهورها؛ كما كان أهل الجاهلية يفعلون حين يُحرِمونَ بالحج والعمرة، ولكنَّ الخير كل الخير مَن اتقى الله بفعل ما أمَرْ، واجتنابِ ما نهى عنه وزجَرْ، وعليكم أن تدخلوا البيوت من أبوابها، واتَّقوا الله في كل أموركم؛ لعلكم تفوزون بكل ما تُحِبُّونَ من خيرَيِ الدنيا والآخرة. وقد رُوِيَ أن معاذَ بنَ جبَلٍ، وثَعْلَبةَ بنَ غَنْمٍ، سألا النبي ﷺ عن صيرورة الهلال، يبدأ هلالًا، ثم بدرًا، ثم يعودُ هلالًا، وهكذا؛ فنزَلَتْ هذه الآية إجابة لهما، ولكنْ ليس لِمَا سألوا عنه، وإنما لِمَا هو أهمُّ، وهو ما يترتَّب على ذلك من أمر العبادات. وهكذا ينبغي للعالِمِ والأبِ إذا سُئِلَ عن أشياء ولو كانت بسيطة وهامشية؛ فعليه أن يوضِّحَ للسائل المراد، ويذكُرَ له المنافع والفوائد المهمَّة في ذلك.

190

أمَرَ جل وعلا المؤمنين أن يجاهدوا في سبيل الله لنُصْرة دين الله، وأن يقاتلوا الذين يقاتلونهم من الكفار، ولا يتجاوزوا في قتل مَن ليس مِن أهل القتالِ؛ كقتل الأطفال والنساء والشيوخ وغيرهم؛ فإن الله لا يحبُّ الظالمين الذين يتجاوزون حدوده.

191

أمَرَ جل وعلا المسلمين بقتال الكفار الذين سبق أن قاتلوهم وأخرجوهم من بلادهم، وهي مكة؛ فعليكم أن تقتُلُوهم حيث وجدتُّموهم وأمسَكْتم بهم، وأن تُخرِجوهم وتشرِّدوهم من حيث أخرجوكم، واعلموا: أن الفتنة التي يدبِّرونها لتحويل المسلمين إلى الكفر والشرك، أشدُّ وأعظمُ مِن قتلكم إياهم. ثم استثنى سبحانه من ذلك قتالهم عند المسجد الحرام؛ فإن ذلك لا يجوز، إلا إذا ابتدأ الكفَّارُ بالقتال؛ فإنهم يُقْتَلون؛ لأنهم انتهكوا حُرْمةَ الحرَم، ثم بيَّن سبحانه أن هذا هو جزاء المجرمين الباغين. ولاحظ أن الله -جلَّ في علاه- قال: ﴿فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ﴾، ولم يقل: (فقاتِلُوهم)؛ لأنهم ارتكبوا جُرْمَيْن: الأوَّل: البَغْيُ؛ وهو البداءةُ بالعدوانِ. والثاني: انتهاك حُرْمة بيت الله الحرام.

192

وعليكم -أيها المسلمون- أن تتوقَّفوا عن قتال الكفار؛ إذا توقَّفوا هم عن قتالكم، وتابوا ودخلوا في دين الله؛ وفي هذه الحال: عليكم أن تعفوا وتصفحوا عنهم. واعلموا: أن الله غفورٌ لعباده التائبين، رحيمٌ بهم، وأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله من الآثامِ.

193

ثم أمَرَ جل وعلا المسلمين أن يقاتلوا الكفار؛ حتى تنكسِرَ شَوْكَتُهم، وتنهارَ قوَّتُهم، وحتى لا يفتنوا المسلمين ويصُدُّوهم عن دينهم، ويُصبِحَ دين الله هو الظاهرَ على سائر الأديان، ثم قال تعالى ذِكْرُه: فإن توقَّفوا عن قتالكم، فلا تعتدوا عليهم، ومن اعتدى بعد ذلك، فقاتلوه؛ لأنه من الظالمين المعتدين المتجاوزين لحدود الله.

194

ثم خاطبَ سبحانه عباده الموحِّدين مُبيِّنًا لهم؛ أنَّه في حالِ قاتَلَكم المشركون في الشهر الحرام -وهي الأشهرُ المعظَّمةُ لديكم ولديهم؛ ذو القعدة وذو الحِجَّة والمحَّرمُ ورجبٌ- فقاتِلُوهم في الشهر الحرام، مجازاةً لهم على عُدْوانهم؛ لأن مَن انتهَك الحرُماتِ اقتُصَّ منه؛ والحرماتُ: كلُّ ما يجب احترامُه وحفظُه، ومنع الشرعُ من انتهاكِه. فمَن اعتدى عليكم بقتلٍ أو جراحٍ أو أخذِ مالٍ، فاعتدوا عليه مِثْلًا بمِثْلٍ، وسواءً بسواء، واتقوا الله؛ فلا تتجاوزوا في الاعتداء والعقوبة. واعلموا: أن الله مع المتقين -الذين وقَفوا عند حدودِه فلم ينتهِكوها-؛ يُعِينُهم وينصُرُهم ويؤيِّدهم.

195

أمَرَ جل وعلا بإنفاق المال في سبيل الله؛ لنصرة دينه، وإعلاء كلمته؛ فإن مَن ترك الجهاد في سبيل الله، أو الإنفاق فيه، فقد عرَّض نفسه للهلاك؛ فأحسنوا في أعمالكم، واجعَلُوها خالصةً لوجهه الكريم؛ فإن الله يُحِبُّ المحسنين.

196

ثم أمَرَ جل وعلا الذين أحرموا بالحج والعمرة أن يُتِمُّوا ما أحرموا به -كما هو مشروع- ولو كان نفلًا، فإن مُنِعوا أو حُجِزوا عن الحرم بعد الإحرام؛ بسببِ مرضٍ، أو ذَهَابِ نفقةٍ، أو أيِّ مانعٍ قهريٍّ؛ فحينئذ عليهم إذا أرادوا أن يتحلَّلوا من الإحرام: أن يذبحوا ما تيسَّر من الهَدْي، وعليهم ألَّا يَحلِقوا رؤوسهم حتى ينحروا هَدْيَهم في الموضع الذي أُحصِروا فيه. أما غيرُ المحصَرِ، فلا ينحر هديه إلا في الحرَم، أما مَن كان مريضًا، أو كان به أذًى في رأسه، واضطُرَّ أن يَحلِقَ رأسه وهو مُحرِمٌ، فله أن يَحلِق، ولكن يجب عليه في هذه الحال فِدْيةٌ، وهي: أن يصومَ ثلاثة أيام، أو يتصدَّقَ على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، أو يَذبَحَ شاة توزَّع على فقراء الحرَم، فإذا كنتم -أيها الناس- آمنين، وتمكَّنتم من الوصول إلى الحرم في أمن وأمان، وصحة وعافية، ثم أدَّيتم العمرة في أشهر الحج، ثم أحْرَمْتم بالحج في نفس العام، فعليكم ذَبْحُ ما تيسَّر من الهَدْي، فمَن لم يتمكَّن من شراء الهدي -إما لفقد مال، أو لعدم الحصول على الهدي، ونحو ذلك- فعليه أن يصوم ثلاثةَ أيام في الحج، وسبعةَ أيام إذا رجَعَ إلى بلده؛ فهذه عشَرةُ أيامٍ يجبُ صيامها لذلك. واعلموا: أن هذا الهَدْيَ وهذا الصيامَ لمن لم يكن مِن سكان الحرَم؛ لأن سكان الحرَم ليس عليهم هَدْي. ثم ختم سبحانه الآية بأمر الناس بتقوى الله في جميع أمورهم؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومِن ذلك: العملُ بكل هذه الأحكام وغيرها التي شرَعَها الله لهم؛ فإن مَن حاد عن التقوى، وارتكب المحرَّمات، فإن الله شديد العقاب. وقد اختلف أهل العلم، هل العُمْرةُ سُنَّةٌ أو واجبة؟: فعند أبي حنيفة: أنها سُنَّة. وعند أحمد والشافعي ومالك: أنها واجبة؛ كالحج في العُمْرِ مرَّةً واحدة على المستطيع.

197

أخبَرَ جل وعلا أن الحجَّ أشهُرٌ معلومات، وهن: شوَّال، وذو القَعْدة، وعَشْرٌ من أولِ ذي الحِجَّة، فمَن أحرم فيها بالحج، لزمه ذلك؛ وحينئذٍ يحرُمُ عليه الرَّفَث، وهو الجماعُ ومقدِّماته، ويحرُمُ عليه تجاوز أحكام الشرع؛ كما يحرُمُ ذلك عليه في كل الشهور، ويحرُمُ عليه أيضًا الجدال والمخاصمة، لأنها تورثُ المشاجرةَ والسبابَ. واعلموا: أن كل ما تفعلونه من الأعمال الصالحة والطاعات والقُرُبات، فإن الله عليمٌ بها. ثم بيَّن سبحانه أن مَن عزَمَ على الحج، فعليه التزوُّدُ بما يحتاجه مِن قُوتٍ ورُفْقةٍ صالحة. واعلموا: أن الزاد الأهم هو التقوى؛ فإنه أعظم زاد؛ لأنه يوصِّلُ إلى رضوان الله، وإلى الجنة دار القرار. ثم أمَرَ سبحانه أصحاب العقول السليمة: أن يتَّقوا ربهم، ويخافوا عذابه، ويَخْشَوْا عقابه.

198

ثم أخبر جل وعلا أنه ليس على الحُجَّاجِ حرَجٌ في البيع والشراء في موسم الحج، مع عدم الإخلال بالشعائر المطلوبة، ثم قال تعالى ذِكْرُه: فإذا خرجتم مِن عرَفاتٍ متوجِّهينَ إلى مزدلِفة، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، أي: في مزدلفة، وأكثِرُوا من ذكره؛ بالتلبيةِ والتهليلِ والدعاءِ والحمدِ والثناءِ عليه؛ شكرًا على هدايته لكم إلى الصراط المستقيم، وتذكَّروا حالكم قبل الهداية؛ حيث كنتم في شر وضلال عظيم، وقد أنجاكم الله منه.

199

ثم أمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الحُجَّاجَ أن يُفِيضوا من مزدلِفةَ صباح العيد متوجِّهين إلى مِنًى، وعليهم حالَ الإفاضة بكثرة الاستغفار؛ فإن الله غفورٌ لعباده المستغفرين، رحيمٌ بهم.

200

ثم وجَّه المولى عز وجل الحجَّاج إذا أتموا مناسك الحج؛ وهي الرميُ والذبحُ والحلقُ وطوافُ الإفاضةِ، فعليهم أن يذكُرُوا الله ذكرًا كثيرًا؛ كما كانوا يفتخرون بذكر آبائهم قبل الإسلام، وذلك في مِنًى، بل عليهم أن يذكروا الله أعظم من ذلك، واعلموا -أيها الناس- أن منكم مَن يكون همُّهُ وغاية مراده الدنيا فقطْ؛ فهؤلاء ليس لهم في الآخرة حظٌّ ولا نصيب.

201

واعلموا: أن منكم مَن يدعو ربَّه بخيرَيِ الدنيا والآخرة؛ فيدعو الله أن يرزُقَهُ المال والصحة والعلم ونحو ذلك، ويسأل الله أن يدخله الجنة ويَصرِفَهُ عن عذاب النار. وقوله: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾، دعاءٌ عظيمٌ جامع، وقد كان ﷺ يدعو به بين الرُّكْنَيْنِ أثناء طوافه بالكعبة المشرَّفة.

202

واعلموا -أيها الناس- أن أولئك الذين سألوا الله خيرَيِ الدنيا والآخرة، لهم نصيبٌ وحظٌّ وافرٌ من الأجر والثواب العظيم؛ بسبب ما كسَبُوهُ من الأعمال الصالحة، والله سريعُ الحساب لعباده على كثرتهم؛ فإنه سيُجازِيهم في وقتٍ واحدٍ لا يتصوَّرُهُ أحد، ولا يَشغَلْهُ شأنٌ عن شأن.

203

أمَرَ جل وعلا حُجَّاجَ بيت الله بكثرة ذكره في أيام الحج؛ لأنها أيام معدودات قليلة، وهي: يومُ عيد الأضحى، والثلاثةُ الأيامِ التي بعده، والتي تسمَّى بأيام التشريق، وهي اليومُ الحاديَ عشَرَ، والثانيَ عشَرَ، والثالثَ عشَرَ من ذي الحِجَّة. ثم بيَّن سبحانه أن مَن أراد التعجُّل، وخرَجَ من مِنًى قبل غروب شمس اليوم الثانيَ عشَرَ بعد رمي الجمار، فلا حرج ولا إثم عليه، ومَن أراد التأخُّر، أي: بات في مِنًى حتى يرمي جمارَ اليومِ الثالثَ عشَرَ من ذي الحِجَّة، فلا حرج ولا إثم عليه؛ وذلك لمن اتقى الله في حَجِّهِ، وأدَّى المناسك كما شُرِعَتْ. وعليكم -أيها الناس- بتقوى الله؛ وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واعلموا: أنكم سوف تُحشَرونَ يوم القيامة إليه، وسيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

204

أخبَرَ جل وعلا أن بعض المنافقين إذا تكلَّم، أُعجِبَ السامعُ بكلامه؛ لفصاحته وبلاغته، بل أخبَرَ أن الله يَعلَمُ ويشهد على ما في قلبه، وأنه مطابِقٌ لما يقول، وهو في الحقيقة كاذبٌ في أقواله واعتقاداته، بل إنه شديدُ العداوة لله ولرسوله وللمؤمنين.

205

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا الذي أعجَبَكم -أيها الناس- قولُهُ، فإنه إذا خرَجَ مِن عندكم، سعى في الأرض فسادًا؛ بنَشْرِ الكفر والذنوب والمعاصي، وزَرْعِ الفتنة بين الناس؛ فتَهلِكُ بسبب ذلك الزروعُ والثمار والأنعام؛ وفي هذا دليل على أن الذنوب والمعاصي سبب في هلاك الزروع والثمار والحيوانات. واعلموا: أن الله لا يحبُّ الفساد، ولا يحبُّ المفسِدين.

206

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا المنافق إذا نُصِحَ وأُمِرَ بتقوى الله، تكبَّر وعاند، وأخذته العزة بالإثم؛ وهذا ليس له إلا نارُ جهنَّم، وبئس المصيرُ والمستقَرُّ والمسكن.

207

ثم بيَّن جل وعلا أن هناك صِنْفًا من الناس موفَّقين؛ لأنهم باعوا أنفسهم ابتغاءَ مرضاة الله بالجهاد في سبيله، والله رؤوفٌ بالعباد، ومِن رأفته بهم توفيقُهم لمرضاته.

208

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يَقبَلُوا بجميع شرائع الإسلام وأحكامه، ولا يترُكُوا منها شيئًا، ولا يتَّبعوا طُرُقَ الشيطان الخبيثة؛ فإنه لهم عَدُوٌّ مبينٌ ظاهرُ العداوة. وقوله: ﴿خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ﴾: يفيدُ أن الشيطان مِن خُبْثِهِ يتدرَّجُ مع الإنسان لإيقاعه في الكفر والذنوب والمعاصي، وزرعِ الفتنةِ بين الناس، والتشكيكِ في دين الله؛ بحيث يأخذه خُطْوةً خُطْوةً حتى يحيِّرَ من يصغى إليه.

209

ثم حذَّر سبحانه الناس إذا ضلُّوا عن طريق الحقِّ، بعد أن ظهَرَتْ لهم الدلائل والبراهين، وعليهم أن يعلموا أن الله عزيزٌ ينتقِمُ ممن عصاه، وحكيمٌ في أمره ونهيه؛ فلا يعاقِبُ مَن ليس من أهل العقاب.

210

ثم هدَّد سبحانه الذين رفضوا الدخول في دِينِه، بعد أن أُقيمَتْ عليهم الحُجَجُ والبراهين، فقال سبحانه: ما ينتظِرُ هؤلاء المفسدون في الأرض المُتَّبِعونَ لخُطُواتِ الشيطان، إلا أن يأتيهم الله عز وجل والملائكةُ يوم القيامة -يوم الجزاء على الأعمال- في ظُلَلٍ مِن السحابِ على الوجه اللائق به سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ ليَفصِلَ بين العباد بعَدْله، وقد قُضِيَ الأمرُ وفُرِغَ منه، وهو إهلاكهم. ثم بيَّن تعالى أنه إليه وحدَه -جلَّ في علاه- تعودُ أمورُ الخلائق. وفي قوله: ﴿أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾: إثباتُ صفةِ الإتيانِ لله تعالى؛ فإن أغلب الفِرَقِ الإسلامية -كالأشاعرة وغيرهم- يؤوِّلون بعض الصفات، ومِن ذلك: (إتيانُ الله)؛ فيقولون: يأتي أمرُه. أما أهل السنة والجماعة: فيُثبِتونها، كما أثبَتَها الله لنفسه؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيل، وغير تكييفٍ ولا تمثيل، ويقولون: إن الله يأتي، لكنه إتيانٌ يليق بجلاله وعظمته لا نَعرِفُ كيفيَّته؛ فكما لا نَعرِفُ كيفيَّةَ ذاته لا نَعرِفُ كيفيَّة مجيئِهِ وإتيانِه.

211

ثم أمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نبيَّه ﷺ أن يسأل بني إسرائيل سؤالَ توبيخٍ وتقريرٍ: كم أعطاهم الله من الآيات البيِّنات الواضحات؟ فكذَّبوا وأعرَضوا وبدَّلوا، ولم يشكروا نِعَمَ الله عليهم؛ ولذا فإن من بدَّل دين الله، وكفَرَ به من بعد أن جاءته البيِّنات والأدلة الواضحات، فقد استحَقَّ العذاب الأليم، والعقاب الشديد.

212

أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا بدين الله، زُيِّنَتْ لهم الحياة الدنيا، فأحبُّوها وقدَّموها على الآخرة، وسَخِروا من المؤمنين، وما عَلِموا أن هؤلاء المؤمنين الذين يَخْشَوْنَ ربَّهم قد جعلهم الله في أعلى المنازل، وأفضل الدرجات في الجنة. وأما أنتم -أيها الكفار المستهزئون بالله ورسوله وآياته والمؤمنين -فقد جعَلَكم الله في أسفل درَكات النار، واعلموا: أن الله يرزُقُ من يشاء مِن خَلْقه بغير حساب.

213

وأخبَرَ جل وعلا أن الناس كانوا متفقين على الإيمان؛ وكانوا فِرْقةً واحدةً مِن آدَمَ إلى نُوحٍ عليهما السلام، عشَرةَ قرون وهم على ذلك؛ كما قال ابن عبَّاس رضي الله عنه، ثم في عهد نُوحٍ اختلفوا، وهكذا في القرون التي بعده، فأرسَلَ الله الرسل تباعًا مبشِّرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجَّة، وأنزَلَ معهم الكُتُبَ التي فيها بيان أمور دينهم ودنياهم؛ ليتحاكم إليها الناس فيما اختلفوا فيه، ولكنْ خالف اليهود والنصارى في نبوَّة محمد ﷺ، وخالفوا في القرآن بعد أن جاءتهم الأدلة الصحيحة الواضحة التي تدُلُّ على صدقه؛ حسَدًا وبَغْيًا من عند أنفسهم. وكذلك خالف في نبوَّة محمد ﷺ جماعات كثيرة غير اليهود والنصارى؛ كالكفار بجميع معتقداتهم، والعَلْمانيِّين، والدَّهْريِّين، وكثيرٍ غيرِهم، ثم وفَّق الله الذين آمنوا بالله ورسوله إلى التمسُّك بالحق والنور والإيمان الذي خالف فيه أهلُ الكتاب وغيرهم، والله سبحانه يوفِّق ويهدي من يشاء إلى طريقه المستقيم، الموصل إلى جنة رب العالمين.

214

هذا خطاب للنبي ﷺ وأتباعه تشجيعًا وحثًّا لهم على الثبات والمصابرة؛ ليحصلوا على النصر؛ فيقول جل وعلا: هل تظنون -أيها المؤمنون- أنَّكم ستدخُلُونَ الجنة بدون أن تُمْتَحَنُوا وَتُبْتَلَوْا، كما حدَثَ لمن قبلكم من المؤمنين الذين أصابهم الفقر والمرض، والخوف والرعب، وزُلزِلَتْ قلوبُهم بكل أنواع المخاوف، وهُدِّدوا بالقتل والتشريد؛ حتى قال الرسول وأتباعُهُ الذين معه: متى يأتي نصرُ الله؟ فاعلموا أن نصر الله قريبٌ مِن عباده المؤمنين، وأن فَرَجَهُ آت؛ فلا تيأسوا -أيها المؤمنون -مِن نصر الله.

215

أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن أصحاب النبي ﷺ سألوا نبيَّهم: بماذا يتصدَّقون؟ وعلى من يتصدَّقون؟ فأمَرَهُ جل وعلا أن يقول لهم: تصدَّقوا بما تيسَّر عندكم من الخير والمال الحلال، واجعلوا صدَقَتَكم للوالدَيْنِ أولًا؛ فهم أولى الناس، بل إنه يجب النفقة عليهم؛ إذا كانوا فقراء، وكذلك للأقربين مِن أهليكم وأرحامكم، ثم اليتامى الذين مات آباؤهم وهم دون سِنِّ البلوغ، ثم المساكينِ، ثم ابنِ السبيلِ الذي انقطَعَتْ به السبل. واعلموا: أن كل خير تفعلونه، قليلًا كان أو كثيرًا، فإن الله يعلمه، وهو محفوظٌ لكم عنده، وسوف يجازيكم عليه على حسَبِ نيَّتكم وإخلاصكم.

216

أخبَرَ جل وعلا رسوله ﷺ وعباده المؤمنين أنه فرَضَ عليهم قتالَ الكفَّار والمشركين، وهو يعلم أن القتال مكروهٌ لهم؛ لمشقَّته وكثرة مخاطره، ثم أخبر أن ما يكرهونه قد يكون فيه الخير، وما يحبُّونه قد يكون فيه الشر، والله يعلم ما فيه صلاحُكم وفلاحُكم -أيها الناس- وأنتم لا تعلمون؛ فيجب عليكم التسليمُ لله تعالى في كل ما شرَعَهُ لكم، والمبادَرةُ إلى تنفيذه.

217

ثم أخبَرَ سبحانه أن المشركين سألوا النبي ﷺ عن الشهر الحرام؛ هل يجوز القتال فيه؟ وكان سؤالهم عن الأشهُر الأربعة التي حُرِّمَ فيها القتال، والمذكورةِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ﴾ [التوبة:٣٦]، فأمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا -أيها الكفار- أن القتال وسَفْك الدماء في الشهر الحرام، محرَّمٌ، وإثمه عظيم، ولكنْ مَنْعُ الناس من الإسلام، ودعوتُهم للكفر بالله، ومنعُهم من دخول المسجد الحرام، وإخراجُ النبي وأصحابه منه؛ كلُّ هذا أعظم إثمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. واعلموا: أن شركَ المشركينَ في الحرَمِ وإرغامَ المسلمين على ترك دينهم، أعظمُ عند الله إثمًا من انتهاك حُرْمة الأشهر الحُرُم. ثم اعلموا -أيها المسلمون- أن الكفار سوف يستمرُّون في قتالكم حتى يرُدُّوكم عن دينكم إلى الكفر إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ فمن يُطِعْهم ويرتدَّ عن دينه ويَمُتْ على الكفر، فأولئك ذهبت أعمالهم هباءً في الدنيا والآخرة، وصاروا من أصحاب النار خالدين مخلَّدين فيها. وهذه الأربعةُ الأشهُرِ جعلها الله رحمةً لعباده؛ حيث إن الثارات والغارات كانت من عادات القبائل والعشائر طَوَالَ أيام السَّنَة، ففرَضَ الله هذه الأشهُرَ الحُرُمَ رحمةً بعباده؛ لكي يضعوا فيها السلاح، ويلتزموا بالسلام والأمان، ويترُكُوا هجومَ بعضهم على بعض، واستمَرَّ هذا في أول الإسلام، ثم دانت أكثر الأمم بالإسلام، وأصبَحَ الذي يحكُمُ بالدماء هم القضاةَ الشرعيِّين، وأصبحت السَّنَةُ كلُّها أشهُرًا حُرُمًا لا يَقتَصُّ أحدٌ لنفسه؛ لأن الحكم في ذلك يعود لشرع الله، وللحُكَّام القائمين به.

218

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله، والذين ترَكوا بلادَهم وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله؛ أولئك يَطمَعُونَ في رحمة الله التي تُدخِلُهم الجنة، والله عظيمُ المغفرة، واسعُ الرحمة.

219

ثم أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنهم سألوا النبي ﷺ عن حكم شُرْب الخمر وشرائه وبَيْعه، وعن حكم المَيْسِر، وهو القِمَارُ بكل أنواعه؛ والخمرُ: هي كل ما خامر العقل، وهو السُّكْرُ، والقِمَارُ: هو جميعُ المغالَباتِ التي تَتِمُّ بعِوَضٍ بين الطرفَيْن؛ فأمَرَهُ جل وعلا أن يقول لهم: اعلموا -أيها الناس- أن في الخمر والمَيْسِر أضرارًا ومفاسدَ كثيرةً في الدِّين والدنيا، وليس فيهما منافع إلا شيئًا يسيرًا من جهة كسب الأموال وغيرها، وهو لا يعادل شيئًا مقابِلَ مضارِّهما الكبيرة. ثم سألوا النبي ﷺ: ماذا ينفقون؟ فأمَرَهُ الله أن يقول لهم: أنفِقوا من أموالكم ما كان زائدًا عن الحاجة الضرورية. واعلموا: أنه بمِثْلِ هذا البيان الشافي الكافي يبيِّن الله لكم الآيات والدلالات الواضحات على شرعه؛ لكي تستعملوا -أيها الناس- تفكُّركم فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. وذكر ابن تيمية عن بعض السلف أنه قال: من ‌زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها[13]. وقال الشاعر عن الخمر: أَرَى كُلَّ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ حَرِيمَهُمْ وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حَرِيمُ والنبيذُ هنا المقصودُ به: الخَمْرُ.

220

ثم سألوا النبي ﷺ عن اليتامى الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، فأمَرَ جل وعلا نبيَّه ﷺ أن يُخبِرهم أن المهم هو إصلاح أموالهم بحفظها وتنميتها، وإنْ خلَطْتم أموالهم إلى أموالكم، مع عدم الإضرار بمال اليتيم، فأنتم إخوان لهم في الدين، والله يعلم من يريد إفساد مال اليتيم ممن يريد إصلاحه، ولو أراد الله، لضيَّق عليكم بتحريم المخالطة، ولكنْ يسَّر الله عليكم؛ فلتحرصوا على الأمانة، وعلى تنميتها كما تُنَمُّونَ أموالكم. واعلموا: أن الله عزيزٌ في ملكه، حكيمٌ في خَلْقه وأمره؛ لا يفعل ولا يأمر إلا ما هو مقتضى حكمته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

221

ثم نهى جل وعلا المؤمنين أن يتزوَّجوا من النساء المشرِكات حتى يدخُلْنَ في الإسلام، وبيَّن أن الزواج من الأَمَة المسلمة خيرٌ من هذه المشرِكة، ولو كانت هذه المشرِكةُ ذاتَ مالٍ وجمال، وحسَبٍ ونسَب. وقد استثنى سبحانه من ذلك نساء اليهود والنصارى العفيفات الطاهرات؛ فإنه يجوز التزوُّج منهنَّ، ثم نهى المؤمنين أن يزوِّجوا بناتهم المؤمنات للمشركين، وبيَّن أن تزويج المؤمنة لعبدٍ مسلمٍ فقيرٍ خيرٌ من تزويجها لمشرِك، ولو كان هذا المشرِك ذا مال وحسَب ونسَب؛ لأن المشركين يَدْعُونَ كل من يعاشرهم ويخالطهم إلى النار، وإلى كل سبب يُدخِلُ النار، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يدعو إلى مغفرة الذنوب، وإلى الجنةِ وإلى كل سببٍ يُدخِلُ الجنة، والله يبيِّن لكم -أيها الناس- آياته؛ لكي تتذكَّروا فتعتبروا؛ فتعملوا بما دلَّت عليه هذه الآيات.

222

ثم سأل الصحابةُ النبيَّ ﷺ عن الحَيْضِ الذي هو: دمٌ يسيل من رَحِمِ المرأة في أوقات مخصوصة؛ فأمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا -أيها الناس- أن الحَيْض أذًى، وهو مضرٌّ؛ فعليكم اعتزالَ النساء وعدَمَ مجامعتهِنَّ أثناء فترة الحيض، وعليكم ألَّا تجامعوهُنَّ حتى ينقطع دم الحيض، ثم يتطهَّرْنَ؛ فإذا طَهُرَتِ المرأة واغتسلت، فجامعوها مِن حيثُ أمَرَكم الله، وهو في القُبُل. واعلموا: أن الله يحبُّ التوَّابين من ذنوبهم، ويحبُّ المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار.

223

يقول جل وعلا: إن زوجاتكم هنَّ موضع إنجاب أولادكم؛ فجامعوهنَّ كيفما تريدون مُقبِلاتٍ أو مُدبِراتٍ؛ بشرط أن يكون في القُبُلِ -أي: الفَرْج- لأنه محلُّ الحَرْثِ الذي يحصُلُ منه الولد، وقدِّموا لأنفسكم من الخير الذي ينفعكم عند الله عز وجل، ومِن ذلك: أن تكون نيَّته عند جماع امرأته تحصينَ فَرْجِهِ وفرجِ امرأتِهِ، وطلَبَ الولد الصالح، وعليكم بتقوى الله في اجتناب ما نهاكم عنه؛ فإنكم غدًا ملاقوه، ومحاسَبون على أعمالكم، وبشِّر -أيها النبي- المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله بما يُفرِحُهم ويسُرُّهم مما أعدَّ الله لهم يوم القيامة من النعيم المقيم، في جنات ربِّ العالمين. وهذه الآية دليلٌ على تحريمِ الوَطْءِ في الدُّبُر؛ كما دلت كثير من الأحاديث على تحريم جماع المرأة في دُبُرها.

224

ثم حذَّر سبحانه المسلمين أن يجعلوا اليمين بالله مانعًا لهم عن فعل الخير والعمل الصالح، والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلب أحدٌ منك عمل خير، فلا تمتنع بحجة أنك أقسَمْتَ أو حلَفْتَ ألَّا تفعل كذا وكذا. واعلموا -أيها الناس- أن الله يسمع أقوالكم، ويعلم أعمالكم وأحوالكم، وهو بكل شيء عليم. ولقد حدَّثني أحد أصدقائي، فقال: (إنه كان بحاجة إلى مبلغ من المال، فطلب من ابنه أن يُقرِضَهُ هذا المبلغ، فردَّ الابن قائلًا: واللهِ، إنني حلَفْتُ يمينًا ألَّا أُقرِضَ أحدًا)؛ فسبحان الله! ألم يكن الأولى به أن يكفِّرَ عن يمينه، ويأتيَ الذي هو خيرٌ، ويَبَرَّ أباه؟! وهذه اليمين المذكورة في هذه الآية هي التي تكون عن المستقبل، وهي التي فيها الكفارة. أما إذا كان الحالف جاهلًا بالواقع، ويرى أنه صادق، فلا كفَّارة عليه، وهو ما يُسمَّى باللغو عند الإمام أبي حنيفة. أما اليمين عن الماضي، فإنْ كان المقسِمُ كاذبًا، فهي التي تُسمَّى باليمين الغَمُوس، ولا كفَّارة فيها عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: تجب فيها الكفارة، وعند الجمهور: لا كفَّارة فيها إلا التوبةُ، وطلَبُ المغفرة من الله، ورَدُّ المظالم إلى أهلها.

225

أخبَرَ جل وعلا أنه لا يعاقبكم بما يجري على ألسنتكم من أَيْمانٍ بغير قصد، ولكنْ يعاقبكم بما تقصدونه من تلك الأيمان، إذا حَنَثْتُم فيها ولم تكفِّروا عنها. واعلموا: أن الله غفورٌ لمن تاب وأناب ورجع عن خطئه من عباده، حليمٌ حيثُ لم يعاجِلْهم بالعقوبة؛ فيصفح ويستر مع قدرته.

226

ثم بيَّن جل وعلا أن للذين حلفوا ألَّا يجامعوا زوجاتهم أبدًا للإضرار بهنَّ: أن يُعْطَوْا مهلة أربعة أشهر؛ فإنْ كفَّر أحدهم عن يمينه وجامع زوجته، بَقِيَتْ عنده وحلَّت له، وإنْ لم يفعل، أجبره القاضي أن يطلِّقها. واعلموا: أن الله غفورٌ لما وقع منكم من الأيمان، رحيمٌ بكم؛ حيث جعَلَ لأيمانكم كفَّارةً وتَحِلَّةً.

227

ثم أخبَرَ سبحانه أنه إذا أصرَّ الزوجُ على حَلِفِه، وهَجْرِه لزوجته، ورفَضَ أن يجامعها، وأصرَّ على موقفه، ففي هذه الحال: إما أن يطلِّقها، أو يقومَ القاضي بتطليقها، واعلموا -أيها الناس- أن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأحوالكم؛ يعلم السرَّ وأخفى.

228

ثم أمَرَ جل وعلا المطلَّقة أن تنتظِرَ ثلاثَ حَيْضات بعد طلاقها؛ لضمان استبراء الرَّحِم، وإذا كانت لا تحيض، فإنها تنتظر ثلاثةَ أشهر، وهذه هي عِدَّةُ المرأة التي دخل بها زوجها، ولا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في رَحِمها -سواءٌ كان حملًا، أو حيضًا- لتُبطِلَ حق الزوج من الولد والرجعة؛ إن كانت تؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر يوم الجزاء والحساب. واعلموا: أن للزوج الحقَّ في أن يَرجِعَ زوجته قبل انتهاء العِدَّة؛ إن كان يريد المعاشرة الحسنة، وليعلم الزوجان: أن لكل منهما حقوقًا على الآخر، وأن للزوج على الزوجة رتبةً ومنزلةً أعلى بحكم الإنفاقِ والقِوَامة، والله عزيزٌ له العزة القاهرة، والسلطان العظيم، حكيمٌ يضع الأمور في موضعها المناسب.

229

واعلموا أن الطلاق الصحيح الذي يملكه الزوج هو طَلْقتانِ فقطْ، يمكن للزوج أن يراجع زوجته فيهما؛ فمَن وقعت منه الطلقة الأولى أو الثانية، فله أن يراجعَ زوجته، ويُحسِنَ معاشرتها، أو أن يطلِّقها بلا ظلمٍ ولا عدوان، ولا يحل للزوج أن يأخذ شيئًا من مهرها إذا طلَّقها، إلا عن طريق الخُلْع، فإذا عرَفْتم أنه لا يمكن الإصلاح بين الزوجين، وعلمتم عدم قدرتهما على القيام بالحقوق الزوجية، فإنه -والحال هذه- يجوز للمرأة أن تَفدِيَ نفسها بمخالعة زوجها بمقابِلٍ ماليٍّ لكي يطلِّقها، واعلموا: أن هذه الأحكام هي أوامر الله؛ فلا تتجاوزوها؛ فإن الذين يتجاوزونها، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم.

230

واعلم -أيها الزوج- أنك إذا طلَّقتَ امرأتك الطلقة الثالثة، فإنها لا تحل لك حتى تتزوَّج رجلًا آخر، فإن طلقها الزوج الثاني، وانتهت عِدَّتُها منه، فلا مانع أن يعود الزوج الأول فيتزوَّجها، ولكنْ بعقد وصداق جديدَيْن؛ بشرط أن يغلب على ظنِّهما أنهما سيقيمان حدود الله وأوامره. واعلموا: أن تلك أحكام الله العادلة يبيِّنها لقوم يعلمون الحق، ويعملون به.

231

هذا أمرٌ من الله جل وعلا لعباده المؤمنين؛ يقول سبحانه: إذا طلَّق أحدكم امرأته الطلقة الأولى أو الثانية، ثم قاربت الانتهاء من عِدَّتها، فإما أن يراجِعَها ويعاشرها بالمعروف، أو يترُكَها حتى تنقضي عدَّتها، ويحرُمُ عليكم أن تراجعوها بنية الإضرار بها والاعتداء على حقوقها، وإنَّ مَن يفعل ذلك، فقد ظلم نَفْسه؛ لأنه عرَّضها للعقاب. واحذروا -أيها الناس- أن تتَّخذوا آيات الله لعبًا بعدم الامتثال لها، واذكُرُوا نعمة الإسلام عليكم، وما أُنزِلَ عليكم من القرآن والسُّنَّة التي فيها الخير والنصح والإرشاد لكم، وخافوا الله وراقبوه؛ فإنه بكل شيء عليم؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

232

ثم أمَرَ جل وعلا الأولياء ألَّا يمنعوا المرأة من العودة إلى زوجها الذي طلَّقها دون الثلاث، وقد انقضت عِدَّتُها، وعلموا أنهم قد تراضَوْا بينهم؛ بشرط أن يكون ذلك بعَقْد وصداق جديدَيْن، وهذا الحكم والتوجيه يتَّعظ به مَن كان يؤمن منكم بالله واليوم الآخر، واعلموا: أن عودةَ المطلَّقة لزوجها، وعدم منعِها منه والتضييقِ عليها، خيرٌ لكم وأطهر مِن الإصرارِ على عضلِها أنفةً وكبرًا، بسببِ طلاقِه الأولِ. والله يعلم ما يصلُحُ لكم -أيها الناس- وأنتم لا تعلمون؛ ومِن ذلك: أن كلًّا منهما قد علم القصور الذي عند الآخر، وقرَّر عدم المؤاخذة عليه.

233

أخبَرَ جل وعلا أنه يجب على الوالدة المرضعة المطلَّقة أن تُرضِعَ ولدها عامَيْنِ كاملَيْن؛ إذا أراد الوالدان إتمام الرضاعة، ويجب على الآباء النفقةُ على الأم المرضعة بحسَب حالهم من الغنى والفقر؛ فإن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعها، ولا يحل للأب أن يُضِرَّ بالأم بسبب ولدها؛ بأن تُمنَعَ من الرضاعة، أو لا تُعطَى ما يجب لها من النفقة، وكذلك لا يحل للأم أن تمتنِعَ من إرضاع ولدها فيتضرَّر، أو تطلُبَ زيادة في النفقة على الواجب المعروف، وإذا كان والد الطفل ميتًا، فيجب على وارثه ما يجب على مورِّثه من النفقة والكسوة. فإذا أراد الوالدان بالتراضي والتشاور بينهما فِطَامَ الطفل قبل انتهاء السنتَيْن، فلا حرج في ذلك، وإذا اتفق الوالدان أن يستخدما مَن تُرضِعُ الطفل غير أمه، فلهم ذلك؛ بشرط أن تُعطَى الأم حقها، وتُعطَى المرضِعة الأجرة المتفق عليها. وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه في جميع أحوالكم؛ فإنه بصيرٌ بما تعملون، وسيجازيكم على جميع أعمالكم.

234

بيَّن جل وعلا أن الرجل إذا مات، وكان عنده زوجة أو زوجات، وجب عليهنَّ العدَّة، وهي: أن ينتظِرْنَ أربعةَ أشهرٍ وعشَرةَ أيام؛ وذلك لأمرين: الأول: تقديرًا واحترامًا لزوجها المتوفَّى. والثاني: ليتبيَّنَ إن كانت حاملًا أو لا. وليس لها في هذه المدَّة أن تخرُجَ من منزل زوجها إلا لضرورة، وتكون نفقتها من التَّرِكة، وليس لها أن تتجمَّلَ أو تتعرَّضَ للخُطَّاب، فإذا انتهت المدَّة المقرَّرة شرعًا، فلا إثم عليها من التزيُّن والخروج والتزوُّج ونحو ذلك؛ كما شرع الله، واعلموا: أن الله بما تعملون خبيرٌ؛ فاحذروه، ولا تخالفوا أمره.

235

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا إثم عليكم في التعريض بخِطْبة المرأة المعتدَّة من وفاةٍ أو طلاق بائن، بطريق التلميح دون التصريح قبل أن تنتهي عِدَّتها؛ كأن يقول لها: إذا انقضَتْ عِدَّتك، فأعلميني، ولا إثم أيضًا فيما أخفيتموه في أنفُسِكم من الخِطْبةِ والزواج؛ فإن الله يعلم أنكم لن تصبروا على السكوت عنهنَّ؛ لذا رخَّص لكم في التلميح أو الإضمار في النفس، واحذروا أن تتَّفقوا على الزواج في أثناء العِدَّة، إلا أن تقولوا قولًا يُفهَم منه الرغبة في الزواج كالتلميح؛ فهذا جائز، ولا يَحِلُّ لكم أن تَعزِموا عُقْدة النكاح حتى تنتهي العِدَّة. واعلموا: أن الله مُطَّلِعٌ على أسراركم؛ فاحذروه، وأنه غفورٌ لمن تاب من ذنوبه، حليمٌ على العاصين حيث لم يعجِّل عقوبتهم.

236

واعلموا -أيها الأزواج- أنه لا إثم عليكم إذا طلَّقتم النساء بعد العَقْدِ عليهنَّ وقبل الخَلْوة بهنَّ، ولم تحدِّدوا لهن مهرًا؛ ففي هذه الحال: عليكم أن تمتِّعوهُنَّ بشيء من المال؛ جبرًا لهنَّ لما أصابهنَّ من ألم الطلاق، والمُتْعةُ تكون بحسَبِ الحال من الغنى والفقر، وعلى الوجه المعروف شرعًا؛ وهي حق واجب على أهل الإحسان والكرم. أما إذا خلا الزوج بزوجته، فقد وجب لها المهر كاملًا؛ حتى لو لم يجامِعْها؛ فإن كان محدَّدًا؛ وإلا فمهرُ المِثْل.

237

ثم اعلموا: أنكم إذا طلَّقتم النساء قبل أن تدخلوا بهنَّ، وقد فرَضْتُم لهنَّ مهرًا محدَّدًا، فالواجب عليكم أن تَدفَعوا لهنَّ نصف ما اتَّفقتم عليه، إلا إذا تسامَحَتِ المطلَّقة، وتنازلت عن نصفها، فلها ذلك، أو تسامَحَ الزوج عن نصفه، فترَكَ المهر كُلَّه أو جُلَّه لها. واعلموا: أن العفو أقرب لتقوى الله وخشيته، ولا تَنْسَوُا المَوَدَّةَ والإحسان بينكم؛ فإن الله يعلم المُحسِنَ منكم من المسيء. وفي قوله: ﴿إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ﴾: لم يحدِّد العافيَ؛ ليعُمَّ الجميع، أي: الزوجَ أو أولياءَ الزوجة، وليحُثَّ المُوسِرينَ من الطرفَيْنِ على التخلي عن حقه للثاني.

238

أمَرَ جل وعلا المسلمين بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها جماعةً، وخاصَّةً صلاةَ العصر، والمحافظةُ عليها يكون بأدائها في وقتها، والإتيانِ بشروطها وأركانها، وواجباتها وسننها، وأدائها بخشوع وخضوع جماعةً؛ إن لم يكن هناك مانع. وإذا قمتم إلى الصلاة -أيها المسلمون- فعليكم أن تقوموا لها ذاكرين خاشعين خاضعين. وقد اختلف أهل العلم في الصلاة الوسطى، وأرجح الأقوال: أنها صلاة العصر؛ لقول الرسول ﷺ بعد انتهاء غزوة الأحزاب لمَّا توجَّه إلى الغادرين المتمالئين مع الكفَّار، قال: «حَبَسُونَا -أَوْ شَغَلُونَا- عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى»[14]، وكانت صلاةَ العصر، وقيل: كلُّ صلاة هي وُسْطى؛ لأنها تقع بين صلاتَيْن. وقال فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: (الصلاة الوسطى، أي: الفُضْلى؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: أفضلَ الأمم، وليست بمعنى: الوسَطِ بين الشيئين).

239

ثم بيَّن جل وعلا أنه إذا حصل خوف من عدوٍّ وغيره، ولم تتمكَّنوا من أداء الصلاة على الوجه المطلوب، فصلُّوا على أي هيئة تستطيعونها؛ سواءٌ كنتم ماشين على أرجلكم، أو راكبين على الخيل والإبل وغيرها، ولو لم تستقبلوا القِبْلة، فإذا زال الخوف، فأدُّوا الصلاة على الوجه المطلوب، وأكثروا من ذِكْرِ الله واشكروه على نِعْمةِ الأمن ونِعْمةِ العلم، وقد كنتم من قبلُ على جهل وفي ضلال.

240

أخبَرَ جل وعلا أنه يجب على الزوج أن يُوصِيَ قبل وفاته: أن تبقى زوجاتُهُ متمتِّعاتٍ بالسكنى والنفقة سَنَةً كاملةً في منزل زوجها، ولا يحق للورثة أن يخرجوهُنَّ مُدَّةَ السنة؛ وذلك جبرًا لخاطرهنَّ، ووفاءً للمتوفَّى، فإذا رَغِبَتِ الزوجات في الخروج قبل انتهاء المدة، فلا إثم عليكم، ولا إثم عليكم أيضًا في أن تأذنوا لهن بالتجمُّل والتزيُّن بما هو مباح من أجل الخِطْبَةِ والزواج. واعلموا: أن الله عزيزٌ في ملكه، حكيمٌ في أمره ونهيه، يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها. وهذه الآية قيل: إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ﴾ [البقرة:٢٣٤]، وأن الأربعةَ الأشهرِ والعشَرةَ الأيامِ: هي الواجبة؛ والعمل على هذا عند أهل العلم.

241

واعلموا: أن للمطلَّقة حقًّا على زوجها، وهو أن يمتِّعها بشيء من المال أو الكسوة ونحوها بقدر استطاعته؛ ليجبُرَ خاطرها، ويخفِّفَ ألم الطلاق عليها؛ وهذا يفعله الذين يخافون الله ويتَّقونه في كل أمورهم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ﴾ [البقرة:٢٣٧].

242

ثم اعلموا: أن كل هذه الأحكام بيَّناها لكم؛ لكي تتعلَّموها وتَعقِلوها وتَعمَلوا بها.

243

ثم خاطَبَ جل وعلا نبيَّه ﷺ، فقال له: ألم تَعلَمْ -أيها النبي- بأولئك الذين فرُّوا من أرضهم وبيوتهم وهم ألوفٌ -وهم طائفة من بني إسرائيل- خوفًا من الهلاك من مرَضِ الطاعون الذي ظهَرَ بها، فأماتهم الله بكلمةٍ؛ عقوبةً لهم على فرارهم من قدَرِ الله، ثم أحياهم بكلمةٍ؛ ليبيِّن لهم أنه لا مَفَرَّ من قدَرِ الله، وأن الله على كل شيء قدير. واعلموا: أن الله ذو فضل على الناس، ولكنَّ أكثر الناس يَجحَدونَ نعمة الله ولا يشكُرُونها. وقد قيل: إن الذين خرجوا كان عدَدُهم عشَرةَ آلاف.

244

حثَّ جل وعلا عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله؛ لنصرةِ دِينِ الله، وإعلاءِ كلمته، وألَّا يتأخَّروا متى دُعُوا للجهاد بالنفس والمال. واعلموا: أن الله سميعٌ لأقوالكم وإن خَفَتَتْ، عليمٌ بنيَّاتكم وإخلاصكم.

245

ثم حثَّ جل وعلا عباده على الإنفاق في سبيل الله؛ لمرضاة ربِّهم، ونصرةِ دِينه، محتسبين الأجر في ذلك، وقد تعهَّد الله بأن يجازيهم بذلك أضعافًا كثيرة، وبيَّن سبحانه أن مفاتِحَ الرزقِ بيده؛ يضيِّقُ على من يشاء، ويوسِّعُ على من يشاء؛ ابتلاءً لعباده واختبارًا. واعلموا: أنكم إليه وحده تُرجَعونَ بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

246

يقصُّ جل وعلا على نبيه ﷺ قِصَّةَ الأشراف من بني إسرائيل الذين جاؤوا بعد زمان موسى عليه السلام، فقال جل وعلا: ألم تعلم -أيها النبي- خبر القوم من بني إسرائيل الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام، حين طلبوا من نبيِّهم شَمْعُونَ أن يولِّيَ عليهم قائدًا مَلِكًا يجتمعون تحت رايته، ويقاتلون معه في سبيل الله، فقال لهم نبيُّهم: أخشى إن أوجب الله عليكم القتال ألَّا تقاتلوا، فقالوا: لماذا لا نقاتل في سبيل الله وقد شرَّدنا عدوُّنا من ديارنا، وفرَّقنا عن أبنائنا؟! فلما أوجَبَ الله عليهم القتال مع القائد الذي عيَّنه لهم، فرَّ أكثرهم وتركوا القتال جُبْنًا وخوفًا، ولم يصبِرْ منهم إلا فئةٌ قليلةٌ ثبتت بفضل الله، واعلموا -أيها الناس- أن الله عليمٌ بالظالمين الذين ينكُثُونَ ما عاهدوا الله عليه، وسيجازيهم على ذلك.

247

ثم قال لهم نبيهم: إن الله قد اختار لكم طالوتَ مَلِكًا وقائدًا تقاتلون تحت رايته، فاعترَضوا كعادتهم، وقالوا: كيف يكون مَلِكًا علينا، وهو ليس أهلًا لذلك؟! ثم علَّلوا سبب اعتراضهم، فقالوا: أولًا: نحن أحق بالمُلْكِ منه؛ لأنه لم يكن مِن سِبْطِ يهودا، والمُلْكُ كان في سِبْطه. ثانيًا: أنه لم يكن مِن أهل الثراءِ والغنى؛ ليستعين به على المُلْك. فردَّ عليهم نبيُّهم، فقال: اعلموا -يا قوم- أن الله اختاره وهو أعلمُ بمَن يختار، وقد أعطاه الله سَعَةً في العلم؛ وهو رأسُ الفضائل، وقوَّةً في الجسم، وبهما تتمُّ شؤونُ الملك، واعلموا: أن الله يُعطِي المُلْكَ لمن يشاء من عباده، والله واسعُ الفضل، كثيرُ الإحسان، عليمٌ بخفايا الأمور وأسرارها، وهو أعلمُ بمَن هو أهل للمُلْكِ فيصطفيه على غيره من الخلق.

248

ثم قال لهم نبيُّهم أيضًا: إن علامة مُلْكه أن يُحضِرَ لكم الصندوق الذي استولى عليه الأعداء (العماليق)، والذي فيه التوراة، وفيه طمأنينةٌ مِن ربكم، وفيه بقايا من آثار موسى وهارون؛ مثلُ العصا والثياب، تأتي به الملائكة وتضَعُهُ بين يدَيْ طالوت. واعلموا: أن في ذلك دليلًا وبرهانًا لكم على اختيار طالوتَ مَلِكًا عليكم بأمر من الله؛ إن كنتم تصدِّقون بالله ورسوله، وتعملون بشرعه.

249

ثم أخبَرَ سبحانه أن طالوتَ لمَّا فصَلَ بالجنود لقتال العمالقة، قال لهم: إن الله مختبِرُكم بنهر سوف تمُرُّونَ عليه؛ فمَن شرب منه، فليس من جندي، ومَن لم يذُقْهُ، فإنه من جندي؛ إلا مَن اغترف غُرْفةً واحدة بيده. وهذا من رحمة الله ولطفه بجنده: أنه أَذِنَ لمن اشتدَّ به العطش أن يبُلَّ شفتَيْهِ وحلقَهُ بحفنة من الماء. وقوله: ﴿فَصَلَ﴾، أي: خرَجَ؛ كما قال تعالى في قصَّة يوسف عليه السلام: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ﴾ [يوسف:94]، أي: ولما خرَجَتِ العِيرُ من مصر. فلما وصلوا إلى النهر، وقد بلَغَ بهم العطشُ مبلغه، شَرِبَ أكثرهم إلا نفرًا قليلًا منهم صبروا على شدة العطش، فلما تجاوز طالوت النهر هو والقلة من المؤمنين الذين معه، ورأوا كثرةَ عدوِّهم وعُدَّتَهم، قالوا: لا طاقة لنا اليومَ بجالوت وجنوده، فردَّ أولئك الصادقون الصابرون، وقالوا: كم من مجموعة مؤمنة صابرة قليلة العدد والعدَّة غلَبَتْ مجموعة كافرة كثيرة العدد والعدَّة؛ بإذن الله وأمره وتأييده؛ فالعبرةُ في النصرِ والغلَبةِ: الإيمانُ، لا الكثرة. واعلموا: أن الله مع الصابرين من عباده؛ يُنزِلُ عليهم السكينة، ويؤيِّدهم وينصُرُهم. وهكذا ربَطَ الله الانتصار في المعركة بالانتصار على النَّفْس، وأن مَن لم يستطع الانتصار على هواه، فإنه مغلوب، ولن ينتصِرَ في المعركة التي هي أكبر من الانتصار على النَّفْس. كما قال الشاعر: عَلَيْكَ بِالنَّفْسِ فَاحْكُمْهَا فَمَنْ مَلَكَتْ قِيَادَهُ النَّفْسُ عَاشَ الدَّهْرَ مَخْذُولًا

250

ولمَّا صاروا في البَرازِ وهو المتَّسعُ من الأرضِ التقى الجيشان: جيشُ طالوت، وجيشُ أميرِ العمالقةِ جالوتَ، قال جيشُ طالوت: يا ربِّ، مُدَّنا بصبر من عندك، وثبِّت أقدامنا أمام عدوِّنا، وأيِّدنا بتأييدك، وانصرنا بقوَّتك على الأعداء الكافرين الجاحدين المجرمين.

251

ثم بيَّن جل وعلا أن جيش طالوت هزَمَ جيش جالوت؛ بإذن الله وفضله، وأن داود قتَلَ جالوت قائد الجبابرة، وحصَلَ بذلك الفتحُ والنصر؛ ولذا فقد كافأ الله داود عليه السلام، وأعطاه المُلْكَ والحكمةَ وهي النبوَّةُ في بني إسرائيل بعد ذلك، وعلَّمه مما يشاء من العلوم، ومن ذلك صنعةُ الدروع. ثم بيَّن سبحانه أنه لولا دفعُ اللهِ بعضَ أهل الشر ببعض أهل الخير، لفسَدَتِ الأرض، وعمَّ الكفر، وتمكَّن الشر، ولكن الله -جلَّ في علاه- ذو فضل على المخلوقين جميعًا. قال بعض المفسِّرين: (إن طالوت قال للثابتين معه: مَن يقتُلْ جالوت العدو، وهو مَلِكُ الكفار، فسوف أتنازَلُ له عن المُلْك)، وكان من بين جنود طالوت رجلٌ اسمه: داود، فباشَرَ داود القتال، فقتل جالوت، فتنازَلَ طالوتُ له عن المُلْك، فصار داود عليه السلام مَلِكًا، وآتاه الله النبوَّة، وعلَّمه مما يشاء مِن العلوم والمعارف.

252

واعلم -أيها النبي- أن هذه الأخبارَ والآياتِ هي حُجَجٌ وبراهينُ وأدلَّةٌ نقُصُّها عليك بالحق وحيًا يُتْلى عليك، متضمِّنًا الصدقَ في أخبارِه، والعدلَ في أحكامِه، وإنك لرسولٌ صادقٌ أمين، مرسَلٌ من عند رب العالمين، وفي هذا تقويةٌ لقلبه وتثبيتٌ لجَنانِه، وإعلاءٌ لأمرِه.

253

أخبَرَ جل وعلا أنه فضَّل بعض الرسل على بعض؛ فمن هؤلاء الرسل: مَنْ كلَّم الله؛ مثل آدم وموسى ونبينا محمد عليهم السلام أجمعين، ومنهم: مَنْ رفعه الله درجات؛ كمحمد ﷺ، ثم بيَّن سبحانه أنه أعطى عيسى بن مريم عليه السلام المعجزات الباهرات؛ كإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وأيَّده بجبريل وذلك بإعانته ومؤازرته، ورفَعَهُ سبحانه إلى السماء لما همَّ اليهود بقَتْله وصَلْبه. ثم بيَّن سبحانه أنه لو أراد، ما اقتتَلَ الناس بعد أن جاءهم الأنبياء والرسل بالأدلة والبراهين، ولَجَمَعهم على الهدى، ولكن اقتضت حِكْمته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلهم مختارين؛ ولذلك اختلف أتباعهم؛ فمنهم: مَنْ ثبَتَ على إيمانه، ومنهم: مَنْ أصرَّ على كفره وضلاله، ولو أراد الله، ما اقتتَلُوا ولا وقع بينهم الاختلاف، ولكنَّ الله يفعل ما يريد في خلقه وملكه ويختار. وهذه الآية دليلٌ على أن الصراع بين الحق والباطل باقٍ إلى قيام الساعة. وفيها: إثبات صفة الكلام لله جل وعلا على الوجه اللائق بجلاله وعظمته؛ من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.

254

حثَّ جل وعلا عباده المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله، وفي جميع وجوه الخير؛ ببعض ما رزَقَهم من أنواع النعم، قبل أن يأتي يومُ القيامة الذي لا بَيْعٌ فيه ولا فداءٌ ولا صداقةٌ ولا شفاعةٌ تنفعكم، واعلموا أن الكافرين الجاحدين بآيات الله هم الظالمون حقًّا المتجاوزون لحدود الله.

255

أخبَرَ جل وعلا أنه وحده المستحِقًّ للألوهية، وهو حيٌّ دائمٌ باقٍ لا يموت ولا يفنى، وأنه قائم على تدبير الخلق وتصريف الكون، لا يأخذه النُّعَاس ولا النوم، وأنه يملك كل ما في السموات وما في الأرض، ولا يشفع أحدٌ لأحدٍ عنده إلا إذا أَذِنَ الله للشافع، ورضي عن المشفوع، وأنًّ علمه محيط بجميع الكائنات، وهو يعلم ما بين أيدي الخلائق في مستقبلهم وما خلفهم مما مضى، ولا يطَّلع أحد من الخلق على شيء من علمه إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه، وأنه وَسِعَ كرسيُّه السموات والأرض ولا يُثْقِلُهُ سبحانه حفظُهما، وهو العلي بذاته وصفاته، له العظمة والكبرياء. وقوله: ﴿ٱللَّهِ﴾، هو أعظَمُ الأسماء التسعة والتسعين؛ لأنه دالٌّ على الذات الجامعة لصفات الألوهية كلها. وقال الجمهور: (إنه الاسم الأعظم مطلقًا)، وقال آخرون: (الاسمُ الأعظم: هو الحيُّ القيوم). وقوله: ﴿وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ﴾، قال شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله: (الكرسيُّ: من مخلوقات الله العظيمة، والعرش الذي هو سَقْفُ العالم، ومحيطٌ بالكون كله؛ فوق الكرسي، والله جل وعلا فوق العرش، ولا يُشْبِهه شيء، ولا يُعْلَمُ من صفاته إلا ما أعلَمَ عنه الله في كتابه، أو أعلم عنه نبيه ﷺ. وقال رحمه الله: (ولم يَضِقْ كرسيُّه لبَسْطته وسَعَته عن السموات والأرض؛ فهو محيطٌ بالسموات والأرض، والعرشُ محيطٌ بالكلِّ، قال ﷺ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ مِنَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ»[15]. وقال رحمه الله أيضًا: (وفَضْلُ العرشِ وسَعَتُهُ على الكرسيِّ كفضل تلك الفلاة على تلك الحَلْقة، والله سبحانه أعظم وأجل وأكبر). وهذه الآية تسمى آية الكرسي، وقد أخبر ﷺ أنها أفضل آية في القرآن، وورد في فضلها أحاديث كثيرة.

256

نهى جل وعلا أن يُكْرَهَ على الإسلام مَنْ يدفع الجِزْية؛ لأنه قد تبيَّن الهدى من الضلال؛ فمن يكفُرْ بكل ما عُبِدَ من دون الله، ويؤمنْ بالله وحده لا شريك له، فقد استمسك بالطريقة المثلى التي لا تنقطع، واعلموا أن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بنيَّاتكم، وسيجازي كلًّا بعمله؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ. والنهي الوارد في هذه الآية نهيٌ خاصٌّ بأهل الكتب السماوية، أما المشركون والملحدون والدهريُّون، فإنهم لا تُقْبَلُ منهم الجزية؛ بل قال تعالى في حقهم: ﴿تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ﴾ [الفتح:١٦].

257

واعلموا -أيها الناس- أن الله الذي بيده ملكوت السموات والأرض هو وليُّ المؤمنين؛ يتولى أمورهم فيحفظهم ويرعاهم، ويُخْرِجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى نور الإيمان والعلم والهداية، أما الذين جحدوا آيات الله وكفروا بها، فأولياؤهم وأنصارهم الشياطين من الجن والإنس؛ الذين يَسْعَوْنَ جاهدين في إخراجهم من نور الإيمان والهداية إلى ظلمات الكفر والضلال، وهؤلاء الجاحدون هم أصحاب النار خالدون فيها أَبَدَ الآبدين.

258

أخبَرَ جل وعلا عن الحوار الذي جرى بين إبراهيم عليه السلام والمَلِكِ الطاغية النُّمْرُودِ؛ فقال سبحانه لنبيه ﷺ: هل رأيت -أيها النبي- إلى جرأة هذا المَلِكِ الطاغية الذي خاصم إبراهيم عليه السلام في توحيد الله وربوبيته وعبوديته، فقد أعطيناه المُلْكَ، فطغى وتكبَّر، وغرَّه ملكه، ولم يشكُرْ ربه الذي أعطاه هذا الملك، فدعاه إبراهيم عليه السلام لتوحيد الله وربوبيته وعبوديته. فسأل المَلِكُ الطاغية إبراهيم عليه السلام عن ربه، فأجابه عليه السلام: ربي الذي يُحْيِي ويميت. فردَّ هذا الطاغية الجاحد، فقال: وأنا أيضًا أُحيي وأُميت؛ أَلَا ترى أنني أقتُلُ مَن شئتُ؛ فأكونَ قد أَمَتُّه، وأعفو عمن شئتُ، فأكونَ قد أحييته؟! فقال له إبراهيم: وما دام الأمر كذلك، فأنت تعلم أن الله يأمر الشمس فتخرُجُ كل يوم من جهة المشرق، فهل تستطيع أن تغيِّر سُنَّةَ الله وتجعلها تخرُجُ من جهة المغرب؟ فتحيَّر هذا المجرم الفاجر، وانقطع عن الجدال بعد أن أفحمه إبراهيم عليه السلام. وهذا شأن كل ظالم؛ فإن الله لا يَهْدِيهِ إلى الحق والصواب.

259

ثم تحدَّث جل وعلا عن رجل متعجِّب من قدرة الله تعالى؛ حيث مَرَّ على قرية قد تهدَّمت وخَرِبَتْ، فقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد دَمَارها وموت أهلها؟! فأماته الله مائة عام، وأمات معه حماره، ثم بعثه، وقال له: كم لَبِثْتَ ميتًا؟ فقال: لبثتُ يومًا أو بعض يوم، فقال له ربه: بل بَقِيتَ ميتًا مائة عام، ثم أمره أن ينظُرَ إلى طعامه وشرابه؛ كيف حفظه الله ولم يُفْسِده، وأمره أن ينظُرَ إلى حماره الذي مات معه؛ لكي يرى كيف ينشأُ وتُبَثُّ الحياة فيه، بعد أن كان عظامًا متفرِّقةً؟! واعلم أن الله أراك ذلك؛ لتعلم قدرته، ولتكون دلالة ظاهرة للناس على البعث بعد الموت. ثم أمره جل وعلا أن ينظُرَ إلى حماره ويشاهد دَرَجات تركيب جسمه؛ كيف يصل العظام بعضها ببعض، ويرفع بعضها على بعض، ثم يكسوها لحمًا، ثم ينفخ فيها الروح لتعود إليها الحياة. فلما تبيَّن له ورأى قدرة الله بعينه، اعترف بعظمته، وأنه على كل شيء قدير. قال بعض المفسِّرين: (إن الذي مَرَّ على هذه القرية هو عُزَيْرٌ أحد أنبياء بني إسرائيل)؛ ولهذا قال اليهود -عليهم من الله ما يستحقُّون-: ﴿عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة:30]؛ ولذا عبَدُوه.

260

ثم أخبَرَ جل وعلا بالحوار الذي جرى بينه وبين إبراهيم عليه السلام؛ حيث طلب إبراهيم من ربه أن يُرِيَهُ كيفية إحياء الموتى، فقال الله عز وجل: ألم تؤمن -يا إبراهيم- بأني قادر على إحياء الموتى؟! فرد إبراهيم قائلًا: بَلَى، ولكني أرغب أن أرى ببصري كيفية الإحياء؛ لأزداد إيمانًا ويقينًا. فأمره جل في علاه أن يأخذ أربعة من الطير فيضمَّها إليه، ثم يَذْبَحَها ويقطِّعها، ثم يَخْلِطُ بعضَها ببعضٍ، ثم يجعل على كل جبل منهنَّ قِسْمًا. ثم أمره أن يناديها، فلما ناداها، أتَتْه مسرعة بعد أن رَدَّ الله إليها روحها، وعاد كل عضو فيها إلى أصله. واعلم -يا إبراهيم- أن الله عزيزٌ لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء، حكيمٌ يضع كل شيء في موضعه المناسب بحِكْمةٍ وإحسان. قال بعض المفسِّرين: (إن إبراهيم عليه السلام لم يَشُكَّ في قدرة الله تعالى، ولكنه أراد معرفة الكيفية، ولم يكن يريد أن يزيد إيمانه). وهذا قول الأشاعرة وأغلب الفرق والطوائف؛ حيث يقولون: (إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص)، أما أهل السنة والجماعة، فيقولون: (إن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي). وهذا هو الصواب الذي دلَّت عليه الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة.

261

حثَّ جل وعلا عباده على الإنفاق في سبيل الله، وشبَّه سبحانه الذي ينفق ماله في سبيله، كمَنْ يزرع حبة قمح، وهذه الحبة تُنْبِتُ سبع سنابل، وفي كل سنبلة مائة حبة؛ فيكونُ الناتج من حبة واحدة فقط سبعمائة حبة. وهكذا: فإن الذي يُنْفِقُ ماله في إعلاء كلمة الله، فإن الله يضاعف له الأجر والثواب مضاعفات كثيرة. واعلموا أن الله واسعُ الفضلِ والكَرَم، عليمٌ بما تُكِنُّهُ صدوركم ونياتكم، وبمَن يستحقُّ الأجرَ والثواب.

262

ثم بشّرَ جل وعلا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله لنصرة دينه وإعلاء كلمته، ثم لا يُتْبِعونَ صدَقاتهم بالمنِّ ولا أذية السائلين؛ فإن لهم الأجر والثواب من ربهم بحسب نفقتهم ونيتهم؛ وهؤلاء لا خوفٌ عليهم مما يَرَوْنَ يوم القيامة من الأهوال، ولا يحزنون على ما فاتهم من حطام الدنيا.

263

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكلمة الطيبة التي يُرَدُّ بها الفقير، والعَفْوَ عما بَدَرَ منه من إلحاح وغيره، خيرٌ من صدقة يتبعها أذية وكلام سيِّيء ونحوه. واعلموا أن الله غنيٌّ عن أموالكم، حليمٌ لا يعاجل بالعقوبة من يخالف أمره.

264

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه وتصدَّقوا في سبيله، لا تضيعوا أجر صدقاتكم بالمنِّ على الفقير والمحتاج، والإساءة إليه بكلام أو فعل جارح، وتكونوا كمن ينفق ماله ليراه الناس فيُثْنُوا عليه، وهو لا يؤمن بالله ولا يؤمن بيوم القيامة. واعلموا أن عمل هذا المرائي يشبه التراب الموجود على حجر أملس، ثم هطل عليه مطر، فأزاح التراب وترك الحجر أملس ليس للغيث أثَرٌ عليه. وهكذا المنافق المرائي: تذهب أعماله عند الله هباء، ولا يجد ثوابًا على ما قدَّم من نفقات، والله لا يوفِّق الكفار إلى ما يُسْعِدهم ويُنْجِيهم لإصرارهم على الكفر وعدم قبول الحق؛ كما قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣].

265

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين ينفقون أموالهم ابتغاء وجه الله، وهم ثابتون مطمئنون، مَثَلُهم كَمَثِل بستان في مكان مرتفع من الأرض، أصابه مطَرٌ غزير، فأثمر ضعف إنتاجه، فإن لم يصبه مطر غزير، فيكفيه أن يصيبه الندى الخفيف، وهكذا من ينفق أمواله مريدًا بذلك وجه الله والدار الآخرة، فإنها تُقْبَلُ عند الله وتضاعف أضعافًا كثيرة، واعلموا أن الله مطَّلعٌ على أعمالكم بصيرٌ بها، وسيجازيكم عليها.

266

ثم سأل جل في علاه عباده فقال لهم: أيحب أحدكم -أيها الناس- أن يكون له بستان مُثْمِر بالنخيل والأعناب، تجري من تحت أشجاره المياه، ويحتوي على كل أنواع الثمار، وكان صاحبُ البستان رجلًا كبيرًا في السن، وله أبناء صغار لا يقدرون على الكسب، وفي هذه الأثناء هبَّت ريح عاصف فيها نار أصابت هذا البستان فأحرقته؛ فكيف تكون حسرته وحزنه؟! وهكذا الذي ينفق أمواله رئاء الناس، يأتي يوم القيامة وقد ذهَبَتْ حسناته، وبمثل هذا يبيِّن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الأمثال للناس لكي يتدبروا ويعتبروا.

267

حث جل وعلا عباده المؤمنين على الإنفاق مما كسبوا من الحلال الطيب في التجارات، ومما تُخرِجُ الأرض لهم من الحبوب والثمار والمعادن وغير ذلك، ونهاهم سبحانه عن الإنفاق من الأموال الرديئة التي لو بُذِلَتْ لهم، لم يقبلوها إلا بالكُرْهِ وغضِّ الطرف عنها؛ فكيف يرضون أن تكون نفقاتهم لله من الرديء ولا يَرْضَوْنها لأنفسهم؟! واعلموا -أيها الناس- أن الله غنيٌّ عنكم وعن نفقاتكم، وأنه تعالى مستحقٌّ للثناء ومحمودٌ في كل حال.

268

ثم حذَّر جل وعلا من الشيطان ووساوسه، وأخبَرَ أنه يخوِّفكم من الفقر حتى لا تتصدَّقوا، وفي المقابل يأمركم بالمعاصي؛ فتنفقون أموالكم فيها، وتبخلون بها في الخير، واعلموا أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يأمركم بالإنفاق في سبيله؛ لتكون النفقة سببًا في مغفرة ذنوبكم، ويُخلِفُ عليكم فيما أنفقتموه، كما أن في الإنفاق سدًّا لحاجات إخوانكم المحتاجين. واعلموا أن الله تعالى واسعُ الفضل كثيرُ الإحسان، وهو عليمٌ يعلم من يستحق الثواب والثناء.

269

واعملوا -أيها الناس- أن الله يعطي العلم من طَلَبَهُ، وسعى في تحصيله رغبة في العلم، ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ أنعم الله عليه وشرح صدره للعلم والفقه، فقد حصل على خير كثير؛ كما قال ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّههُ فِي الدِّينِ»[16]، وما يتعظ بهذه الآيات وهذه التوجيهات الربانية إلا أصحابُ العقول النيِّرة، والأحلام الكاملة.

270

أخبَرَ جل وعلا أنه يعلم كلَّ نفقة أنفقتموها في وجه الخير، وكلَّ نذر ألزمتم أنفسكم به، وأن أعمالكم محفوظة لكم وسيجازيكم عليها، بحَسَبِ نياتكم، واعلموا أن من منَعَ حق الله من الزكاة وغيرها، فإنه ظالم لنفسه، وليس للظالمين مِن نصيرٍ ينصُرُهم ويمنعهم من عذاب الله.

271

واعلموا -أيها المؤمنون- أنكم إذا أعلنتم صدقاتكم وأظهرتموها بلا رياء ولا سمعة، فَنِعْمَ ما فعلتم؛ لا سيما إن قَصَدتُّمْ أن تكونوا قدوة للآخرين، وإن تخفوها وتعطوها للفقراء سرًّا، فهذا خير لكم وأنفع؛ فإنه جل وعلا يكفِّر عنكم سيئاتكم بهذه الصدقات، إذا كانت خالصة لوجه الله، واعلموا أن الله خبير بأعمالكم ونياتكم لا تخفى عليه خافية.

272

واعلم –أيها النبي- أن الله لم يوكِّلْ إليك أمر هداية الكفَّار والمعاندين، وإنما عليك البيان والتوجيه والبلاغ، وأما الهداية والتوفيق، فمن الله وحده، يهدي من يشاء إلى دينه، واعلموا أن ما تنفقونه من المال يعود عليكم نفعه، واعلموا أن كل ما تنفقونه في سبيل الله لطلب رضا الله مخلصين فيه لله وحده، فإن أجره وثوابه يعود عليكم أضعافًا مضاعفة، والله عادل لا يظلم مثقال ذرة.

273

حث جل وعلا عباده أن يجعلوا صدقاتهم للفقراء المجاهدين في سبيل الله الذين منعهم الجهاد من التكسُّب؛ فهم أشد الناس حاجة، ويظن من لا يعرفهم أنهم أغنياء لكونهم متعفِّفين عن المسألة، ولكنْ يُعْرَفُونَ بعلامات، وآثارُ الحاجة بادية عليهم، وهم لا يسألون الناس أبدًا، وإن سألوا مضطرِّين، فإنهم لا يُلِحُّونَ في المسألة. واعلم أيها المتصدق أن الله عليم بكل ما تنفقه، وأنه محفوظ، وسيجازيك عليه أعظم الجزاء. وهذه الآية تعم جميع الفقراء المتعفِّفين، كما قال ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ؛ إِنَّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفِّفُ؛ اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ﴾ »[17].

274

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الذين يتصدَّقون بأموالهم ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهرًا، لهم ثواب عظيم عند الله، ولا خوفٌ عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من نعيم الدنيا الفاني.

275

ثم ذكر جل وعلا حال المرابين يوم القيامة: أنهم يقومون من قبورهم كالمجانين حَالُهم كحالِ من يُصرَعُ في الدنيا بمس الشيطان؛ لأنهم كانوا يقولون: إنما البيع مثل الربا؛ فكذَّبهم الله وبيَّن أن البيع حلال؛ لما فيه من المصالح والمنافع للناس، وأن الربا حرام؛ لما فيه من ظلم واستغلال للأفراد والمجتمعات. ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ بلغه تحريم الربا، فامتثل وانزجر، فله ما مضى مما كسبه قبل أن يبلغه التحريم، أو قبل توبته من الربا، وأَمْرُهُ إلى الله يقضي فيه ما يشاء. وأما من استمَرَّ على تعاطي الربا بعد أن بلغه التحريم، فأولئك قد وَجَبَتْ عليهم العقوبة، وهي دخول النار خالدين فيها. والخلود المذكور في هذه الآية هو خلودٌ أبديٌّ في النار لمن كان عارفًا بالتحريم مستحِلًّا له، لأنه مكذِّبٌ لحكم الله، أو معاندٌ وغيرُ منقادٍ له. وأما من تعاطى الربا وهو يعلم ويعتقد أنه حرام، فهو يعتبر مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب؛ فيعاقب في النار بقدر ذنوبه، ثم يخرُجُ منها بعد أن يطهِّره الله، أو يخرُجُ بشفاعة الشافعين، أو رحمة أرحم الراحمين. وقد أنكر بعض العلماء اقتحام الجِنِّيِّ جسم الإنسان ودخوله فيه، وقالوا: إن المس غير الدخول، والجمهور -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- على خلاف ذلك، وذكروا أن الله أعطاه قدرة خاصَّة تمكِّنه من دخول بدن الإنسان، وبالأخص على الذين لا يتحصَّنون بذكر الله صباحًا ومساءً وعند النوم وغير ذلك.

276

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه بعدله يمحق الربا، ويمحق مكاسب المرابين، فيذهبُ ببركتِها ونفعِها، وأنه بفضله ينمِّي صدقات المنفقين، ويكثِّرها لهم، والله لا يحب كل كافر معاند لشرع الله وحدوده، مستحِلٍّ لأكل الربا، متمادٍ في الذنوب والمعاصي.

277

ثم وعد جل وعلا كل من آمن بالله ورسوله، وعَمِلَ بشَرْعه، وعمل الأعمال الصالحة الطيبة، وأدَّى الصلاة على الوجه المطلوب كما أمر الله ورسوله، وأخرج زكاة ماله الواجبة عليه؛ بأن لهم الأجر والثواب العظيم من الله، وأنه لا خوفٌ عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون في الدنيا على ما فاتهم من حظوظها الفانية.

278

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يخافوه، وذلك باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وأن يتركوا ما بقي لهم من أموالٍ رِبَويَّةٍ عند الناس قبل تحريم الربا، ويكتفوا بأخذ رؤوس أموالهم؛ إن كانوا مؤمنين حقًّا، وصادقين في توبتهم من الربا.

279

ثم هدَّد سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى المرابين إذا لم يمتثلوا أمر الله؛ بأن ينتظروا حربًا من الله ورسوله قاسية، أما إن تابوا ورجعوا عن أكل الربا، فلهم فقطْ أصولُ أموالهم بلا زيادة ولا نقصان؛ لا يَظْلِمُونَ أحدًا بأخذ الزيادة منه ظلمًا وعدوانًا، ولا يَظْلِمُهم أحدٌ بنقص أصول أموالهم.

280

وإن كان الذي عليه الدَّيْنُ معسرًا لا يستطيع سداد ما عليه، فأمهلوه حتى ييسِّر الله أمره، وإن تصدَّقتم عليه بإسقاط بعض الدَّيْنِ أو إسقاط الدين كله، فلا شك أن هذا أفضل لكم؛ إن كنتم تعلمون فضل ذلك، وعظيم ثوابه عند الله.

281

واحذروا -أيها الناس- ذلك اليوم العظيم، وهو يوم القيامة، الذي سوف تعودون فيه إلى ربكم؛ فيجازي كل واحد بعمله؛ فالمُحْسِنُ يجازى على إحسانه، والمسيءُ يجازى على إساءته، دون أن يُظلَمَ أحدٌ في ذلك اليوم، قال بعض المفسِّرين: (هذه آخر آية نزلت من القرآن).

282

ينادي جل وعلا عباده المؤمنين قائلًا لهم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشَرْعه، إذا تداينتم بدَيْنٍ إلى وقت معلوم، فاكتبوه؛ حفظًا للحقوق، ومنعًا للخلاف والنزاع، واختاروا كاتبًا أمينًا ضابطًا يكتب بينكم. ومَنْ طُلِبَ منه الكتابة وهو قادر، فلا يمتنع، وعليه أن يحتسب الأجر والثواب في ذلك، وأن يشكر الله الذي أنعم عليه بالعلم. ويجب على المَدِينِ أن يكتُبَ كل ما عليه من الحقوق، ويراقب الله في ذلك، ولا ينقُصَ منها شيئًا. فإنْ كان الذي عليه دَيْنٌ سفيهًا، أي: محجورًا عليه لسبب من الأسباب الشرعية، أو كان ضعيف العقل، أو كان طفلًا، أو أَبْكَمَ، ولا يستطيع أن يكتب الحقوق التي في ذمته-: فإن وليَّه يقومُ مقامه، ويكتُبُ ما له وما عليه من الديون دون زيادة أو نقصان. وعليه أن يُشهِدَ على الوثيقة شاهِدَيْنِ بالغَيْنِ عاقلَيْنِ من الرِّجال المسلمين، فإذا لم يوجد رجلان، فلا مانع أن يكون الشهود رجلًا وامرأتَيْنِ ممن ترضون من الشهداء العدولِ؛ وإنما اشترط امرأتان؛ حتى إذا نَسِيَتْ إحداهنَّ ذكَّرتها الأخرى، لغلبة النسيان عند النساء، وبالأخص في الأمور التجارية. ولا يجوز للشهود الامتناعُ عن الشهادة إذا دُعُوا إليها؛ حتى لا تضيع حقوق المشهود لهم. ثم أخبر جل وعلا أنه يجب عليكم كتابة الديون إلى وقتها المعلوم؛ سواءٌ كانت قليلة أو كثيرة، وعليكم ألَّا تَضْجَرُوا من ذلك؛ وهذا أصح وأحفظ عند الله، وأثبت للشهادة، وأقرب إلى نَفْيِ الشك في مقدار الدَّيْنِ والأجل. ثم استثنى جل وعلا من ذلك ما يحصُلُ في البيع والشراء من استلام السلعة ودَفْعِ ثمنها في الحال؛ فهذه لا إثم عليكم في عدَمِ كتابته وتوثيقه. وعليكم أن تُشْهِدوا على العقود في مبايعاتكم، وخاصَّة في الأمور الكبيرة؛ كبيع الأراضي والبيوت، والمتاجر والشركات، ونحو ذلك. ولا يجوز الإضرار بالكاتب والشهود؛ كأن يكلَّفَ بالسَّفر من بلد إلى بلد لأداء الشهادة، دون أن يُعْطَى تكاليف السفر، بل يجب إكرامه وتعويضه؛ فإن حصَلَ منكم إضرار، فقد عصيتم الله وخرَجْتم عن طاعته. واتقوا الله -أيها الناس- وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ فإنه يعلِّمكم سبحانه جميع ما يُصْلِحُ أمورَ دنياكم وآخرتكم، وهو بكل شيء عليمٌ، لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء. وهذه الآية تسمَّى: (آيَةَ الدَّيْنِ)، وهي أطول آية في كتاب الله، أما أقصر آية، فهي في سورة المدَّثر، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر:21] وقيل: (والفجر) أو (والضحى) أما في الحروف المقطعة فـ (طه)[18]. وقد اشتملت هذه الآية على أحكام وأوامر كثيرة متعلِّقة بالبيوع؛ فالواجب على المسلم أن يتعلَّمها ويعمل بها؛ حتى يكون من الفائزين والناجين في معاملاتهم المالية.

283

ثم بيَّن سبحانه لمن كان في سفر، واحتاج للاقتراض إلى أجل محدَّد، وقد تعذَّرت الكتابة بسبب السفر أو أي مانع آخر، فعلى صاحب الحق أن يأخذ رهنًا يقوم مقام الكتابة ليَحْفَظَ به حقَّه، فإن وَثِقَ صاحب الحق في ذمة صاحبه وأمانته، فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد إن كان ذلك غير ممكن، ويكتفى بالرهن، فإن لم يوجد، فعلى صاحب الحق أن يتقي الله ويؤدي ما عليه من الحقوق التي اؤتمن عليها، فإذا أنكر مَنْ عليه الدَّيْنُ وكان هناك مَنْ حضر وشهد، فعليه أن يشهد بما علم ولا يكتم شهادته، ومن كتم شهادته، فإنه فاجرٌ وآثم قلبه. واعلموا أن الله مطلع على سرائركم، وما تخفيه قلوبكم، وسيجازيكم على جميع أعمالكم. وقد ذكر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذه الآية الرِّهَان، وهو التوثيق الثاني للعَقْد بعد الكتابة، والثالث: هو الكَفَالة. وذِكْرُ السفر هنا ليس شرطًا، وإنما ذُكِرَ لأنهم في الماضي كانت لا تتهيأ لهم أدوات الكتابة في السفر، ثم اعتُمِدَ الرهن في السفر وغيره.

284

أخبَرَ جل وعلا أنه يملك جميع ما في السموات والأرض، ويعلم سبحانه كل ما تظهرونه أو تخفونه في أنفسكم، من خير أو شر، وسيحاسبكم عليه، وأنه سبحانه يغفر لمن شاء من عباده العاصين، ويعذِّب من شاء منهم، وهو على كل شيء قدير، لا يُعْجِزه شيء في الأرض ولا في السماء.

285

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين آمنوا بما أُنزِلَ إليهم من ربهم من القرآن والوحي، وأنَّ كلًّا منهم آمن بالله وحده لا شريك له، وآمنوا بالملائكة الكرام، وآمنوا بالكتب التي أُنزِلَتْ على الرُّسُل، وآمنوا بالرسل والأنبياء الذين أرسلهم الله، وأنهم لا يفرِّقون بين الرسل؛ فيؤمنون ببعضهم، ويكفرون ببعض؛ كما فعلت اليهود والنصارى؛ بل يؤمنون بالرسل والأنبياء جميعًا، وقالوا -أي: الرسل والمؤمنون-: سمعنا يا رب قولك، وأطعنا أمرك، فنسألك أن تغفر لنا -بفضلك- ذنوبنا وتقصيرنا؛ فإنه أنت ربنا ليس لنا ربٌّ سواك، وإنَّ إليك وحدك مصيرَنَا ومرجعَنَا.

286

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا يكلِّف نفسًا إلا ما تطيق رحمةً بالعباد، وأن لكل نفس جزاءَ ما عَمِلَتْ من خير، وجزاءَ ما عَمِلَتْ من شر، وأرشد المؤمنينَ أن يقولوا عند دعائِهم ربَّهم: ربَّنا، لا تعاقبنا إن نسينا شيئًا مما أمرتنا به أو أخطأنا بارتكابِ شيءٍ مما نهيتَنا عنه؛ فأنت تعلم أننا بشَرٌ ضعافٌ مقصِّرون، ويا ربنا لا تكلِّفنا ما لا نطيق من الأغلال التي كانت على الذين مِنْ قبلنا، ويا ربَّنا لا تحمِّلنا ما لا نستطيعه من التكاليف والمصائب التي نَعْجِزُ عنها، وامْحُ ذنوبنا، وكفِّر سيئاتنا، وارحم ضعفنا وتقصيرنا؛ فأنت مولانا ومالك أمرنا، ولا رب لنا سواك، وانصُرْنا يا ربنا على الكفار الذين جحدوا دينك، وكذَّبوا نبيك محمدًا ﷺ. وقوله: ﴿وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا﴾، الإصرُ مفردُ الآصارِ: وهي التكاليفُ الشاقةُ، وقد استجاب جل وعلا -وله الحمد والشكر- حيث قال: (قد فَعَلْتُ)[19]. وقد نزلت هذه الآية؛ تخفيفًا عن المؤمنين لمَّا اشتكَوْا إلى الرسول ﷺ، وقالوا: إننا امتثلنا التكاليف التي نطيق، أما الخواطر النفسية، فهذه من الأمور التي لا يسلم منها أحد؛ يشيرون بذلك إلى الآية التي قبل هذه، وهي قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ...﴾؛ فأكرَمَ الله المؤمنين، وعفا عن الخواطر النفسية. وقد ثبت عن النبي ﷺ: «أنَّ مَنْ قرأ الآيتَيْنِ الأخيرتَيْنِ من سورةِ البقرةِ في ليلةٍ، كَفَتَاهُ»[20]، أي: كفتاه من جميع الشرور؛ لما احتوتا عليه من المعاني الجليلة.